الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ألا يشعر الأمريكيون والبريطانيون بالخجل حين يتحدثون عن جرائم بوتين؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 41، كُتب في نحو آذار 2022

  • كشفت الحرب في أوكرانيا، في ظل هذا الوضع المظلم، آلياتِ عمل بعض الحكومات في تجنيد المرتزقة للقتال في حروب تدور في بلدان أخرى.

  • فقد أصبح الحديث عن هذا الأمر علنياً، بعد أن كان حتى فترة ليست بعيدة من المحرَّمات (التابو)، وأحدَ أسرار الحكومات ووزارات الحرب والدفاع في الدول، أو أحدَ مواضيع «نظرية المؤامرة» التي يهتم بها كلُّ من يجرؤ على مخالفة الروايات الحكومية الرسمية، أو الإعلامِ العالمي المهيمن على المعلومات والأخبار، أو كلُّ من يعرف معلومات مختلفة ويطّلع عليها، تنشرها مواقع مستقلة في أيديولوجيتها وتوجهها، بل حتى تصريحات أصحاب الاختصاص في التخصصات نفسها.

  • نقرأ اليوم في الصحف اليومية الغربية والأوروبية والعربية كيف تقوم روسيا وأوكرانيا بتجنيد المرتزقة، وكيف تتفاوض روسيا على نوعية المقاتلين ورواتبهم وامتيازاتهم مع الحكومة السورية ورئيس النظام السوري بشار الأسد.

  • والأمر نفسه ينطبق على أوكرانيا وطلبها من دول حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) متطوعين يقاتلون في صفوف الجيش الأوكراني، أو في تشكيلات المقاتلين الأجانب الذين بدأوا بالوصول فعلاً إلى أوكرانيا منذ أيام، سواء من فرنسا أو كندا أو الكيان الصهيوني أو السويد أو غيرها.

  • وهذا ما لم نقرأه أو نسمع به عند غزو العراق واحتلاله وتدمير مدنه، وخاصة مدينة الموصل (نينوى).

  • اعتمدت الولايات المتحدة في كل حروبها وتدخلاتها، التي لا تُعدّ ولا تُحصى منذ عقود من الزمن، على المرتزقة الذين يسميهم البنتاغون «المتعاقدين». ولأن كل شيء في هذا البلد (أمريكا) تجارة، فهذه السوق التجارية سوقٌ مربحة ورائجة، يتعهّدها مقاولون، بينهم ساسة لديهم مثل هذه الشركات، وأهم هؤلاء صاحب شركة «بلاك ووتر» إيريك برنس، الصديق الحميم للمجرم جورج بوش.

  • ويُعدّ نيغروبونتي أحد أهم مزوِّدي الحكومة الفدرالية الأمريكية بالمرتزقة في أوقات الانقلابات التي حدثت في أمريكا اللاتينية (أمريكا الجنوبية).

  • ونيغروبونتي هو الذي جمع جيشاً كاملاً من المرتزقة من كولومبيا ونيكاراغوا وغيرهما لغزو العراق، ووصل تعدادهم إلى (200) ألف مرتزق من المقاتلين والمتعاقدين، بحسب كتاب «العراق أرض المرتزقة» لمؤلفه الضابط الفرنسي جورج بريسيه دي فالون. وكان هؤلاء يقومون أيضاً بتوفير الخدمات الأخرى التي يتطلبها وجود جيش التحالف في البلد الذي تدور فيه الحرب، كما في احتلال العراق.

  • ورغم أن الولايات المتحدة لا تخفي استخدام المرتزقة، وتنشر في صحفها الكثير عن تعاقدات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) معهم، فإنها أخفت وجودهم في حرب العراق، ولم تتكلم عن قتلاهم.

  • ولكن موقع «آي كاجوالتيز» (iCasualties) غير الحكومي، الذي قام بإحصاء أعداد قتلى الغزو على العراق وجرحاه، وثّق بشكل مفصّل أعداد القتلى من المرتزقة والمتعاقدين، إلى جانب أعداد قتلى الجيش الأمريكي وجرحاه.

  • ومع وصول الرئيس الأمريكي أوباما إلى الحكم بدأت مرحلة خطيرة في الحرب النظامية في كلٍّ من العراق وأفغانستان.

  • لقد تم تسويق أوباما للرأي العام رئيساً أسودَ مناهضاً للحرب في العراق.

  • لكن ذلك لم يكن إلا دعاية ناعمة موجهة إلى الرأي العام الأمريكي والعالمي المعادي للغزو الأمريكي على العراق؛ لأن الحقيقة هي أن أوباما كان «أسودَ» من جورج بوش، فقد شهدت فترة حكمه تطبيق خطة جون برينان، مدير المخابرات المركزية، لتشريع قتل المدنيين بطائرات الدرون.

  • وقد جرت أولَ ما جرت ضد الأفغان، ثم جرى تشكيل وحدات اغتيال خاصة لتصفية المعادين للاحتلال والغزو في العراق.

