لماذا الخلط بين المسألة القومية الكوردية وبين الدعوات الطائفية والدينية؟!

من المفاهيم الخاطئة التي أفرزتها الدعاية الاستعمارية، وزرعتها الثقافة السائدة، خلق بعض المواقف في أذهان قسم من الناس العاديين تجاه الشعب الكوردي، وخاصة في الساحتين السورية والعراقية، تنم عن الشك والحذر، وإلصاق "التهمة الجاهزة" بالأكراد، بسبب أو بدون سبب. ولا شك أن مثل هذه المفاهيم الخاطئة، ترجع بالأساس إلى الإستراتيجية الاستعمارية المعروفة - فرق تسد!، والتي ما زالت قائمة في تعاملها مع الشعوب والهدف من ورائها هو توسيع وتعميق الشرخ بين الشعوب، ودب الانقسام وروح العداء فيما بينها، وصرف الطاقات في غير محلها، بدل صرفها على البناء الداخلي نحو التقدم، وصيانة الاستقلال الوطني، ومواجهة المستعمر بالذات، والاستعمار الحديث.

وفي الحالة الخاصة بالشعب الكوردي، تهدف هذه الإستراتيجية إلى الإبقاء على مسألته القومية دون حل، وتشجيع الأنظمة على المضي في المواقف اللاديموقراطية وخلق مناخ عام لا مبالي تجاه معالجة المسألة، ووضع الحلول السلمية الديمقراطية لها.

إرادتان متناقضتان في التعامل مع المسألة القومية الكوردية

إن النظرة التاريخية للمسألة القومية الكوردية، تقودنا إلى اكتشاف الصراع بين إرادتين هي:

1. إرادة البحث عن الحلول الصائبة

إرادة البحث عن الحلول الصائبة ووضع المسألة الكوردية في مسارها الحقيقي، وإعطائها حجمها المناسب، ووضع قاعدة صلبة للمعالجة المبدئية الصحيحة، مبنية على روح التآخي، والاعتراف بالحق الأساسي، والقومي للشعب الكوردي، وهذا يقود لا محالة إلى تعزيز الوحدة والإخاء، ويدفع إلى التلاحم الطبيعي، والاختياري، وزج الطاقات باتجاه القضايا الأساسية والمصيرية من قومية، واقتصادية، واجتماعية، وربط الخاص بالعام، حسب نظرة صيانة مصلحة البلاد العليا، وتعزيز الحركة الثورية العامة، والمواجهة الموحدة للعدو المشترك، الإمبريالية والصهيونية والرجعية.

2. إرادة استبعاد الشعب الكوردي

إرادة استبعاد الشعب الكوردي، واستغلاله وكبت أنفاسه، وعدم الاستعداد للاعتراف، الرسمي والقانوني، بوجوده (الشعب/الامة الكوردية)، وممارسة شتى أساليب القهر، والاضطهاد، ووضع المخططات العنصرية بهدف تشتيته، والتخلي عن حضارته، وثقافته، ولغته ... ثم عرقلة أية محاولة لإعادة النظر في الموقف، أو التفكير في وضع القواعد السليمة للتعامل مع مسألته القومية، وحسب المبادئ الإنسانية والديمقراطية.

ويقف وراء هذه الإرادة الإمبريالية العالمية، والاستعمار والدوائر الصهيونية، والقوى الرجعية المحلية المستغلة.

مفاهيم خاطئة حول القضية الكوردية

لقد أفرز أصحاب هذه الإرادة عدداً من المفاهيم الضارة والخاطئة، تخدم ما يصبون إليه. فقبل عقدين من الزمن، أطلق غلاة القوميين العرب تسمية "إسرائيل ثانية" على الشعب الكوردي، ضاربين عرض الحائط بكل التاريخ المشترك بين الشعب العربي والكوردي، ومستهترين بالتراث الناصع القديم في العلاقة بينهما، التي دشنها صلاح الدين الأيوبي، والتي استمرت، وتعاظمت حتى يومنا هذا بفضل تضحيات المناضلين من أبناء الشعبين، وإنجازات الحركتين الثوريتين العربية والكوردية على درب النضال المشترك والمصير الواحد.

أما في هذه المرحلة، التي شهدت تطورات هامة وإيجابية على صعيد ازدياد الوعي المنفتح، وتبلور القوى التقدمية والثورية، لدى الشعبين، وازدياد تأثيرها على الحياة السياسية، فإن الأمر يختلف، من حيث الشكل على الأقل.

الفرق بين القومية والطائفة

ولكن مأخذنا الأساسي هو على وضع الأكراد إلى جانب دعاة الصراع الديني، والطائفي، وهو خلط ينم أولاً عن الجهل في مسألة التفريق بين القومية، والدين، والمذهب، كما وينم أيضاً عن "الخبث" الشوفيني القومي، والاستهانة بحركة التحرر الوطني الكوردية ونضالاتها، وتضحياتها، وأهدافها الوطنية، والديمقراطية.

