الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحرب الروسية الأوكرانية والتدهور الأمريكي
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 51، كُتب في 13 آذار 2022
باتت المجتمعات الأوروبية والآسيوية والإفريقية متيقنة أن القرن الحادي والعشرين هو قرن انحدار أمريكا إلى قاع التدهور، بعد أن تربعت على قمة الأحادية القطبية مدة تزيد على ثلاثين سنة.
لم تعانِ الدول الضعيفة وحدها من السياسة الأمريكية المتهورة في قيادة العالم، بل عانت منها حتى أقرب القوى الأوروبية إليها: بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
وهذا ما جعل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران مجتمعةً تبعث، من خلال الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية، برسالة معاكسة إلى أمريكا هي: «اخرجوا من أوروبا وآسيا، أو نُخرجكم بالقوة».
ولذلك لم تستخدم روسيا في هذه الحرب قوة مفرطة، بل بالقدر الذي أرادته هي نفسها. وهي رسالة سياسية خاصة، هدفها إخراج أوروبا من الهيمنة الأمريكية، باستخدام أسلحة حرب تقليدية تعتمد بشكل رئيسي على الدبابة وسلاح الطيران وبندقية الكلاشنكوف.
فقراءة هذه الرسالة تفسر ما وراء نوايا روسيا، وصمت الصينيين، وهدوء الإيرانيين، واستفزازات الكوريين الشماليين لأمريكا بين الحين والآخر خلال هذه الحرب الروسية–الأوكرانية.
أجرت روسيا مفاوضات في دولتين وعلى مستويين: أحدهما دبلوماسي والآخر عسكري. فالوفد الدبلوماسي برئاسة زعيم الدبلوماسية الروسية، وزير الخارجية لافروف، التقى في تركيا وزير الخارجية الأوكراني.
والمفاوضات الدبلوماسية بين الجانبين مجرد تمييع للوقت وصناعة إعلامية للحرب.
إذ لم يُعلَن عن أي اتفاق، لأن روسيا تعلم أن أمريكا سرعان ما تلغي أي قرار أوكراني إذا اتُّخذ بمعزل عنها.
أما على المستوى العسكري فالمفاوضات تجري مباشرة بين وفد روسي من كبار الضباط ووفد أمريكي من البنتاغون.
لأن روسيا تدرك أن أوكرانيا عاجزة عن اتخاذ أي قرار عسكري دون الرجوع إلى أمريكا.
وفي المفاوضات التي أجراها الوفد العسكري الروسي في بروكسل، أشعر نظيرَه الأمريكي بأن تدخل حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) في الحرب الأوكرانية قد يُنهي أوروبا بأكملها، بحكم قربها من أوكرانيا، أي من ساحة الصراع مع روسيا.
وأعلم العسكريون الروس نظراءهم الأمريكيين أن البحر الأسود وبحر البلطيق والبحر المتوسط والجانب الشرقي من المحيط الأطلسي قد ازدحمت بالغواصات والمدمرات الروسية والصينية الحاملة للرؤوس النووية، وأن أي خطأ سيكلف أمريكا وحلفاءها دماراً غير محسوب إذا ما لعبوا بذيل الأسد.
كذلك أبلغ العسكريون الروس الجانب الأمريكي باحتمال قيام روسيا بإنزال محطة الفضاء الدولية، أو منع إرسال المؤن إلى رواد الفضاء العاملين فيها عبر صواريخ النقل الفضائية الروسية، إذا تدخل حلف الناتو.
وبعد انعدام الثقة بأوكرانيا، نتيجة استيلاء الجيش الروسي على مختبرات كيميائية وبيولوجية في الأراضي الأوكرانية المتاخمة للحدود الروسية، بات من الأرجح ضم أوكرانيا كلها إلى الاتحاد الروسي للسيطرة عليها، واستحالة عودتها دولة مستقلة في شرق أوروبا.
ففي 12/3/2022 كشفت روسيا، بعد أن سيطرت على المختبرات البيولوجية والكيميائية في أوكرانيا، عن تقرير بحثي جاء فيه أن مصدر تصنيع فيروس «كوفيد-19» هو أوكرانيا، ومنها أُرسل إلى مدينة ووهان الصينية، بالتزامن مع تركيز إعلامي على اتهام الصين بأنها مصدر كورونا.
ويبدو أن الحرب مع أوكرانيا تسير كما خطط لها الروس، وبمساعدة الصين.
فالرئيس بوتين يفاوض الغرب حالياً، لا على إيقاف الحرب وإعادة أوكرانيا مستقلة، بل على إرجاع دول البلطيق (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) إلى السيطرة الروسية.
كذلك يفاوض على إخراج دول أوروبا الشرقية من حلف شمال الأطلسي، وإنهاء الحلف نفسه، كي لا يشكل خطراً على روسيا عسكرياً وعلى الصين اقتصادياً.
منهياً بذلك هيمنة الدولار والهيمنة الأمريكية بوصفها قوة اقتصادية وعسكرية عظمى.
اليوم تخوض روسيا حرباً لم تؤثر في اقتصادها بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز.
وإضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار النفط والغاز، اللذين لا تستطيع أمريكا وأوروبا الاستغناء عنهما، والتي يُتوقع أن تصل إلى (200) دولار لبرميل النفط، فإن الصين تدفع فاتورة الحرب يومياً.
إن السيطرة على العاصمة كييف مسألة وقت ليس إلا.
أعتقد أن روسيا والصين خططتا للحرب الروسية–الأوكرانية قبل (15) سنة على الأقل، لاستعادة الهيبة الروسية ببرود سياسي وتخطيط عسكري، ولتثبيت الصين القوةَ الاقتصادية الأولى في العالم.