  • وهو ما تم تنفيذه بدخول «داعش» إلى العراق والموصل.

  • وخلال فترة حكم أوباما تمت أخطر عملية عسكرية في العراق، وهي عملية تدمير الموصل العاصية على الخضوع بالقصف الصاروخي لحلف الناتو، وإبادة سكانها المدنيين، بمشاركة دول التحالف (حلف الناتو) المحتلة للعراق، ومعها إيران ونظام بشار الأسد ونوري المالكي رئيس وزراء العراق في ظل العملية السياسية للاحتلال.

  • وقد جرى ذلك بطريقة التجنيد الأمريكية نفسها للمتعاقدين، وهي الطريقة التي تقوم بها روسيا اليوم في سوريا.

  • فقد وُجد تنظيم «داعش» (تنظيم الدولة) في الموصل بعد إدخال مرتزقة مدرَّبين ومتمرسين من النظام السوري، من عسكريين وميليشيات طائفية، لمتابعة القادة الوطنيين وكبار جنرالات الجيش العراقي السابق والمقاومين الوطنيين، وتحديد أماكن سكنهم لاغتيالهم.

  • ومن ثم جرى إغراء الفقراء والبسطاء في الأرياف والعاطلين عن العمل بالرواتب لتجنيدهم والتعاقد معهم تحت اسم كاذب، واستخدامهم بالضبط مثل المرتزقة الذين تجندهم الولايات المتحدة للقتال في دول أخرى.

  • وعلى غرار الولايات المتحدة، طلب وزير الدفاع الروسي، الذي زار دمشق قبل بدء المعارك في أوكرانيا، من بشار الأسد تأمين مرتزقة، واشترط أن يكونوا من الضباط ذوي الخبرة الكبيرة في حرب المدن والشوارع، ومن المقاتلين المتمرسين بشكل كامل في القتال، كما في عملية تدمير الموصل، على ألّا يقل عددهم عن (30) ألف مقاتل مرتزق.

  • فيما تستقبل القاعدة الروسية في حميميم المتطوعين المرتزقة، وتسجّل أسماء الراغبين ممن تتوافر فيهم شروط القتال المطلوب (قتال المدن والشوارع).

  • وكما تعاون نوري المالكي وقاسم سليماني أثناء عملية تدمير الموصل، يرسل بشار الأسد شباب سوريا بشكل إجباري لهذه المهمة، وبالأخص شباب «المصالحة»، للتخلص من فئة شاركت في الثورة ضد نظامه.

  • هكذا تصنع الدولة المرتزقة والمنظمات الإرهابية، ويتم تسميتهم بحسب المصالح التي يُستخدَمون لها، وتُطلق عليهم التسميات الحسنة والسيئة: فهم تارةً «إرهابيون»، وتارةً «مقاتلون من أجل الحرية»، وأخرى «إرهابيون إسلاميون»، أو «متطوعون شجعان» إذا ذهبوا إلى أوكرانيا، كما يسميهم الإعلام الفرنسي والغربي (الأوروبي) عموماً.

  • تكشف الحرب في أوكرانيا بشكل واسع أن تجنيد المرتزقة وتصنيع المنظمات الإرهابية منهم ليسا مهمات وأعمالاً بسيطة يقوم بها أفراد أو جماعات محدودة، كما تدّعي هذه الدول بشأن المنظمات الإرهابية الملصقة بالعرب والمسلمين.

  • بل هو عمل تقوم به شركات متخصصة تمتلك إمكانات كبيرة، ولها علاقات تجارية مع الحكومات، وترتبط بها وبخططها العسكرية، كما هي شركة «بلاك ووتر» الأمريكية، وشركة «بلاك ووتش» البريطانية، وشركة «فاغنر» الروسية. وكل هذه الشركات عملت في العراق وليبيا ودول أخرى لتنفيذ جرائم خطيرة محددة واغتيالات بالأسماء، تأتي من دوائر المخابرات ومن الدول الكبرى مباشرةً.

  • في سوريا وفي العراق يُقدَّم شبابنا حطباً إضافياً لكل ما تقوم به الدول المحتلة والغازية في بلداننا، فيُساقون إلى الموت والقتل، تطوعاً أو قسراً، لا يهم ذلك.

  • وحتى في هذه المآسي تطلّ شياطين التجارة والسمسرة لتسلب الشباب المحكوم عليهم بالذهاب إلى الموت، بطلب مزيد من الأموال مقابل تسجيلهم في قوائم القتال، وكأنهم ذاهبون إلى الجنة!

  • ربما لم يبقَ هناك مشهد مأساوي لم نره في سوريا والعراق، لتكون الحرب في أوكرانيا مأساةً إضافية، تشارك فيها حكومة المنطقة الخضراء في العراق والنظام السوري لقتل شعبنا في البلدين الشهيدين.