الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الضغط الإسرائيلي والإيراني المتبادل يصل إلى أعلى درجاته
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 17 حزيران 2025
نلاحظ أن الضغط الإسرائيلي والإيراني المتبادل قد وصل إلى أعلى درجاته.
فماذا نتوقع من الطرفين؟ وأيهما يستطيع المقاومة والاستمرار إلى حين التفاوض أو الانتصار على الآخر؟
كما نعلم، فإن إسرائيل متفوقة جوًّا وإلكترونيًّا، والأهم أنها مسنودة في كل الأمور: الأسلحة، والعتاد، والمعلومات الاستخباراتية، والأقمار الصناعية الأميركية والأوروبية.
وفي المقابل، لا يكاد يوجد من يساند إيران بشكل ملحوظ؛ فروسيا والصين، مثلًا، لم يصدر عنهما سوى استنكار أو تصريح خجول.
إذن، كيف ستكون نهاية المعركة، ولا سيما بعد تصريح ترامب الأخير (الليلة) بإخلاء العاصمة طهران؟
مقدمة
يبدو أن الصراع بين إسرائيل وإيران يمر الآن بأكثر مراحله توترًا وتعقيدًا؛ إذ تصاعدت الأحداث مؤخرًا بشكل غير مسبوق، من التهديدات الكلامية إلى الاشتباك العسكري المباشر، عبر هجمات صاروخية وجوية وعمليات استخباراتية عميقة في الأراضي الإيرانية والإسرائيلية.
ومع تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الليلة الماضية بإخلاء طهران، تأخذ الأمور بعدًا أكثر خطورة، وتثير تساؤلات جدية حول مآل هذه الحرب: من سينتصر؟ ومن ينهار أولًا؟ وهل يمكن أن تتوقف الحرب بالتفاوض، أم ستتطور إلى مواجهة شاملة قد تجرّ أطرافًا إقليمية ودولية أخرى؟
وللإجابة ينبغي تحليل المعطيات التالية:
- القدرات العسكرية والتكنولوجية لكل طرف.
- التحالفات والدعم الدولي المتاح لكل منهما.
- الاقتصاد والمجتمع والعمق الاستراتيجي.
- نقاط الضعف والتفوق في سيناريو حرب طويلة أو حرب خاطفة.
- خيارات التفاوض أو الحسم العسكري.
أولًا: التفوق العسكري والتقني الإسرائيلي
1. التفوق الجوي
تمتلك إسرائيل واحدة من أقوى القوات الجوية في العالم، مسلحة بطائرات (F-35) الشبحية، وطائرات (F-16) و(F-15) مطوّرة، وهي تستخدم قدرات القتال الإلكتروني، والحرب السيبرانية، والقنابل الذكية والموجهة، والطائرات المسيّرة المسلحة ذات الدقة العالية. وهذه القوة قادرة على ضرب أهداف دقيقة في عمق إيران، كما أثبتت عبر سنوات من القصف في سوريا والعراق، بل داخل الأراضي الإيرانية نفسها.
2. التفوق الاستخباراتي
يُعدّ الموساد الإسرائيلي من أخطر أجهزة الاستخبارات في العالم، وهو متفوق على نظيره الإيراني من حيث القدرة على الوصول إلى العمق الاستراتيجي الإيراني، سواء عبر اختراق المؤسسات أو تنفيذ عمليات اغتيال معقدة (مثل اغتيال فخري زاده). وتعتمد إسرائيل كذلك على شراكتها الاستخباراتية الثلاثية مع أميركا وبريطانيا (تحالف «العيون الخمس»).
3. التفوق التقني والرقمي
نُظم الحرب السيبرانية الإسرائيلية، مثل الوحدة 8200، قادرة على تعطيل أنظمة القيادة والسيطرة في إيران، بل وعلى إيقاف منشآت نووية، كما حصل في عملية (Stuxnet).
ويضاف إلى ذلك قدرة إسرائيل على استخدام الأقمار الصناعية للتجسس والاستهداف المسبق، مدعومةً بالأقمار الصناعية الأميركية.
