الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الاجتياح الروسي المتوقع لأوكرانيا

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 1، كُتب في 12 شباط 2022

  • بعد أن فشلت كل المبادرات الدبلوماسية لحلحلة الأزمة الأوكرانية، واستطاع الرئيس بوتين أن يوصل رسائله السياسية من خلال لقاءاته مع الرؤساء والمبعوثين السياسيين الساعين إلى حلها،

  • بات خيار الحرب سيد الكلام الذي تتداوله وسائل الإعلام.

  • ففي كل لقاء كان يجريه الرئيس الروسي بوتين، أو عند كل استقبال لرئيس دولة، كانت القوات الروسية تجري مناورات على حدود أوكرانيا.

  • الشرط الذي وضعه فلاديمير بوتين مقابل إيقاف الهجوم هو إزالة القواعد العسكرية الأمريكية القريبة من الحدود الروسية وإبعادها.

  • والاستجابة لهذا الشرط تعدّ تنازلاً سياسياً وعسكرياً لا يستهان به، وضياعاً لهيبة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد أن صرّحت بعض الدول الأعضاء فيه، وخصوصاً أمريكا،

  • بأن روسيا إذا مضت في الهجوم على أوكرانيا فسوف تلقى رداً مدمراً.

  • غير أن هذه التصريحات تلاشت وخفتت ما إن عاد الرئيس الفرنسي ماكرون من موسكو بعد لقائه الرئيس الروسي بوتين،

  • الذي لعله أنذر الأطلسيين بأن روسيا ماضية في اجتياح أوكرانيا، وبأن المفاجآت الروسية في هذا الاجتياح ليست في الحسبان.

  • الهجوم الروسي على أوكرانيا، كما تتوقعه الاستخبارات العسكرية للناتو، سيكون يوم الثلاثاء القادم 15/2/2022؛ فالاستعدادات للاجتياح قد اكتملت كما تقول التقارير الاستخباراتية.

  • كذلك فإن الدول التي كانت متحمسة للدفاع عن أوكرانيا قد تراجعت.

  • ولم يبقَ إلا وقت قليل لتتمكن الجاليات الأجنبية من مغادرة الأراضي الأوكرانية، التي باتت مطوقة من ثلاث جهات بالقوات الروسية والبيلاروسية بكامل معداتها الحربية:

  • في شرق أوكرانيا يوجد 130,000 جندي روسي.

  • وفي شمال أوكرانيا، على الأراضي البيلاروسية، يوجد 30,000 جندي روسي وبيلاروسي.

  • وفي جنوب أوكرانيا، في البحر الأسود، وبالذات في شبه جزيرة القرم التي تحدّ أوكرانيا براً، توجد البحرية الروسية لمنع أي تدخل أجنبي متوقع.

  • ويتزامن مع هذا الزحف الروسي، كما تشير الأخبار، زحف بري وبحري تقوم به الصين نحو تايوان في شرق آسيا، مستفيدة من الضجة العالمية حول أوكرانيا التي ستغطي على الحدث.

  • والمراقبون لا يعتقدون أن روسيا ستكتفي بأوكرانيا وينتهي الأمر، بل إنها ماضية ربما لاسترداد دول البلطيق أيضاً (ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا) المجاورة لغرب روسيا،

  • والتي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي في الحقبة الشيوعية،

  • حتى تدفع أمريكا خارج أوروبا نحو الغرب.

  • فقد ثبت أن أمريكا نمر من ورق لا يخيف إلا أصحابه.

  • فهي اليوم تتراجع أمام الزحف الروسي والصيني، محتفظة بفائض قوتها ليوم أسوأ.

  • والرئيس جو بايدن، كل ما فعله في هذه الأزمة عندما بلغت مرحلة الجد، أنه أمر الرعايا الأمريكيين بمغادرة أوكرانيا فوراً، مصرّحاً بأن أمريكا لن ترسل قوات لإجلاء رعاياها،

  • لأن أي تبادل لإطلاق النار بين الجنود الأمريكيين والروس معناه نشوب حرب عالمية ثالثة.

  • والروس من جانبهم اعتبروا هذا التصريح بمثابة رفع اليد عن الدفاع عن أوكرانيا، ورسالة استسلام أمريكية تنطوي على موافقة على اجتياح روسي متوقع لأوكرانيا دون أي تدخل من أمريكا أو من حلف الناتو، الذي بات أعضاؤه غير متفقين حتى على تصريح واحد.

  • وحلف الأطلسي، بموقفه من أزمة أوكرانيا، ثبت هو الآخر أن لا فائدة منه أمام الصعود الروسي العسكري والصيني الاقتصادي، ما دام يقف مكتوف اليدين أمام أزمة تهز هيبته في عقر داره الأوروبي.

  • لقد أصبح الحلف مجرد عبء اقتصادي على أعضائه، وإنهاء وجوده هو الأفضل، وما هي إلا مسألة وقت،

  • بعدما تبين أنه لا توجد لديه خطة للدفاع عن أوكرانيا، في الأزمة الأكبر منذ إنهاء حلف وارسو (الحلف الشرقي) عام 1991.

  • وما قواعده العسكرية في أوروبا، وبالذات الأمريكية منها، إلا دمى لإخافة الأوروبيين فقط، في إطار الهيمنة الأمريكية.

  • فإذا كانت هذه القواعد العسكرية لا تبادر إلى الدفاع عن أوكرانيا، وستقف مقيدة أمام الاجتياح الروسي، فكيف لها أن تدافع عن أراضي الدول الأعضاء في حلف الناتو؟

  • كذلك فإن تخلف تقنية التسليح الأطلسية مقارنة بالتسليح الروسي والصيني عامل آخر مهم يدعو إلى إنهاء الحلف، أو إعادة بنائه بتقنية تفوق ما وصلت إليه روسيا والصين.

  • وهذا أمر أقرب إلى الاستحالة منه إلى التنفيذ،

  • إذ كلما تقدمت تقنية الدفاع كانت الصين وروسيا الأسرع في استخدامها.

  • والرئيس الفرنسي ماكرون قال في عهد دونالد ترامب (عام 2019) إن حلف الناتو يحتضر، ولا بد من إنهائه والتخلص من أعبائه المالية، وإنشاء منظومة دفاع أوروبية بمعزل عن أمريكا.

  • وحينها اعتُبر تصريحه زلة لسان سياسية متسرعة يجب أن يُلجم عنها.

  • لكن هناك من دافع عن ماكرون قائلاً: إن الرئيس ماكرون عندما تكلم كان مستنداً إلى تقارير مخابراتية رسمية، ولم يكن تصريحه كلاماً على عواهنه أو هفوة أطلقها دون أن يحسب لها حساباً.

  • وعموماً فإن الأيام القادمة حُبلى بالمفاجآت، وما علينا إلا أن ننتظر ما تحمله، إذ لا أحد يدري ماذا ستلد.