فالخلط هنا لا يجوز إطلاقاً، لسبب بسيط هو أن الأكراد شعب تربطه الرابطة القومية، المستندة إلى دعائم اللغة، والأرض، والتقاليد، والتكوين النفسي.

كما أن الطوائف الأخرى التي يأتي ذكرها هي طوائف تنتمي إلى قومية واحدة هي القومية العربية. وبالمناسبة، فإن بين الأكراد أيضاً أدياناً وطوائف. فهناك مسلمون (وهم الأغلبية الساحقة)، وهناك أكراد مسيحيون، وأكراد يزيدون (بقايا الزرادشتية)، وهناك أيضاً شيعة، وعلويون وسنة، حسب المذاهب.

طبيعة الحركة التحررية الكوردية

فالأكراد كقومية لهم حركتهم الوطنية التحريرية، التي تناضل من أجل حق تقرير المصير، والاتحاد الاختياري مع الشعب العربي، وكذلك مع الشعبين الإيراني والتركي، وتواجه الإمبريالية والاستعمار، وأعوانها، وكافة أشكال الظلم القومي، والاجتماعي، وهي تشكل جزءاً من الحركة الثورية في المنطقة.

إن القوانين التي تحكم مسيرة الحركة التحررية الكوردية، منذ ظهورها في القرن التاسع عشر، وتطورها، ومواجهتها لمراحل الصعود والهبوط، هي نفسها القوانين التي تحكم نشأة القومية العربية، والحركة الثورية العربية.

موقف الكاتب من الدعوات الطائفية والدينية

أما الأديان والطوائف، فهي كما ذكرنا تعود إلى الشعب المعني، وأبناء القومية المعنية، وما أطروحاتها "الانعزالية" ودعواتها الانقسامية، إلا تعبير عن مصالح فئات طبقية معينة. وهي تخدم بالأساس فكرة تقسيم الشعوب، وصيانة مصالح القوى المعادية، وبشكل خاص الاستعمار، والصهيونية.

إن معرفة الحدود والانتماءات الدينية والطائفية كواقع موضوعي شيء، والتنظير لأطروحاتها شيء آخر.

القضية الكوردية والمشاريع الاستعمارية

ومن جهة أخرى، فإذا كانت الإمبريالية الصهيونية تعملان على تفكيك الشعوب، وتعميق التناقضات بين الطوائف والأديان، وتدعوان سراً وعلانية إلى تقسيم لبنان، على سبيل المثال، إلى "كانتونات" طائفية، وإلى مناطق لا مركزية إدارية أو اتحاد فيدرالي ... الخ.

فإننا - وحسب معرفتنا بتاريخ شعبنا الكوردي، وتفاصيل التطورات في الحركة التحررية الكوردية، منذ بزوغها في القرن التاسع عشر وحتى الآن - لم نعثر على أي دليل أو أثر يشيران إلى رغبة الدول الاستعمارية والإمبريالية في إنشاء كيان كوردي مستقل، أو إعلان دولة كوردية مستقلة، لسبب بسيط جداً وهو تعارض ذلك مع مصالحها.

وبالعكس من ذلك، فإنها عملت على تقسيم الشعب الكوردي بين الإمبراطوريتين العثمانية، والصفوية، ثم تقسيمه مرة أخرى بموجب معاهدة سايكس - بيكو 16 مايس عام 1916، ثم التآمر عليه بوضع وإبرام المعاهدات والأحلاف، ضد الحركة التحررية الكوردية.

الخاتمة

إن إزالة مثل تلك المفاهيم الخاطئة، تحتاج إلى وقت ومثابرة من جانب القوى التقدمية والوطنية الكوردية، والعربية. وهي تدخل في عداد النضال على الجبهة الفكرية، والنظرية، باتجاه طرح الحقائق الموضوعية عن الشعب الكوردي المتآخي مع الشعب العربي، وتعايشه الطويل عبر التاريخ معه، ومشاركته المستقبل والمصير.

ومن جهة أخرى فإن القوى التقدمية والديمقراطية العربية، ملزمة من حيث المبدأ، بوضع الحل الصائب لهذه المسألة، وطرح البرنامج الديمقراطي لمعالجة المسالة القومية الكوردية.

من هنا، على الحركتين الثوريتين الكوردية والعربية، توثيق تعاونها وتعزيز نضالهما المشترك، على الأسس السليمة الواضحة، وفي إطار برنامج موحد، من أجل بناء القاعدة الثابتة الصلدة، للتآخي القومي بين الشعبين، التي توفر الحقوق وتصونها، وترسم الواجبات القومية، والوطنية، والمصيرية، على طريق الديمقراطية والحرية وحق تقرير المصير.