الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحرب الروسية الأوكرانية
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 2، كُتب في 26 شباط 2022
- تبقى روسيا اليوم (الاتحاد السوفيتي السابق) دولة عظيمة. وما يجري الآن من صراع روسي أطلسي على الساحة الأوكرانية أحداث ومعارك في غاية الأهمية، جديرة بالمتابعة والاهتمام، حتى نفهم ما يجري من تطورات في المنطقة.
ومن الضروري أن نخضعها للتحليل الفكري والتاريخي المرتبط بالمصالح الدولية، لكي نحصل على صورة متكاملة؛ لأنها تستحق قدراً كبيراً من التفكير والتأمل، في إطار أوسع من المعلومات الإخبارية والحيثيات التي يقدمها المحللون السياسيون المستقلون وغير المسيَّسين، والتي نتابعها يومياً في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.
إن ما يجري من أحداث وفعاليات على الساحة الأوكرانية هو شكل من أشكال التغيير في النظام الدولي، أو ما يسمى النظام العالمي الجديد،
الذي يتحكم بمصائر الدول منذ نهاية الحرب الباردة بين الشرق والغرب إلى يومنا هذا،
والذي تسيّدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية على العالم في نظام القطب الواحد، مسيطرة على مجلس الأمن وأغلب هيئات الأمم المتحدة ووكالاتها.
لكن أمريكا أخطأت خطأً قاتلاً عام 2001، عندما غزت أفغانستان وأدخلت نفسها في حرب استنزاف في جبال تورا بورا.
ثم كررت أمريكا الخطأ نفسه في العراق، حيث تحولت الحرب إلى حرب استنزاف طويلة.
ونلاحظ أن الصين استغلت في هذا الوقت انشغال أمريكا بهذه الحروب، فركزت على بناء نفسها تكنولوجياً واقتصادياً وعلمياً.
وكذلك وجدت روسيا الاتحادية في ذلك فرصتها الذهبية لالتقاط أنفاسها. وشجعها على ذلك فشل الولايات المتحدة، دولة القطب الواحد، في احتواء الدول التي ترى أن أوزانها الحقيقية لا تتفق مع أدوارها في إدارة العالم من خلال النظام الدولي (النظام العالمي الجديد) الذي يحكم العالم.
فروسيا ترى أن أوزانها الجديدة لا تتفق مع أدوارها، وأن النظام الدولي السائد لا ينصفها وفقاً لوزنها الحقيقي.
أي إنها تشعر بالغبن، وهذا الشعور يحتم عليها أن تتحرك لإثبات أهميتها وجدارتها بأن يكون لها دور أكبر، ولاستعادة أمجادها التي تفرضها عليها مصالحها القومية والجيوسياسية، وفقاً لنظام دولي جديد منصف.
لذلك لا يمكن اعتبار ما يجري اليوم، أي الحرب الروسية الأوكرانية، حدثاً مفاجئاً نابعاً من أحلام بوتين التوسعية أو طموحه إلى إعادة أمجاد روسيا القيصرية،
وإنما هو ضرورة استراتيجية وجيوسياسية، بدأت عام 2004 عندما توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) باتجاه حدود الأمن القومي الروسي.
وكان هذا أمراً مقلقاً لصانع القرار الروسي، لذلك بدأ بوتين حركته الأولى في شمال جورجيا عام 2008، ولم يستطع الغرب أن يردّ عليه.
فأدرك بوتين أنه قادر على أن يخطو خطوة أخرى لحماية أمن روسيا القومي، فقام عام 2014 بخطوة أخرى باتجاه أوكرانيا.
ثم جاءت اتفاقية مينسك عام 2015، التي أعطت شرق أوكرانيا الحق في نوع من الحكم الذاتي، دون أن تتدخل الدولة الأوكرانية بالقوة لحل هذه المشكلة.
وكانت اتفاقية مينسك لعام 2015 هي المسار الذي أوصل بوتين إلى هذه اللحظة، لحظة الحرب الروسية الأوكرانية الحالية،
وهي لحظة الاعتراف بشرق أوكرانيا كياناً منفصلاً عن أوكرانيا،
له الحق في طلب التدخل الروسي عند الحاجة، وهو ما حصل.
إن بوتين لا يحتاج إلى الهيمنة المباشرة على أوكرانيا، وإنما يحتاج إليها مثل بيلاروسيا: دولة تابعة للمجال الحيوي الروسي، وبعيدة عن المجال الحيوي لحلف الناتو.
وهذا أمر ستفعله روسيا سواء بوجود بوتين أو بغيابه،
لأنه من ضرورات الأمن القومي الروسي لحماية روسيا من الطمع والتوغل الغربي الأمريكي باتجاهها.
وأمريكا ناكثة دائماً للوعود التي تقطعها على نفسها بالحفاظ على الأمن القومي لروسيا الاتحادية.
إذن نحن الآن على أعتاب بداية تحول في مشهد النظام الدولي الجديد، وهو تحول سيستمر؛ لأن تغيير النظام الدولي لا يمكن أن يتم خلال سنة أو سنتين، بل يحتاج إلى زمن أطول من الحوار والنقاش.
إن روسيا تحاول أن تستعيد ذاكرتها التاريخية، متخذةً أيام الإمبراطورية القيصرية نقطةَ مرجع لرسم خارطة المستقبل.
وقد تحذو حذوَ روسيا دولٌ أخرى، مثل الصين التي لها مصلحة في إشغال الأمريكيين بصراع مع روسيا بعيداً عن الصراع المباشر معها، والصين معروفة بسياسة النفس الطويل التي تتناقض مع السياسات الأمريكية المستعجلة دائماً.
ولا نعرف ماذا ستفعل دول أخرى مثل تركيا، التي تعدّ الحرب العالمية الأولى لحظة انكسار لها، وما زالت تشعر بأن لها حقاً في مناطق وجزر اقتُطعت من الدولة العثمانية بعد تلك الحرب.
وألمانيا هي الأخرى تشعر بأن الحربين العالميتين الأولى والثانية كانتا لحظتي انكسار لها، وهي الآن الكتلة الاقتصادية الأكبر في أوروبا، وفي حالة صعود مستمر، وأعتقد أنها ليست سعيدة بالدور الأمريكي في أوروبا.
وكذلك العراق، ودول أخرى كثيرة.
ونحن الآن في مفصل مهم من التاريخ، ومن صيرورة نظام دولي جديد ينبغي أن ينظم العلاقات بين الدول بأسلوب أكثر عدالة وإنصافاً.