الاطماع الاستعمارية بكوردستان العراق (الجزء الأول)
- تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان العراق
- التغلغل الاستعمارية (البريطاني-الروسي) في كوردستان والمنطقة
أ- تغلغل الدول الاستعمارية في كوردستان
شهد مطلع القرن العشرين في الشرق الأوسط صراعاً حاداً بين الروس والبريطانيين والفرنسيين، واشتدت ضراوة هذا الصراع بدخول الألمان كمنافسين جدد. ودار هذا الصراع كذلك في منطقة كوردستان التي أمست ملتقى شتى العملاء للدول الاستعمارية ابتداء من الدبلوماسيين وانتهاء بالمبشرين.وقد شرعت روسيا القيصرية تولي اهتماماً لمصير الكورد في كوردستان منذ فترة حروبها مع إيران ذلك لأن ثلثي الجيش الإيراني كان من الكورد.وقد أبدت روسيا اهتماماً كبيراً بالكورد في كوردستان أثناء الحرب الروسية التركية في سنتي 1828 - 1829، ثم بشكل أخص أثناء حرب القرم (1853 - 1856). وكان اهتمام الحكومة القيصرية الروسية منصباً على استخدام الكورد في كوردستان، الذين اشتهروا كأمة محاربة ضد قوات السلطان العثماني والشاه الايراني الفارسي، أو على الأقل، لضمان حيادهم (الاکراد) في كوردستان، كي لا يسهموا في الحرب ضد روسيا.وأبدت الحكومتان الروسية القيصرية والبريطانية حرباً "مسيحية" إزاء مصير الأرمن القاطنين في تركيا، ولاسيما في كوردستان تركيا. غير أن جل اهتمامهم انصب على استغلل قضية ضمان حقوق الأرمن، تحت ستار المسيحية، كذريعة للضغط السياسي على السلطان العثماني. أما فيما يتعلق بالكورد في كوردستان، فإن هاتين الدولتين "المسيحيتين" (بريطانيا وروسيا): لم تكونا تعتبران الاكراد بشراً على الإطلاق. وفي 7 أيلول 1880 بعثت حكومات روسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها من الأقطار الأوروبية، مذكرة مشتركة إلى الحكومة العثمانية جواباً على بيان تركي سابق يتعلق بالأرمن المقيمين في شرق تركيا (كوردستان تركيا) والذين تزيد نسبتهم على 17% من السكان، وقد نصت تلك المذكرة على ما يلي: "لما كان الكورد الرحل الذين يعيشون في الجبال والذين يهبطون إلى الوديان التي يقطنها المسيحيون لا لغرض إلا لإشاعة الفوضى، ينبغي لا يدخلوا الاكراد في الإحصايات التي تحدد من هم غالبية (اكثرية) سكان تلك المنطقة الكوردية" من كوردستان ورغم هذا فإن الدول الاستعمارية وجدت من الضروري، أثناء الحرب العالمية الأولى، أن تأخذ هؤلاء "الكورد الرحل" في كوردستان بعين الاعتبار. فنشط عملاء الروس والبريطانيين في كوردستان، كما شرع العملاء الألمان والبريطانيون بالتغلغل في كوردستان الجنوبية حتى أن فاسموس، قنصل ألمانيا في بوشهر (المحمرة)، أفلح في الحيلولة دون اتصال القوات الروسية مع البريطانية، مستعيناً بقبييلة السنجابي الكوردية. واستطاع عملاء بريطانيا أن يرشوا قبائل الكوردية كلهور وكوران وهورامان فقدموا لها الذهب وقطعوا الوعود لهم، فحرضوهم على قبائل السنجابي الكوردية.وكان أول تغلغل في كوردستان من عملاء أمريكا في مطلع القرن العشرين، هم المبشرون الذين لعبوا في الحرب العالمية الأولى دوراً هاماً في مناطق كوردستان أورميا ومهاباد الكوردية. إلا أن نفوذ أمريكا اشتد في الفترة الواقعة بين الحربين، ثم بعد الحرب العالمية الثانية بشكل خاص.وأثناء الحرب العالمية الأولى عقدت بريطانيا وفرنسا معاهدة سرية في مايو 1916 (سايكس - بيكو) حول الترتيبات المقبلة في الشرق الأوسط بعد أن تنبأت الحكومتان (بريطانيا وفرنسا) بهزيمة ألمانيا في الحرب. وقد سميت هذه المعاهدة "معاهدة سايكس - بيكو" نسبة إلى ممثلي دبلوماسيين لبريطانيا وفرنسا آنذاك، وانقسمت الإمبراطورية العثمانية بموجبها إلى منطقتي نفوذ للبريطانيين وللفرنسيين وقد اشتملت المنطقة البريطانية (الحمراء) بصورة رئيسية على وادي الرافدين (العراق) وتمتد هذه المنطقة من خانقين (في كوردستان الجنوبية) شمالاً حتى جنوب الكويت، وقد اشتملت المنطقة الفرنسية (الزرقاء)، بشكل رئيسي، على المناطق التي تسمى الآن سوريا ولبنان وكذلك الجزء الجنوبي الشرقي من تركيا (أي كوردستان الشمالية الغربية).