الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
العالم اليوم بين التنين الصيني والدب الروسي: إلى أين؟
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 11، كُتب في نحو آذار 2022
قد يلوح لنا أن الحرب على روسيا هي حرب أمريكية ضد الدب الروسي، وقد تكون كذلك من جانبٍ ما، ولكنها في جوانبها كلها حرب لها أهداف ومصالح مستقبلية تتعلق بالنظام العالمي الجديد، وبإدارة هذا العالم الذي ستبسط أمريكا حكمها الكامل على الكرة الأرضية من خلاله.
وذلك بحسب المخطط المرسوم، الذي كان من المفترض أن تمسك فيه أمريكا بزمام الأمور منذ عقد أو يزيد من الزمن، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن.
لقد وُلدت أقطاب وجمهوريات، أو لنقل جمهورية، جعلت القطبَ الحارس أو الشرطيَّ الذي وقع عليه الاختيار منذ الحرب العالمية الثانية ينتكس ويفشل في كل ساحات القتال، ولا يحقق المطلوب منه.
ورغم أن دونالد ترامب حاول أن يحفظ ماء وجه أمريكا، وأن يخرجها بأقل الخسائر من المستنقع الذي وقعت فيه، فإن اختلافه مع «الحكومة العالمية العميقة» حول من سيكون الوريث في إدارة العالم بعد أمريكا جعله يسقط في انتخابات قال عنها إنها مزوّرة.
إذ كان ترامب قد رشّح روسيا، ويرى أنها الأجدر بأن تكون شرطي العالم في المستقبل، وأنها أقرب إلى الأمريكيين من غيرها عقائدياً وعرقياً، بصفتهم جميعاً من البيض والمسيحيين.
بينما تختلف رؤية الحكومة العالمية العميقة، فهي لا يعنيها العرق والأصل، ولا سيما العقيدة، بل تجد ضالتها فيمن لا يحملون عقيدة سماوية، أي فيمن ليس لهم دين.
إن ما لا يعلمه الكثيرون أن التنين الصيني هو المرشح لدور شرطي العالم عوضاً عن أمريكا. وهذا ليس وليد اليوم؛ فلنرجع بالتاريخ إلى سنتي 1976 و1977م، ففي الصين الماوية الشيوعية حصل «انقلاب أبيض» سلمي لم ينتبه إليه كثيرون، ولم يعِه أحد من خارج منفذيه، وكان انقلاباً صينياً على الفكر الماوي.
فقد قامت حملة اتهامات، عبر عملية مدبّرة مفبركة، للإطاحة بالأربعة، أي بالمسؤولين الأربعة في قيادة الحزب الشيوعي الصيني آنذاك، وهم:
«عصابة الأربعة»، وهو اسم يُطلق على مجموعة سياسية يسارية مؤلفة من أربعة مسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني، برزوا إلى الأضواء أثناء الثورة الثقافية (1966–1976م)، واتُّهموا بارتكاب سلسلة من الجرائم الخيانية.
والأعضاء الأربعة هم: جيانغ تشينغ (Jiang Qing)، زوجة ماو تسي تونغ، وكانت عضواً قيادياً في الحزب الشيوعي الصيني، والمقربون منها: تشانغ تشون تشياو (Zhang Chunqiao) عضو اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، وياو ون يوان (Yao Wenyuan) عضو اللجنة المركزية للحزب، إضافة إلى وانغ هونغ ون (Wang Hongwen) نائب رئيس الحزب.
وسُمّيت هذه المجموعة «عصابة الأربعة»، وقد فُصل أعضاؤها نهائياً من الحزب الشيوعي عام 1977م، وأُحيلوا إلى المحاكمة عام 1980م.
وجاءت هذه الفبركة والتأليب على هؤلاء المسؤولين الأربعة بإيعاز إمبريالي.
ثم أُودع المسؤولون المركزيون الأربعة السجن، لأنهم كانوا سداً في وجه أي ارتباط بالإمبريالية الأمريكية وبالحكومة العالمية العميقة التي تحكم العالم بأسره عبر رأس مال البنوك.
وبما أن الحزب الشيوعي الصيني لا يتمثل في هؤلاء الأربعة فقط، فقد تمسك المسؤولون الصينيون الجدد بالشيوعية، على أن يكونوا تحت إمرة الحكومة العالمية العميقة ونفوذها سراً، وهي بدورها ستفتح لهم الأسواق للتجارة، وسترفع عنهم جميع العقوبات إلا بعضها الشكلي للتمويه. وطبعاً لا بد في التحالفات الدولية من مدّ وجزر، لكبح جماح هذا وتزكية ذاك.
