الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
أدخلونا الشرق الأوسط في حروب طائفية وفوضى لمئة عام قادمة
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 53، كُتب في نحو آذار 2022
يقول هنري كيسنجر: قمنا بتطبيق ما يلي:
مبدأ «فرّق تسد»، وهو القانون البريطاني الأول والأخير لاستعمار العالم على مدى عقود.
عندما سُئل هنري كيسنجر، واضع نظرية تهجير اللبنانيين منذ أكثر من نصف قرن، وكبير الاستراتيجيين الأمريكيين، أثناء محاضرة في المعهد الأمريكي لدراسات الشرق الأوسط في الكونغرس عن مستقبل الشرق الأوسط، أجاب: «أدخلنا الشرق الأوسط في حروب طائفية وفوضى لمئة عام قادمة». ومن ذلك، على سبيل المثال، القصة الآتية.
جولة في دهاليز مظلمة
يقع أحد المساجد المهمة في طهران (إيران) على مقربة من السفارتين العثمانية والبريطانية، وكان ذلك في عهد الدولة العثمانية. وكان موظفو السفارة العثمانية، الذين يتجاوز عددهم السبعين شخصاً، يرتادون هذا المسجد دائماً للصلاة فيه، ويتناوبون فيه مع الشيعة: فعند الظهر يصلي موظفو السفارة العثمانية صلاة الظهر وينصرفون، ثم يقيم إمام المسجد الشيعي الصلاة، فيصلي الشيعة الظهر والعصر جمعاً.
أما عند المغرب، فيصلي العثمانيون المغرب ويتفرقون، ثم يصلي الشيعة المغرب والعشاء جمعاً، وبعد فترة يعود العثمانيون فيتجمعون في المسجد ليصلوا العشاء.
لكن في ليالي الجمعة يطول برنامج صلاتي المغرب والعشاء عند الشيعة، فيتجمع العثمانيون في أطراف المسجد بانتظار أن يفرغ ليصلوا العشاء.
وهنا ينهض قارئ التعزية (العزاء على أهل البيت)، واسمه «كميلي»، وهو يحضر كل ليلة جمعة. فبعد صلاتي المغرب والعشاء يُخرج كيساً فيه «البقصم»، وهو طعام من نوع خاص لذيذ، فيوزعه على الحاضرين، ثم يقرأ التعزية.
ولا يذكر القارئ كميلي إلا مصيبة السيدة الزهراء وكسر ضلعها، ويذكر اسم الخليفة عمر بن الخطاب ويسبّه ويشتمه!
وما إن ينتهي كميلي حتى يقوم العثمانيون الذين تجمعوا لصلاة العشاء فيردّون على افترائه، فتحدث مشاجرات كثيراً ما تنتهي بعراك وضرب ولكمات حتى الإدماء، وأشدّ من ذلك في كثير من الأحيان!
ويستمر كميلي على هذا كل أسبوع، ولا يقرأ إلا هذه التعزية، وهي مصيبة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.
لكن أحد رواد المسجد، ممن يأتونه للأكل فقط، انتبه لذلك، وأراد أن يعرف سبب إصرار هذا القارئ على تكرار هذه التعزية كل أسبوع: أفلا يحفظ كميلي غير هذه التعزية؟
علماً أن هناك مناسبات حزينة أخرى طوال السنة!
فقرر هذا الشخص أن يتحقق من الأمر، فتبع كميلي وسأله: «شيخنا، حفظك الله، لماذا تصرّ على تكرار هذه التعزية، فتُحدث مشاكل بين الشيعة والسنة ينتهي الأمر فيها إلى ضرب وعراك، ويهاجم بعضهم بعضاً؟ أوَلا تحفظ غير هذه التعزية؟».
فقال كميلي: «لا، ولكن المتبرع لهذا المجلس يشترط ذلك»!
فقال له الرجل: «ومن المتبرع؟».
فأشار كميلي إلى بقّال وقال: «إن هذا البقّال يعطيني عشرة تومانات وكيساً من البقصم أوزعه على الحاضرين، ويشترط عليّ أن أقرأ هذه التعزية»!
فذهب الرجل إلى البقّال وسأله: «هل أنت المتبرع بقراءة التعزية في هذا المسجد؟».
قال البقّال: «لا، ولكن كل يوم خميس صباحاً يأتيني رجل ويعطيني عشرين توماناً، فأعطي القارئ كميلي عشرة تومانات، وخمسة تومانات ثمن البقصم، وتبقى خمسة تومانات هدية لي. لكنه يشترط أن تكون التعزية في مصيبة فاطمة الزهراء عليها السلام»!
يقول هذا الرجل: «فترصّدت ذلك الرجل يوم الخميس، فجاء كعادته ودفع العشرين توماناً للبقّال وذهب، فلحقته، وإذا به من موظفي السفارة البريطانية في طهران»!