أما فلسطين فكانت منطقة (بنية) تقرر أن تكون لها كيان دولي ايضا.وكان وزير خارجية روسيا، سازانوف، قد تلقى إشعالاً بالمعاهدة (سايكس - بيكو) فأعلن موافقته عليها في 26 نيسان 1916 شريطة أن يكون حصة بروسيا المناطق الشمالية الشرقية من تركيا، وهي تشتمل، بشكل رئيسي، على طرابزون والجزء الشمالي الغربي من كوردستان.وهكذا تم اقتسام أغلب أراضي كوردستان من قبل الدول الاستعمارية الثلاث (بريطانيا، فرنسا، روسيا).وقد كتب الأمير شاخوفسكي، قنصل روسيا القيصرية في دمشق قبل الحرب العالمية الأولى، والعميل القيصري الأول في كوردستان أثناء الحرب، كتب يقول بأنه أنجز مهمة رائعة وقضى انقلاب شباط 1917 على نتائجها. وهو يعني بهذا الانقلاب الثورة البرجوازية الديمقراطية التي تثبت في روسيا في شباط عام 1917. ويقول كُرد أوغلي: "الحق يقال، أن الثورة الروسية 1905م وثورة أكتوبر البلشفية 1917م التي أعقبتهما هما اللتان وضعتا حداً للدبلوماسية القيصرية وللمقامرة الدامية بمصير الشعب الكوردّي في كوردستان من أجل مصلحة الاستعمار". وقد أماطت الحكومة السوفياتية في الواقع اللثام عن معاهدة سايكس- بيكو 1916م وغيرها من المعاهدات، فساعدت بذلك شعوب الشرق الأوسط على إدراك ما خبأه المستعمرون لها من مكائد.أعقب الثورة الروسية لعام 1905 ثورتان في إيران وتركيا. وكما حدث في تبريز، وكانت يومئذ مقراً للثورة في إيران، أنشأت في كوردستان إيران (انجمنات) أي (سوفيتات) وذلك في مهاباد وسنة وسقز وكرمانشاه. وقد أنشى انجمن (سوفيت) مهاباد تحت قيادة الشخصية الاجتماعية الكُردي البارزة، الشاعر قاضي فتاح. وأنشأت في كرمانشاه حوالي عشرة انجمنات (سوفيتات). وفي نفس الوقت اندلعت انتفاضات تحت شعار الحكم الذاتي للكورد قامت بها قبيلة شكاك الكُردية حوالي أورميا.أما كورد كوردستان تركيا فقد انتهزوا فرصة النصر الذي أحرزه حزب (تركيا الفتاة) فأخذوا يعملون لإقامة دولة كوردية مستقلة في كوردستان تركيا. وكانت صحيفة "كوردستان" قد صدرت عام 1898 في القاهرة أولاً، ثم انتقلت إلى جنيف. وفي عام 1908 صدرت صحيفة "هتاوي كورد" (أي شمس الكورد) ناطقة بلسان رابطة (الأمل الكوردي). وكانت هذه الصحف تحرر كلها من قبل المثقفين الكُورد الذين ينتمون إلى أسر إقطاعية أو جماعات قومية كوردية وكانوا يعملون لبث فكرة النضال في سبيل الحقوق القومية للكُورد وفي سبيل حريتهم.ووضعت الحرب العالمية الأولى نهاية لنشاطات الجمعيات والصحف الكوردية. فقد استغلت الحكومة التركية الحرب ذريعة لإعلان "الجهاد"، أي الحرب المقدسة التي يشنها المسلمون ضد المشركين، وقد شمل هذا الجهاد الكُورد فأضعف نضالهم في سبيل استقلالهم لكوردستان، ذلك النضال الذي كان قائماً بالتنامي لاسيما أثناء الحرب. وبالإضافة إلى اتباع الحكومة التركية الحديثة سياسة إبادة الكورد فإنها عمدت كذلك إلى اغتيال العديد من الزعماء الكُورد. ومن جهة أخرى، عمدت الحكومة التركية، بحجة التراجع أمام القوات الروسية، الزاحفة، إلى ترحيل 700.000 كوردّي من مواطنهم هذا الشعب الكوردي الاصيل الذي يعيش على ارضه (كوردستان تركيا) وكان عرضة للتهجير القسري والقتل الجماعي من قبل هذه الدول الحاكمة لها، وقد هلك الكثيرون من هؤلاء قبل أن تنتهي فترة الإخلاء الإجباري (التهجير القسري) هذه. وفي غمار الحرب العالمية الأولى دمرت وحرقت العديد من القرى الكوردية وهلك العديد من قطعان ماشية الكورد. وقتل آلاف من السكان الكورد المسالمين على يد القوات التركية الغاشمة (العنصرية) لا في كوردستان تركيا حسب، بل في كوردستان إيران كذلك. وفيما يتعلق بشغيلة كوردستان لم تكن الحرب لتعني غير الفقر والاضطهاد والمذابح والمذلة للشعب الكوردي المسالم وكل ذنبه انه ابن هذه المنطقة الجغرافية المسمى (كوردستان) منذ الاف السنين.