4. شبكة الحماية والدفاع
الدفاعات الجوية الإسرائيلية متعددة الطبقات (القبة الحديدية، ومقلاع داود، وحيتس 2 و3) قادرة على صدّ عدد كبير من الصواريخ القصيرة والبعيدة المدى. ورغم تعرّضها للإغراق الصاروخي من حزب الله أو إيران، أثبتت فاعلية كبيرة في حماية المدنيين والبنية التحتية.
ثانيًا: القدرات الإيرانية والصمود الاستراتيجي
1. قدرات الردع الصاروخي
تمتلك إيران ترسانة صاروخية ضخمة تشمل صواريخ باليستية (مثل «سجيل» و«قيام» و«خرمشهر») بمديات تصل إلى 2000 كم، وصواريخ كروز دقيقة مثل «سومار» و«يا علي»، إضافةً إلى طائرات مسيّرة انتحارية قادرة على الوصول إلى إسرائيل من قواعد متعددة (في إيران وسوريا والعراق واليمن).
2. شبكة الحلفاء الإقليميين
رغم عدم وجود دعم دولي مباشر، تمتلك إيران «شبكة مقاومة» تشمل حزب الله اللبناني، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وقوى أخرى في سوريا.
وتُعدّ هذه الشبكة ذراعًا فعالة للحرب غير التقليدية والمراوغة، مما يجعل إيران قادرة على تهديد إسرائيل بوسائل غير مباشرة.
3. الصبر الاستراتيجي
أثبتت إيران قدرتها على امتصاص الضربات والرد بطريقة تدريجية، دون الانجرار سريعًا إلى حرب مفتوحة.
وهذه العقيدة تمكّنها من الإبقاء على معادلة الردع حتى في ظل التفوق الإسرائيلي، وقد رأينا ذلك في ردها المحدود لكن الفعّال على اغتيال علمائها.
4. العمق الجغرافي والسكاني
إيران بلد واسع جدًّا جغرافيًّا (أكثر من 1.6 مليون كم²)، ويبلغ عدد سكانه نحو 88 مليون نسمة، مما يصعّب على إسرائيل فرض حسم سريع أو اجتياح شامل. وبذلك تستطيع إيران الصمود زمنًا أطول في مواجهة طويلة النفس.
ثالثًا: العامل الدولي والتوازن المختلّ
1. الدعم الأميركي والأوروبي لإسرائيل
- تَعُدّ واشنطن أمن إسرائيل التزامًا استراتيجيًّا، وقد تنقل حاملة طائرات أو قوات خاصة للمساعدة في حال نشوب حرب إقليمية شاملة.
- الدعم الأوروبي استخباراتي وتقني، وليس بالضرورة عسكريًّا مباشرًا، لكنه يوفر معلومات دقيقة وتحليلات عميقة.
- أي اعتداء على إسرائيل سيُقابل غالبًا بتأييد غربي سياسي ومعنوي، بل وعسكري محدود.
2. الدعم الروسي والصيني لإيران
- تدعم روسيا والصين إيران اقتصاديًّا وسياسيًّا، لكنهما ترفضان التصعيد العسكري المباشر حاليًّا بسبب مصالحهما مع إسرائيل والولايات المتحدة.
- في حال نشوب حرب مفتوحة، قد تقدّمان مساعدات غير مباشرة، مثل منظومات التشويش أو الأسلحة المضادة للطائرات، لكنهما لن تدخلا الحرب.
- تبقى التصريحات الروسية والصينية «خجولة»، كما لاحظنا، ومحدودة التأثير في التوازن العسكري.
رابعًا: الحرب النفسية وتصريح ترامب
يحمل تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإخلاء العاصمة الإيرانية طهران دلالات خطيرة، سواء أكان يستند إلى معلومات استخباراتية حقيقية (مثل قرب هجوم إسرائيلي واسع النطاق)، أم كان جزءًا من الحرب النفسية لتخويف إيران ودفعها إلى التراجع.
