الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

احتمال هجوم جديد على إيران: بين مصداقية الأنباء ودوافع التصعيد الأمريكي الإسرائيلي

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 28 حزيران 2025

تتواتر الأنباء هذه الأيام حول احتمال شنّ إسرائيل والولايات المتحدة هجوماً ثانياً على إيران، رغم أنهما قد ضربتا بالفعل أهدافاً إيرانية استراتيجية. فما مدى مصداقية هذه الأنباء؟ وما دوافع هذه التحركات؟ ولماذا تتكرر الضربات، وما الأهداف الموجَّهة إليها؟

1- ما مدى مصداقية الحديث عن ضربة ثانية؟

  1. تقارير استخبارية وتسريبات دبلوماسية تشير إلى أن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين يناقشون خططاً لضربات إضافية، خصوصاً بعد أن ظهر أنه لم يتم تدمير كل المنشآت النووية والصاروخية، خلافاً لما أُعلن.

  2. بيانات دولية تشير إلى أن إيران بدأت إعادة بناء منشآت مثل فوردو (بيسان المنجم) ونطنز (Natanz)، وتقوية قبابها، رغم القصف السابق.

  3. تقارير استخباراتية أميركية تقول إن الضربات الأولى خلّفت أضراراً محدودة، وإن برنامج إيران النووي مؤهل للاستئناف خلال أشهر قليلة.

2- لماذا يُطرح سيناريو الضربة الثانية الآن؟

  1. لم تُحسم القدرات الإيرانية بالكامل: فرغم الضربات الأولى ما زالت إيران تملك منشآت تحت الأرض وشبكة من العلماء، ومخزونات اليورانيوم المخصب التي نُقلت مسبقاً من مواقع مثل أصفهان (Isfahan) وبوشهر (Bushehr).

  2. إعادة البناء السريع: صور الأقمار الصناعية تُظهر أعمال ترميم في فوردو ونطنز، وهو ما يقلق إسرائيل وأميركا.

  3. ضرب القيادة العلمية: عملية «نارنيا» (Narnia) الإسرائيلية استهدفت علماء نوويين بارزين (11 قتيلاً على الأقل)، لكنها لم تقضِ على القدرات المعرفية المخفية، أو تلك المتداخلة مع الجامعات والمراكز المدنية.

  4. ضرب ذاكرة إيران الردعية: تهدف إسرائيل بالضربة الثانية إلى الضغط مجدداً على إيران لإضعاف قدراتها الدفاعية، في محاولة لإرباك خطط الرد المنتظر عبر وكلائها، وعدم منح طهران فرصة للرد المنظَّم.

3- ما الأهداف المتوقعة في الضربة التالية؟

  1. منشآت صواريخ باليستية ومتوسطة المدى: مواقع إنتاج وتخزين، مثل تبريز (Tabriz) وكرمانشاه (Kermanshah).

  2. شبكات القيادة المركزية: مبانٍ لاستخبارات الحرس الثوري، وربما مبانٍ سياسية عالية القيمة (high value) مثل السجون أو مؤسسات البث الإعلامي.

  3. مراكز الطاقة والمراكز الاقتصادية الحساسة: إعادة استهداف محطات النفط والغاز لضرب القدرة الاقتصادية والاستقرار الداخلي.

4- هل سينتصر أحد هذه المرة؟

  1. من الناحية العسكرية: ستكون إسرائيل بعد الضربة الثانية أقوى في تقليص القدرات الإيرانية، لكن هذا لن يوقف الاستثمارات الإيرانية الفنية والتكنولوجية.

  2. من الناحية المعنوية: قد تستخدم إيران الرد الصاروخي أو السيبراني لتحقيق إنجاز معين، رغم أنها لا ترغب في تصعيد شامل.

  3. من الناحية الاستراتيجية: ستكون الأفضلية مؤقتة لإسرائيل مع كل ضربة، أما إيران فلا تنسحب من المشهد، بل تستبدل بالأهداف التالفة أخرى، وهي قادرة على تجديدها.

5- ما أسباب الشكوك في إمكانية تجدد الحرب؟

  1. الإعلان الصيني الروسي عن رفض استمرار الضربات يبني ضغطاً مؤقتاً فقط، وليس اتفاق سلام طويل الأمد.

  2. المعطيات العسكرية تتغير سريعاً: يمكن لإسرائيل استهداف نقاط ضعف جديدة في أي لحظة، مما يرفع سقف التهديد.

  3. طهران تمتلك أدوات ردّ غير متماثل: عبر حزب الله والحوثيين، والهجمات السيبرانية، وحتى التهديد بإغلاق مضيق هرمز في الأزمات الكبرى.

6- كيف يمكن تجنب مناوشات مستقبلية؟

  1. التوصل إلى اتفاق تفاهم غير معلن يشمل وقف الضربات المتبادلة، وانسحاب الإيرانيين من أسلحة وردودية، وضمان عدم نشر صواريخ تهدد إسرائيل.

  2. إشراف دولي شامل (أميركي أوروبي، وربما روسي صيني): نشر مراقبين وتطبيق نظام تحقق عسكري وتقني.

  3. تعزيز مسارات تفاوض دبلوماسية مستقرة عبر وساطة قطر أو عُمان، مع ضغط اقتصادي أخف إذا تم الالتزام ببنود الاتفاق.

  4. ما زالت هناك أهداف إيرانية حيوية لم تُضرب حتى الآن، سواء كانت نووية أو صاروخية أو قيادية.

  5. ضعف الضربات الأولى يعزّز احتمال شنّ ضربة ثانية.

  6. لا يوجد حتى الآن «نصر نهائي» لأي طرف، بل تضارب استراتيجي يعتمد على قدرات الردع وقدرة إيران على إخفاء قدراتها.

  7. تجنب التصعيد في المستقبل يعتمد على اتفاق التهدئة وإشراف دولي جاد، وكذلك على رغبة الطرفين في تجنب حرب شاملة ستكون كارثية عليهما وعلى المنطقة.