ب- التغلغل الاستعمارية (البريطاني-الروسي) في كوردستان والمنطقة
لقد تجلى التغلغل الدولي الاستعمارية في كوردستان والمنطقة المحيطة بها بصورة وأساليب متعددة، إذ ساهمت فيه دول وجهات ومؤسسات مختلفة، ويؤدي البحث فيها إلى خلفيات مهمة بشأن المسألة الكوردية، وما كان يدور حولها من مؤامرات الدول على الكورد. في كوردستان فالكورد كانوا منذ البداية وأعين للمخططات الأجنبية الاستعمارية والكتابات الكوردية في تلك الفترة تكشف هذا الأمر.ولكن الأمر المهم هنا أن الأطماع الإقليمية والدولية في كوردستان عقدت قضية الشعب الكوردي فيما بعد.لقد كانت روسيا القيصرية شديدة الاهتمام بأحوال وأحوال البلدان والشعوب المتاخمة لحدودها، وخاصة الجنوبية منها والجنوبية الغربية أو القريبة من من هذه الحدود، وهو الاهتمام الذي أدى إلى سلسلة من الحروب مع الدول العثمانية. ولقد تجلى الاهتمام الروسي بهذه المناطق ومنها منطقة كوردستان عن طريق الرحلات الاستطلاعية التي كانت تنظم إلى أضاع البلاد الكوردية وما يجاورها منذ وقت مبكر والتي بدأت بين 1465 - 1466م.ونظرت الحكومة البريطانية بقلق إلى المطامع الروسية خوفاً من أن تمتد روسيا إلى بلاد ما بين النهرين، لاسيما وأنه كان للقيصر الروسي نفوذه الروحي بين المسيحيين الأرثوذكس باعتبار أن الكنيسة الروسية أرثوذوكسية، وكان لهذه الأمور شأنها السياسي في تلك الأيام. والدليل على ذلك تصريح رئيس وزراء بريطانيا (سالزبوري) عام 1878م في التنبيه للنفوذ الروسي والوقوف في وجهه قال: "ومهما يحدث في عهد أي وزارة تتسلم الحكم، فإن بريطانيا سوف لا تسمح للنفوذ الروسي أن يسود في وادي نهري جلة والفرات".ولكن لكي تكون الأمور أكثر دقة، فإن روسيا لم تكن لها في الحقيقة مطامع مباشرة في البلاد الكوردية (كوردستان)، ولكن صراعها المستمر مع الدولة العثمانية دفعها للتورط في صميم المسألة الكوردية، كالموافقة المسبقة على حقها في القسطنطينية (مضايق الدردنيل) وفي الولايات الأرمنية مستقبلا، وحول هذه المسألة يذكر لوتسكي بأنه (لم يكن لروسيا مطامع في البلاد العربية، ولقاء انضمامها إلى اتفاقية سايكس- بيكو السرية 1916م فقد وعدها الحلفاء بخصوص روسيا بالولايات الأرمنية في تركيا وأجزاء من كوردستان وأكدوا حقها (روسيا) في القسطنطينية، في الدفاع عن مصالح الأرثوذكس في فلسطين، فظهرت على الخريطة منطقة صفراء، أي منطقة بحيرة وان).أخذ اهتمام روسيا بالمنطقة يتجلى بصورة متعددة وأساليب مختلفة دبلوماسية وتجسسية وعلمية، على صورة رحالة ومستكشفين. أي أن الرحالة الروس الذين وفدوا إلى المناطق المجاورة لبلادهم وخاصة الكوردية (كوردستان) منها وكانوا متنوعين، فمنهم عالم الآثار والمغروم بالسياحة والمغامر والضابط المحترف ممن كتبوا كثيراً حول الكورد وكوردستان ولم تكن معظم تلك الحروب هامشية الدور أو لا دور لها، ففي معظم الأحيان كان القتال يدور في عمق أراضيها (كوردستان) أو على مقربة منها، وكثيراً ما كانت العشائر الكوردية تشارك فيها مع هذا الطرف أو ذلك.لقد كان القياصرة الروس يعملون على نشر نفوزهم في المناطق الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، ولإدراكهم طموحات الكورد بدأوا يخطبون ودهم كما فعلوا مع الأرمن. فعند نهاية القرن التاسع عشر قابلت جماعة منهم كوردية برئاسة جعفر آغا رئيس قبيلة الشكاك القيصر الروسي نيكولا الثاني, وعادوا محملين بالهدايا النفسية ووسائل تشجيع ألهبت حماسهم وخيالهم وأثارت طموحهم الكوردية.