إلا أن هذا التصريح يرجّح وجود تحركات عسكرية أميركية أو إسرائيلية مهمة ووشيكة، وإلا لما خاطر ترامب بإثارة الفزع بهذا الشكل العلني، مما يشير إلى اقتراب دخول الصراع مرحلة خطرة.
خامسًا: سيناريوهات نهاية المعركة
1. سيناريو الحسم الإسرائيلي السريع (احتمال 40%)
- تنفيذ ضربات جوية واسعة على منشآت إيران النووية والعسكرية في طهران وأصفهان وقم وكرج.
- استخدام الأسلحة السيبرانية لتعطيل القيادة والسيطرة الإيرانية.
- شلّ قدرات إيران على الرد من الداخل، مع استمرار الردود من حلفائها (حزب الله، والحشد، والحوثيين).
- انتهاء الحرب باتفاق لوقف إطلاق النار دون إسقاط النظام الإيراني.
2. سيناريو الحرب الإقليمية المفتوحة (احتمال 30%)
- ترد إيران بهجمات صاروخية مكثفة تشمل تل أبيب وحيفا.
- تصعيد يشمل سوريا ولبنان وغزة واليمن والعراق.
- تدخل أميركي أو روسي محدود لحماية بعض المواقع.
- انهيار الوضع الأمني الإقليمي وتدخل مجلس الأمن بموجب الفصل السابع.
3. سيناريو الإنهاك والاستنزاف (احتمال 20%)
- لا يحقق أحد نصرًا حاسمًا.
- تتعرض إسرائيل لخسائر بشرية واقتصادية كبيرة نتيجة رد إيران وحلفائها.
- تعاني إيران من انهيار اقتصادي داخلي وضربات قاسية.
- تبدأ مفاوضات تحت ضغط المجتمع الدولي في جنيف أو إسطنبول برعاية الأمم المتحدة.
4. سيناريو إسقاط النظام الإيراني (احتمال 10%)
- هجوم إسرائيلي مدعوم أميركيًّا يستهدف كبار قادة الحرس الثوري والمراكز الحساسة.
- اندلاع احتجاجات داخلية نتيجة فشل القيادة في حماية البلاد.
- انهيار منظومة الحكم ودخول إيران في فوضى أمنية.
سادسًا: من يصمد أكثر؟
العوامل التي تدعم صمود إسرائيل:
- دعم دولي شبه كامل.
- منظومة دفاع جوي متقدمة.
- اقتصاد قوي مرن قادر على امتصاص الصدمات.
- جهاز أمني من الأقوى في العالم.
العوامل التي تدعم صمود إيران:
- عمق استراتيجي جغرافي وبشري.
- شبكة حلفاء مسلحة خارج حدودها.
- عقيدة ثورية تعبّئ الجماهير وتبرّر التضحية.
- خبرة طويلة في الحروب غير التقليدية.
الترجيح:
رغم التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي، فإن إيران قادرة على تحمّل ضغوط الحرب مدة طويلة، لكنها ستدفع ثمنًا باهظًا بشريًّا واقتصاديًّا. وإذا لم تتدخل واشنطن عسكريًّا بشكل مباشر، فإن إسرائيل لن تستطيع وحدها إسقاط إيران أو تغيير النظام.
وبالتالي قد يصل الطرفان، بعد موجات قاسية من الاشتباك، إلى قناعة بأن التفاوض، مهما تأخر، سيكون أقل تكلفة من الإبادة.
الخاتمة
الصراع بين إسرائيل وإيران لن يُحسم بسهولة. قد تسجّل إسرائيل انتصارات تقنية في بداية الحرب، لكنها ستكتشف لاحقًا أن تفوقها لا يضمن النصر الكامل، ولا سيما إذا استمر الرد الإيراني عبر «محور المقاومة».
وبالمثل، تدرك إيران أن استمرار الحرب سيُضعف الدولة والمجتمع داخليًّا. ولذا فإن السيناريو الأقرب هو «صراع استنزاف عنيف» يعقبه «تفاوض مرير» تُرسم فيه الخطوط الحمراء مجددًا، دون تحقيق نصر كاسح لأي طرف.