الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الضربة الجوية على موقع فوردو النووي وغياب التلوث الإشعاعي
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 24 حزيران 2025
الضربة الجوية على موقع «فوردو» الإيراني لتخصيب اليورانيوم، بحسب السيناريو المفترض، بقاذفات (B-2) الأمريكية الاستراتيجية، تثير تساؤلات جوهرية حول غياب التلوث الإشعاعي المتوقع عادة بعد قصف منشأة نووية. ولتفسير هذا الغياب هناك عدة سيناريوهات واقعية وفنية يجب أخذها في الاعتبار.
أولًا: لماذا لم يحدث تسرب إشعاعي بعد القصف؟
- لأن المنشأة كانت منشأة «تخصيب» وليست «نشطة إشعاعيًا بالكامل»
فوردو منشأة لتخصيب اليورانيوم، وليست مفاعلًا لتوليد الطاقة أو لإنتاج البلوتونيوم.
اليورانيوم المخصب بنسبة منخفضة لا يُصدر إشعاعات كافية لتشكيل سحابة نووية.
وقد تكون أجهزة الطرد المركزي فارغة أو معزولة وقت القصف.
- استخدام أسلحة خارقة للتحصينات (Bunker Busters) بدلًا من القنابل التقليدية
غالبًا ما تستخدم طائرات (B-2) قنابل من نوع (GBU-57 MOP – Massive Ordnance Penetrator).
هذا النوع يخترق الأرض لعدة أمتار قبل أن ينفجر داخل النفق أو المنشأة.
يتم الانفجار داخل «هيكل صلب»، فيؤدي إلى تفتيت المعدات دون تبخير المواد الإشعاعية إلى الخارج.
- الطيران الأمريكي تعمّد تنفيذ الضربة بعد «عملية استخبارية دقيقة»
من المحتمل أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بالتعاون مع الموساد أو أطراف داخل إيران، علمت أن الموقع شبه خالٍ من المواد المشعة أو أنه أُفرغ.
ومن الممكن أن الموقع استُهدف في توقيت محدد بدقة لتقليل الأثر الإشعاعي أو لتفادي وجود «الوقود النووي» داخله.
- تصميم الموقع نفسه يحدّ من التسرب
يقع فوردو داخل جبل قرب مدينة قم، أي أنه محمي بطبقات سميكة من الصخور والخرسانة.
التفجير تحت الأرض يحدّ من تطاير المواد المشعة في الهواء، على عكس ما قد يحدث في المنشآت السطحية.
- القصف كان لشلّ «التقنية» لا لتفجير المواد النووية
كان الهدف إيقاف أجهزة الطرد المركزي، وقد تم ذلك غالبًا عبر «موجات صدمة» دقيقة أو أسلحة سيبرانية مرافقة (كما حدث سابقًا في هجوم Stuxnet).
كانت الأضرار التي ألحقتها الضربة دقيقة (Surgical Strike)، ولم تطل المخازن أو المواد المشعة.
ثانيًا: أين أصبحت المواد النووية المخزنة؟ هل أُخليت؟
هناك عدة احتمالات:
نُقلت المواد المخصبة مسبقًا إلى مواقع سرية أخرى داخل إيران (مثل نطنز، أو منشآت في أصفهان أو كرج).
ربما كانت إيران مستعدة لاحتمال القصف، فأجرت «إخلاءً استباقيًا» قبل ساعات من الضربة (خاصة إذا كانت هناك اختراقات استخبارية أو إنذارات عبر وسطاء دوليين).
تذكر بعض التقارير السرية (غير المؤكدة) أن إيران وزّعت مخزوناتها، بعد تهديدات إسرائيل وأمريكا الأخيرة، على عدة مواقع تحت الأرض يصعب اكتشافها.
ثالثًا: هل استُخدمت أسلحة غير متفجرة أو هجمات إلكترونية بدلًا من القنابل؟
لا يُستبعد أن جزءًا من الهجوم على فوردو كان عبر تداخل سيبراني وحرب إلكترونية (Cyber-EW):
تعطيل التحكم الآلي بأجهزة الطرد المركزي.
تدمير البرمجيات، أو زيادة الضغط داخل الأنظمة لتدميرها ذاتيًا.
وهذا أسلوب سبق استخدامه عام 2010 عبر فيروس «ستاكسنت».
رابعًا: هل قلّلت إيران من حجم الدمار وأخفت المعلومات؟
نعم، هذا وارد بقوة، خصوصًا أن:
إيران قد تحاول الحفاظ على صورة «الردع النووي» إعلاميًا.
إخفاء أية معلومات عن تسرب أو تدمير يورانيوم مخصب يمكن أن يمنع تدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو يجنّبها اتهامات بتجاوزات نووية.
لم تُنشر صور رسمية للأضرار (باستثناء ما يُسرَّب عبر الأقمار الصناعية التجارية)، مما يتيح لإيران التحكم في السردية الإعلامية.
الخلاصة
جرت الضربة على فوردو بأسلوب عسكري وتقني دقيق لتجنب التلوث الإشعاعي أو الانفجار النووي، واستهدفت تدمير البنية التحتية التقنية دون تعريض المدنيين أو البيئة للخطر المباشر.
لقد اختارت الولايات المتحدة توقيتًا وسلاحًا وأسلوب تنفيذ يحقق أكبر ضرر استراتيجي بأقل أثر سياسي أو بيئي، وهو ما يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق الاستخباري والتنفيذي.