وقد اقتنع الروس بكفاءة الكورد الحربية فألفوا منهم جيشاً متطوعاً، وشجعوا هجرتهم إلى بلادهم مما أتاح للروس دراسة أحوال الكورد وكوردستان عن كتب.وفي عام 1908م عندما حدث ثورة تركيا الفتاة تجددت آمال الكورد وبدأت الاتصالات هذه المرة بين الروساء الكورد في جنوب كوردستان(العراق الحالي) وممثلي الروس، وكان للزعماء الهماوند دور كبير في ذلك، فقد سحقت القوات العثمانية ثوراتهم، الكوردية ولذلك تطلعت قبائل الهماوند وغيرها لطلب المساعدة من الروس وقد انضم إليهم عدد كبير من الكورد بما فيهم الشيخ عبد السلام شيخ بارزان. ويبدو أن روسيا لم تحدد لها في ذلك التاريخ سياسة واضحة تجاه الكورد وكوردستان حيث كانت المسألة الكوردية تتداخل وأمال أرمنيا المستقلة.ولقد كانت هناك محاولات فرنسية للتغلغل إلى كوردستان والمنطقة حيث تمكن فرنسا من التسلل إلى المنطقة، وأصبح لها مركز هام على يد الإرساليات التبشيرية المسيحية والمؤسسات الدينية التي أنشأتها لاحقاً في كل من بغداد والبصرية. وقد كان أسقف بابل يشغل كرسيه الأسقفي مع منصب القنصل الفرنسي في آن واحد، وكان الموظفون الفرنسيون القنصليون في بغداد والبصرية ينشطون في المنطقة كلها. وزارت بعثة سياسية فرنسية سنة 1796م وساعدت هذه الزيارة في جمع المعلومات والدراسات التي ضمت فيما بعد إلى ما حققه نابليون في حملته الشهيرة إلى مصر وفلسطين، وما كان من طموحاته في إقامة إمبراطورية تمتد في هذه المنطقة الحساسة من العالم وتوصل نابليون نفسه إلى عقد معاهدة مع شاه إيران، وذلك إثر الحرب الروسية الفرنسية عام 1805م كما وصلت بعثة من الضباط الفرنسيين إلى إيران لتدريب الجنود. ولكن الأطماع الفرنسية في هذه المنطقة اصطدمت بالوجود البريطاني الذي لم يكن ليسمح لفرنسا بالتواجد في هذه المنطقة.ومن المثير للدهشة أن الولايات المتحدة كانت متواجدة في المنطقة على عكس ما كان شائعاً من تطبيقها (المبدأ مونرو) الذي كان يفرض عليها عدم التورط في المشاكل السياسية خارج البلاد. وكانت البعثات الأمريكية التبشيرية من أقدم البعثات التي قدمت إلى المنطقة، حيث كانت هذه البعثات التبشيرية تمول من خزينة الدولة في واشنطن مباشرة. ولقد ركزت جهودها بوجه خاص في حق التعليم ففي بلدة صغيرة مثل سيواس في تركيا افتتحت الإرساليات التبشيرية الأمريكية مدرسة خاصة. وإن أدل ذلك على نشاط هذه الإرساليات من سعة انتشار بين الآثوريين. ولقد انتقل جراء ذلك المقر الرسمي للمرجع الديني الآثوري (الმარ شمعون) إلى أمريكا و يبدو أن الإرساليات التبشيرية الأمريكية كانت تقد (ترسل) إلى كوردستان منذ عام 1820 كما عقدت الولايات المتحدة في 7 مارس سنة 1830 (معاهدة للصداقة والتبادل التجاري) مع الإمبراطورية العثمانية وكانت تشمل هذه المعاهدة (معاهدة للصداقة والتبادل التجاري) مع الإمبراطورية العثمانية تشمل جميع الولايات العثمانية بما في ذلك ولاية الموصل/كوردستان، وممن ضمنها سناجق كوردستان.وفي عام 1856م عقدت أمريكا معاهدة مشابهة مع فارس ايران، يحصل بموجبها الرحالة والتجار والصناع من اتباع البلدين على حق نقل جميع أنواع البضائع والمنتجات برأ وبحراً من وإلى البلدين والقيام ببيعها أو مبادلتها أو شرائها أو توصيلها إلى جميع المناطق داخل حدود كل من الطرفين المتعاقدين ولكن أيهما كان القادر فعلاً على نقل البضائع برأ أو بحراً ومن وإلى البلدين فارس ايران أم الولايات المتحدة؟