الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الحرب بين روسيا القيصرية والدولة العثمانية (1710–1711م)
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 33، كُتب في نحو شباط 2022
في عام 1700م بدأت حرب الشمال العظمى بين الإمبراطورية السويدية، التي كانت عملاقة في ذلك الوقت، من جهة، وروسيا القيصرية وحليفتيها الدنمارك–النرويج وساكسونيا–بولندا من جهة أخرى.
حققت الإمبراطورية السويدية انتصارات كبرى في السنوات الست الأولى، أي حتى عام 1706م، مما شجع ملكها شارل الثاني عشر على عبور البلطيق ودخول بولندا، والسعي إلى اقتحام روسيا القيصرية، بل التخطيط للوصول إلى موسكو!
بدأ الملك السويدي شارل الثاني عشر حركته من ساكسونيا عام 1707م، وحقق انتصارات على حلفاء الروس.
وانتهى به الأمر إلى الصدام المباشر مع الجيش القيصري الروسي، بقيادة القيصر بطرس الأكبر، عند مدينة بولتافا الأوكرانية في 8 تموز/يوليو 1709م.
وفي هذه الموقعة الفاصلة في الحرب كلها تعرّض الجيش السويدي بقيادة شارل الثاني عشر، وهو من أقدر الجيوش وأقواها في العالم آنذاك، لهزيمة قاسية على يد الجيش الروسي القيصري.
مما اضطر شارل الثاني عشر إلى النجاة بنفسه هارباً في الاتجاه الجنوبي الشرقي مسافة تقترب من 500 كم، ليعبر في النهاية نهر الدنيبر، ويدخل حدود الدولة العثمانية عند مدينة بندر البغدانية (في مولدوفا الآن)، طالباً اللجوء السياسي من الدولة العثمانية، التي قبلت ذلك دون أي تردد.
طلب القيصر الروسي بطرس الأكبر من الدولة العثمانية تسليم الملك السويدي شارل الثاني عشر إليه، فقوبل طلبه بالرفض القاطع من العثمانيين مرات عديدة.
وفي النهاية، وبعد أكثر من عام، ركب الغرورُ القيصرَ بطرس الأكبر ودفعه إلى اقتحام الأراضي العثمانية لمطاردة شارل الثاني عشر.
فأعلنت الدولة العثمانية الحرب فوراً على روسيا القيصرية في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1710م.
تواصل القيصر الروسي مع أمير البغدان ديميتري كانتيمير، التابع للدولة العثمانية، وأغراه بالتبعية له، فوافق الأمير البغداني ووقّع مع القيصر الروسي في 13 نيسان/أبريل 1711م اتفاقية تقضي بمشاركته معه في الحرب ضد الدولة العثمانية، وهي المعروفة بمعاهدة لوتسك بين روسيا القيصرية والأمير البغداني ديميتري كانتيمير.
اتحد الجيش الروسي القيصري مع الجيش البغداني في شمال البغدان العثمانية، ثم اتجه جنوباً بمحاذاة نهر بروت (ويُكتب أيضاً بروث)، وهو النهر الفاصل الآن بين رومانيا ومولدوفا، بهدف اختراق نهر الدانوب وغزو البلقان.
أخرجت الدولة العثمانية جيشاً عملاقاً تصل به بعض التقديرات إلى مئتي ألف مقاتل، بقيادة الصدر الأعظم (رئيس الوزراء العثماني) محمد بلطجي باشا.
التقى الجيشان، العثماني من جهة والروسي القيصري مع البغداني من جهة أخرى، عند بلدة ستانيليشتي (في رومانيا الآن)، على بعد نحو 300 كم شمال شرق بوخارست، في 18 تموز/يوليو 1711م.
ودارت معركة شرسة على مدى أربعة أيام متواصلة، وانتهى الأمر بنصر ساحق للجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا، وبإحاطة كاملة بالمعسكر الروسي القيصري والبغداني، فأعلن القيصر بطرس الأكبر الاستسلام، وطلب الدخول في مفاوضات مع العثمانيين.
وهنا ارتكب الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا واحداً من أفدح الأخطاء في التاريخ، عندما وافق على إطلاق سراح القيصر بطرس الأكبر وجيشه مقابل إعادة الروس ميناءَ أزوف إلى العثمانيين، ووعودٍ بعدم التدخل الروسي في شؤون بولندا، مع إفساح الطريق للملك السويدي شارل الثاني عشر للعودة إلى بلاده سالماً.
ووُقّعت بذلك اتفاقية في 21 تموز/يوليو 1711م عُرفت بمعاهدة بروت، نسبةً إلى نهر بروت الذي وُقّعت على ضفافه، وتُعرف أيضاً بمعاهدة فلكزن، نسبةً إلى القرية التي عُقدت فيها.
ويُجمع المؤرخون على أن العثمانيين لو احتفظوا بالقيصر بطرس الأكبر أسيرَ حرب لتغيّر وجه التاريخ!
وتتحدث مصادر كثيرة عن رشوة باهظة من المجوهرات والأموال أخذها الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا من القيصر بطرس الأكبر للموافقة على هذه المعاهدة التافهة.
وتشير مصادر أخرى إلى أن مستشاري الصدر الأعظم هم الذين أخذوا الرشوة ليؤثروا فيه، فيقبل بالثمن الزهيد الذي عرضه القيصر الروسي ليتخلص من الأسر.