أقرت المعاهدة لأمريكا بفتح ثلاث قنصليات في كل من طهران وبندر شهر وتبریز. وفي منطقة تبريز كان القنصل الأمريكي هو الذي يهتم بشؤون منطقة كوردستان كلها. وبموجب هاتين المعاهدتين ضمنت أمريكا التغلغل في جزئي كوردستان الفارسية إيران وكوردستان تركيا العثمانية، واهتمت أمريكا بالجانب المالي والاقتصادي أيضاً عندما عملت على توظيف الرأسالمال الأمريكي في مشروعات اقتصادية إعمارية، كان أهمها خط السكة الحديد المقترح بين سيواس والسليمانية في المنطقة الكوردية، كوردستان وتمتعت الصادرات الأمريكية في الوقت نفسه بجميع أوجه الحماية والامتيازات الجمركية الممنوحة للدول الأوروبية الأخرى.أما بريطانيا فقد دابت على مراقبة الأوضاع وتحسين الفرص لتثبيت أقدامها في منطقة الخليج العربي، حتى تمكنت من عقد اتفاقيات حماية مع إمارات الساحل العربي، تتيح لها التدخل في شؤونها وفي شؤون منطقة الخليج كلها وما يهاورها بما في ذلك كوردستان.وتجدر الإشارة إلى أن التسلل البريطاني إلى هذه المنطقة (كوردستان) إما تم عبر فارس، حيث فرضت بريطانيا على الشاه (ايران) مساعدته لاستخلاص منطقة (مضيق هرمز) من الاحتلال البرتغالي الجاثم عليها منذ عهد الشاه إسماعيل الصفوي في بداية القرن السادس عشر الميلادي، ولقد كانت بريطانيا تتطلع لطرد البرتغاليين من هذه المنطقة التي تشكل السوق التجارية الرئيسية على شاطئ الخليج، والمركز الأول للتجارة البحرية مع الهند (درة التاج البريطاني) ولقد أمدت بريطانيا شاه فارس (ايران) بالمساعدات المالية والعسكرية عن طريق (شركة الهند الشرقية البريطانية) وبمشاركة حليفتها البحرية هولندا، حتى تمكن الشاه الايراني من طرد البرتغاليين من مضيق هرمز عام 1722م بعد احتلال دام مائة عام تقريبا.لقد كانت شركة الهند الشرقية البريطانية من أهم بؤر التجسس في الإمبراطورية البريطانية، وكان نشاطها التجاري يمثل الغطاء الظاهري لمهامها الأساسية في جمع المعلومات وتجنب العملاء والمعاونين، والحملات العسكرية لاحتلال وبسط السيادة البريطانية على دول وشعوب هذه المنطقة من العالم وكانت شركة الهند الشرقية البريطانية بمثابة الشركة الأخطبوطية الاستعمارية والتي ازداد نفوذها ليشمل منطقة الخليج بأسرها.أخذت بريطانيا في التطلع إلى ما وراء الخليج من شعوب وبلدان، وتولت شركة الهند الشرقية البريطانية هذه المهمة، فأوفدت إلى كوردستان عام 1820م مندوباً فوق العادة هو المستر (كلوديوس جيمس ريج) معتمد الشركة (الهند الشرقية البريطانية) في البصره حيث تنقل في أصقاع البلاد عام 1820م بصفة سائح وباحث جغرافي، وأقام علاقات مع أهلها وقادتها وأمرائها، ثم وضع دراسة شاملة عنها سياسية واقتصادية وديموغرافية، جعلها موضوعاً هاماً لكتابة المشهور (قصة مقيم في كوردستان)، رحلة مستر ريج ومنذ ذلك الحين ازداد اهتمام بريطانيا بهذا الجزء (كوردستان) من الممتلكات العثمانية بما في ذلك ولايات الموصل وبغداد والبصرية، فأخذت تتابع ما يحدث فيه وتتدخل أحياناً بشكل مباشر في مسائلة الداخلية ومشاسكله السياسية وعلى سبيل المثال عندما حاول داوود باشا والي بغداد (1817 - 1831م) تصفية نظام الامتيازات الأجنبية، وخاصة امتيازات شركة الهند الشرقية البريطانية وذلك عن طريق محاولة تعديل الضرائب الجمركية المفروضة على البضائع المحلية، التي كانت تقدر بحوالي 7%، في حين كانت الضرائب الجمركية على البضائع الإنجليزية لا تتعدى 3%، بل أنه أعلن أنه لا توجد امتيازات للإنجليز في العراق. وبادرت الشركة (الهند الشرقية البريطانية) إلى الرد بحرب حقيقية، ونجحت في إلغاء تلك الإجراءات فيما بعد.وعندما احتدام الخلاف واستحكم في أواخر القرن الثامن عشر بين الدولة العثمانية وبين فارس/ايران بشأن الحدود، أسرعت روسيا وبريطانيا إلى التدخل في النزاع وعرضتا وساطتهما، وذلك تحت ستار مصالحعهما في المنطقة. فروسيا كانت مدفوعة برغبتها في المحافظة على مقاطعتي أرمينيا وجورجيا الأمر الذي يتطلب الهدوء والأمن. أما بريطانيا فكانت تحرص على الاستقرار في هذه المنطقة المجاورة للخليج حيث مصالحها الاستعمارية والبحرية وطريقها إلى الهند.وسرعان ما تفاهمت الدولتان وعرضتا مساعيهما الحميدة على الطرفين لتلافي خطر الحرب وتقرر بناء على ذلك تشكيل لجنة رباعية مشتركة لمعالجة المسألة، فانتتهت مباحثاتها واجتماعاتها إلى عقد ما يسمى معاهدة أرضروم الثانية في 31 مارس 1847م.وكنتيجة لهذه المعاهدة (ارضروم الثانية 1847م) كان لا بد من وضع الترتيبات نهائية وتحديد خط الحدود جغرافياً، وبناء على ذلك تأفت لجنة فنية لهذا الغرض ولكنها لم تتوصل إلى نتيجة حاسمة بالرغم من مضي 5 سنوات، وعلقت اجتماعاتها لمدة 20 سنة متواصلة، وذلك عندما تألفت لجنة جديدة عام 1869م. وعندما أوشكت قضية الخلاف للحل عام 1877م وقعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية، ثم أعيد بحث القضية دون جدوى. وفي عام 1911م الذي نص على تعيين لجنة مشتركة مقرها العاصمة العثمانية اسطنبول مهمتها تعيين وتثبيت الحدود بين الدولتين، على أن تقوم لجنة أخرى بتثبيت خط الحدود بين الدولتين، على أن تقوم لجنة أخرى بتثبيت خط الحدود على الطبيعة وفقاً لبنود معاهدة أرضروم الثانية 1847. وعندما لم يتوصل الطرفان إلى خطة عمل مشتركة تدخلت بريطانيا وروسيا القيصرية في الأمر وثم عقد بروتوكول الأستانة في 4 تشرين الثاني 1913م ووقع عليه ممثلو روسيا القيصرية وبريطانيا أيضاً وقد حدد بروتوكول الاستانة لعام 1931م الحدود بين الدولتين بشكل واضح ومفصل. وكان لاتفاقية ارضروم الثانية 1847م وعملية تخطيط الحدود كانت لها نتائج سيئة على العرب مستقبلا، ولأنها أقرت لفارس الايرانية حدوداً ليس لها، وتنازلت الإمبراطورية العثمانية بموجبها عن عربستان وأطلقت يد إيران في المقاطعات الكوردية.ومند منتصف القرن التاسع عشر تأكدت بريطانيا أنها لن تستطيع تحقيق طموحاتها الإستراتيجية والاقتصادية والاستعمارية دون أن تضع يدها على منطقة كوردستان. فمن الناحية السياسية والجغرافية فإن كوردستان التي يمر من خلالها طريق الحرير، هي أيضاً طريق هام بين مصر والهند.ولقد كان تأمين هذا الطريق مهماً لكي تستطيع بريطانيا حماية إمبراطوريتها، كما أن لمنطقة الكوردية جغرافياً تحمي المستعمرات العربية البريطانية من روسيا القيصرية. ولقد تنبأ الرائد/ميجر (نوتيل) الخبير البريطاني الذي عاش في كوردستان بان الكورد (سيكونون حاجزاً مانعاً لا غنى عنه بين ميزوبوتاميا العربية (ولايتي بغداد والبصرة)، ودودامة (القفقساس السياسية) وكان حسب رأيه (الميجر نوتيل) ان الرهان على الكورد أفضل للمصالح البريطانية من الرهان على العرب.