ومع ذلك فهناك مصادر تنفي الرشوة من الأساس. وأيّاً ما كان الأمر، فقد نجا القيصر بطرس الأكبر من الأسر، وعاد بسلام إلى بلاده.
وعاد ميناء أزوف بذلك إلى الدولة العثمانية، لكنها خسرت فرصة ذهبية لفتح روسيا، بل للوصول، بلا مبالغة، إلى موسكو، خاصة إذا توصلت إلى اتفاق شراكة مع إمبراطورية السويد بقيادة شارل الثاني عشر. والمشكلة الأكبر أن الأسير لم يكن قيصراً عادياً، وإنما كان المؤسس الحقيقي للإمبراطورية الروسية القيصرية.
ولو انتهى دوره في التاريخ عند هذه المرحلة لخسرت روسيا القيصرية خسارة لا يمكن تعويضها.
ولكان من الصعب عليها أن تهدم الدولة العثمانية مستقبلاً.
نعم، تأجلت مشاريع روسيا في الوصول إلى البحر الأسود، لكنها لم تنتهِ.
بل نجح الروس في ذلك لاحقاً بفضل جهود الإمبراطور بطرس الأكبر ومن جاء بعده.
كانت معاهدة بروت (فلكزن)، المعقودة في 21 تموز/يوليو 1711م قريباً من أرض القتال وبعيداً عن إسطنبول، صادمةً للسلطان العثماني أحمد الثالث، وكذلك للملك السويدي شارل الثاني عشر.
واكتفى السلطان أحمد الثالث بعزل الصدر الأعظم ونفيه لارتكابه هذا الخطأ التاريخي الشنيع.
ولعل هذا العقاب اليسير نسبياً ينفي شكّ السلطان أحمد الثالث في مسألة الرشوة، وإلا لكان العقاب المتوقع هو الإعدام بلا شك.
تلكأت روسيا القيصرية في تسليم ميناء أزوف وفي الانسحاب من بولندا، فأعلن السلطان أحمد الثالث عليها الحرب مرتين: الأولى عام 1712م، وتم تدارك الأمر فيها عبر الدبلوماسية الروسية، والثانية عام 1713م، وفيها رضخت روسيا القيصرية ونفّذت المطالب العثمانية، ووُقّعت بذلك معاهدة جديدة في أدرنة في 24 حزيران/يونيو 1713م. وبذلك أُغلق هذا الملف، على الأقل في تلك المرحلة.
وفي العام التالي، 1714م، عاد الملك السويدي شارل الثاني عشر إلى بلاده بعد أكثر من خمسة أعوام من اللجوء السياسي في الدولة العثمانية.
كشفت هذه الحرب عن جاهزية الدولة العثمانية في تلك الفترة للقتال المفاجئ، وكشفت كذلك عن الجهد الضخم الذي بذله السلطان أحمد الثالث وقادة الدولة من أجل إعادة الجيش العثماني إلى المستوى اللائق به.
فحقق هذا الجيش الانتصار على الجيش الروسي القيصري القوي بقيادة القيصر بطرس الأكبر.
كما كشفت عن صلابة السلطان أحمد الثالث في حماية الملك السويدي شارل الثاني عشر، واهتمامه بعزة الدولة العثمانية، وعزمه على القتال مرة أخرى مع الروس عندما تلكؤوا في تنفيذ معاهدة بروت (فلكزن).
وكشفت معاهدة بروت (فلكزن) أيضاً عن أن الدولة العثمانية كانت لا تزال في تلك الفترة تتمتع بمكانة عالمية كبرى تسمح لها بالدخول في هذه الصراعات الضخمة دون وجل أو تردد.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الإيجابيات، فإن هذه الحرب كشفت عن بعض أوجه القصور المهمة في الدولة العثمانية في تلك المرحلة التاريخية، منها تولية غير الأكفاء بعض المناصب الكبرى والمهمة في الدولة، ومنها وجود فساد يصل إلى حد رشوة بعض كبار رجال الدولة، سواء أكان الصدر الأعظم أم المستشارين.
ومنها قصور عمق الرؤية الاستراتيجية للدولة العثمانية وبُعدها، إذ لم تكتشف مبكراً (منذ أواخر القرن السابع عشر) قيمة الإمبراطورية السويدية وأهميتها.
ولو كان لدى العثمانيين الاطلاع الكامل والوعي بموازين القوى، لكان التحالف مع السويديين أمراً ضرورياً لمواجهة روسيا القيصرية لاحقاً، لكن هذا لم يحدث.
وهذا هو الخطأ نفسه الذي ذكرناه سابقاً عند حديثنا عن الحرب العثمانية البولندية، حين قلنا إنه كان ينبغي للدولة العثمانية السعي إلى التحالف مع البولنديين ضد الروس بدلاً من محاربة الاثنين معاً. وها هي روسيا القيصرية الآن تجتاح بولندا، وتنتصر على السويد، وتنفرد بكل قوة من قوى المنطقة على حدة! وستنتهي حرب الشمال العظمى بانتصار كاسح لروسيا القيصرية، وبداية اضمحلال الإمبراطورية السويدية، وسيطرة روسيا القيصرية على بحر البلطيق.
ومن ثم على بولندا وأوكرانيا، مع تضخم مرعب للإمبراطورية الروسية ستكون له آثار مدمرة على الدولة العثمانية، والفضل في ذلك يعود إلى الصدر الأعظم محمد بلطجي باشا!