أما من الناحية الاقتصادية والإستراتيجية فكان عنصر النفط الذي تحتاجه بريطانيا العظمى، والذي بدأ الكشف عنه في العراق في أواخر القرن التاسع عشر وكان المهندسون الألمان أول من نقب النفط في العراق، ففي عام 1846م استطاع المهندس الجيولوجي (رورباخ) في العثور على منبع للنفط في (القيارة)، وأعقبه الجيولوجي الألماني (مايسنر) الذي كشف عن النفط في مندلي. وفي عام 1871م جاءت إلى العراق بعثة فنية ألمانية لمعرفة مدى إمكانية استثمار نفط للأغراض التجارية. ووقضحت البعثة في تقريرها مدى غزارة نفط العراق وجودته، ولكنها ذكرت أن فقدان وسائل النقل لتوصيله إلى البحر، ومنافقة النفط الروسي والأمريكي في ميدان التجارة يحولان دون استغلاله تجاريا.وكان اللورد (جون فيشر) أول من تنبه عام 1900م إلى أهمية النفط كوقود للسفن الحربية، وعندما تولى (ونستون تشَرْشِل) وزارة الحربية البريطانية (1912 - 1915م) تبنى أفكار جون فيشر، وفي عهده تحول الأسطول البريطاني إلى النفط بدلاً من الفحم. وبناء على ذلك وجهت بريطانيا اهتماماً إلى البحث عن مصدر نفط دائم، يمكن السيطرة عليه، ويمكن أسطول بريطانيا من خوض البحار، وللطيران البريطاني من التحليق في سماء الإمبراطورية البريطانية.وتؤكد أبحاث وضعت معتمدة على وثائق بريطانية سرية، أن بريطانيا تأكدت منذ القرن التاسع عشر من وجود كميات هائلة من النفط في ولاية الموصل وقد أخفي هذا الخبر حتى على أهم موظفي الإمبراطورية وعلى حلفاء بريطانيا وخاصة فرنسا والدليل على ذلك أن بريطانيا نجحت في إقصاء فرنسا عام 1912م من إنشاء اتحاد تألفت بموجبه (شركة النفط التركية .TPC) والتي أصبحت فيما بعد IPC أي شركة النفط العراقية. وبعد الانهيار التام للإمبراطورية العثمانية لم يعد لتركيا أي سهم في هذه الشركة النفط العراقية ولقد حصلت هذه الشركة (أي بي سي) على امتياز التنقيب عن النفط في ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية (كوردستان العراق) ولقد حصلت بريطانيا على نصيب الأسد في هذه الشركة (اي بي سي) عن طريق شركة (شل) وهي شركة هولندية - بريطانية.ومن الجدير بالذكر أن بريطانيا كانت خارج سوق النفط، الذي كان حكراً على الولايات المتحدة والمكسيك. ولم تدخل بريطانيا في هذا المجال إلا في عام 1909م وذلك عن طريق الامتيازات التي حصلت عليها في بلاد فارس الايرانية. ومنذ عام 1913م صرح ونستون تشرشل، بمناسبة تشكيل لجنة ملكية للتدقيق في مصادر النفط قائلاً (يجب أن نصبح مالكين أو على الأقل مسيطرين على ما نحتاجه من نفط).وبالنسبة لنفط العراق أصبحت لندن تسعى إلى أن يكون استغلال النفط من جانب الحلفاء، أو من جانب دولة واحدة، متلازماً مع جعل ولاية الموصل/كوردستان العراق ذات الاغلبية الكوردية جزءاً من العراق العربي الجديد. وأن يترافق ذلك مع قدرة الدولة العراقية العربية الجديدة على الدفاع عن الحدود النفطية.مما سبق يبدو واضحاً أن مصالح بريطانيا الحيوية كانت تحتم عليها أن تسطر على ولاية الموصل/كوردستان العراق بأي ثمن، سواء كانت السيطرة من خلال إنشاء دولة كوردية مستقلة، أم بضم ولاية الموصل/كوردستان العراق الى ولايتين عربيتين (بغداد والبصرة) وإنشاء دولة ذات قوميتين تحت سيطرة عربية أو كوردية، المهم أن يكون النفط تحت السيطرة البريطانية كلياً وبدون منازع، وأن تكون الدولة المزمع إنشاؤها (العراق العربي الجديد) قادرة مباشرة بمساعدة بريطانيا (عن طريق الانتداب)، أو عن طريق معاهدات تربطها ببريطانيا، أن تحمي حدودها وبالذات ولاية الموصل/كوردستان العراق ذات الاغلبية الكوردية.
الدكتور عبدالعزيز المفتي
الهوامش:
- لازاريف، مرجع سابق، ص 26.
- M. Fany, La Nation Kurde P. 161.
- كُرد أوغلي، "الكُرد والإمبريالية"، النشرة الإخبارية الخاصة بالشرق الأوسط رقم 13، 14، ص 94، بالروسية.
- كُرد أوغلي، الكُرد والإمبريالية، مصدر سابق.
- كُرد أوغلي، الكُرد والإمبريالية، ص 109.
- المصدر نفسه، ص 109.
- B. Nikitine. Les Kurdes. Paris 1956, P. 197.
- شعوب آسيا الوسطى، موسكو 1957، ص 240، بالروسية.
- منذر الموصلي، مرجع سابق، ص 111.
- المصدر نفسه، ص 117.
- كمال أحمد مظهر، كوردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، ترجمة محمد الملا عبد الكريم، مطبوعات المجمع العلمي الكردي، بغداد، 1977م، ص 46.
- فلاديمير لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار التقدم، موسكو، 1971، ص 70.
- Admason, op. cit, p. 18.
- والم ايجلتن، مرجع سابق، ص 21.
- وثائق الاتحاد الوطني الكوردستاني، حول الحركة التحررية للشعب الكردي في كوردستان العراق، لجنة الإعلام الخارجي، بغداد، 1977م، ص 70.
- وثائق الاتحاد الوطني الكوردستاني، طريق الحركة التحررية الكردية، مرجع سابق، ص 70.
- م. س. لازاريف، المسألة الكردية 1919 - 1923م. ترجمة عبد ي حاجي، دار الرازي للطباعة والنشر، بيروت، 1991م، ص 61.
- منذر الموصلي، مرجع سابق، ص 115.
- منذر الموصلي، مرجع سابق، ص 127.
- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم، تاريخ العرب الحديث والمعاصر، دار الكتاب الجامعي، د. ت. ص176، 183.
- منذر الموصلي، مرجع سابق، ص 139.
- زكي البحيري، تاريخ العرب الحديث والمعاصر، مذكرات غير منشورة، كلية التربية، جامعة المنصورة، 1997م، ص 131.
- مصطفى عبد القادر النجار، وآخرون، الصراع العراقي الفارسي، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1983م، ص279.
- عبد العزيز نوار، مرجع سابق، ص 329.
- إبراهيم خليل أحمد وخليل علي مراد، إيران وتركيا دراسة في التاريخ الحديث والمعاصر، دار الكتب للطباعة والنشر، الموصل، 1992، ص 158.
- ميزوبوتاميا: إن القسم الأعلى من المنطقة المحصورة بين نهري دجلة والفرات كان يعرف في الأزمنة القديمة باسم (ميزوبوتاميا)، بينما كان يعرف في الأزمنة القديمة باسم (ميزوبوتاميا)، بينما كان يعرف القسم الأدنى باسم (بابل) و(كلده) ثم أطلق العرب عليه اسم (العراق العربي أو عراق العرب) وأطلقوا على البلد الواقعة شرق جبال زاغروس اسم (عراق العجم).
- سليم طه التكريتي، معركة النفط في العراق، مطبعة الزهراء، بغداد، 1952، ص 12.
- درية عوني، مرجع سابق، ص 61.
- درية عوني، مرجع سابق، ص 62.
- حكمت سامي سليمان، نفط العراق، دار الرشيد، دمشق، 1958م، ص 56، 58.
- درية عوني، مرجع سابق