والحقيقة أنه كان لا بد للإمبريالية الرأسمالية في تلك المرحلة من التركيز على الاتحاد السوفيتي السابق، لأنه كان في حراك دائم لتصدير أيديولوجيته إلى البلدان المجاورة، وإلى الشرق الأوسط خاصة. وهذا كان بالنسبة إلى أمريكا وحكومة العمق تهديداً للأمن القومي الأمريكي وللرأسمالية كافة، بينما اتفقت الصين الجديدة معهم على عدم التدخل في بلدان الشرق الأوسط، وعدم العمل على نشر فكرها الشيوعي.
وفي تلك المرحلة كان الشاه الإيراني حارس الخليج العربي والمنطقة الشرق أوسطية برمتها، ولم يكن في الحسبان أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستخرج من الرماد لتقول لهم: «كش ملك».
بينما اتخذت الصين جملة من الإصلاحات، أبرزها إدخال إصلاحات اقتصادية قائمة على نظام السوق منذ عام 1978، فأصبحت من أسرع اقتصادات العالم نمواً، وصارت أكبر دولة مصدّرة في العالم، وثاني أكبر مستورد للبضائع.
ويُعدّ الاقتصاد الصيني ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وتعادل القوة الشرائية.
وأصبحت الصين تتمتع بالعديد من الامتيازات التي لم تكن متاحة لها قبل «الانقلاب الأبيض»؛ فهي عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما أنها عضو في منظمات متعددة الأطراف، منها منظمة التجارة العالمية، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (APEC)، ومجموعة بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة العشرين.
وتمتلك الصين ترسانة نووية معترفاً بها، وجيشها هو الأكبر في العالم من حيث عدد العاملين في الخدمة، مع ثاني أكبر ميزانية دفاع. أليس هذا مريباً؟ طبعاً هو كله مريب، وفيه أدلة على ما تقدّم.
ودعك هنا من بعض ذرّ الرماد في العيون من طرف الرئيسين الأمريكيين دونالد ترامب وجو بايدن ضد الصين.
لماذا تحاصر أمريكا إيران؟ ولماذا تمنعها من النشاط النووي؟ ولماذا كل هذا التحامل على روسيا بوتين، مع أن بوتين لمّح في كثير من المناسبات إلى أنه مع النظام العالمي الجديد؟ وكانت هذه رسائل منه بأنه مستعد ليكون رهن أمرهم، وأن تكون بلاده روسيا الاتحادية شرطي العالم، ولا سيما أن أمريكا وصلت إلى «اللحظة البريطانية»، كما كتبت الكاتبة منيرة الهاشمي في مقالة بعنوان: «هل أمريكا في اللحظة السوفيتية أم في اللحظة البريطانية؟»، أي لحظة الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس.
في الواقع كان دونالد ترامب يميل إلى أن تحل روسيا محل أمريكا شرطياً للعالم، ولكن هذا لم يرُق لأصحاب النفوذ في الحكومة العميقة، فحاولوا تشويه سمعته والاستهزاء به، وأسقطوه في الانتخابات التي اتهمهم فيها بالتزوير. وصعد جو بايدن في مرحلة عصيبة، وكان يظن أنه رجل المرحلة، وأنه سينقذ أمريكا ونفوذها في العالم، إلا أن جيشه الأمريكي فرّ من أفغانستان بعد مدة قصيرة.
وبطريقة مهينة ثبت أنه لم تعد لأمريكا هيبة تحكم بها العالم، وعليه كان لا بد من إزاحة كل القوى التي تشكل تهديداً لسلطة النظام العالمي الجديد بقطبه الأوحد أمريكا.
بعد صدور كتاب «الانهيار القادم للصين» عام 2001 بقلم المحامي الأمريكي غوردون جي تشانغ، أحست أمريكا، ومن خلفها أوروبا وغيرها، بأنها وحدها من سيحكم العالم في الحقبة القادمة، مما زاد أمريكا جشعاً وغروراً وتهوراً، وصاح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في العالم: «أنا ربكم الأعلى، وقد نزلت باسم الرب لنشر الديمقراطية»، بالسلاح والقتل والسلب والنهب، وخلع القناع عن وجه العولمة والديمقراطية.
وقال: «جئتكم بالصواريخ والقنابل، وجئتكم بالهدم والردم والرعب، لأسلبكم ثرواتكم، وأمحق أحلامكم وتراثكم، وأمسح تاريخكم».
هكذا حلّت الديمقراطية الأمريكية على أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن…
إلا أنه في غمرة عربدته وغطرسته كان التنين الصيني والدب الروسي وإيران الإسلامية يكتسحون الساحات التكنولوجية والعلمية والاقتصادية، ويتفوقون في كل الميادين.
ونلاحظ أن روسيا وإيران تُفشلان كل مخططات أمريكا الاستعمارية، بينما تُفشل الصين مخططاتها الاقتصادية.
ثم استفاق الرئيس الأمريكي باراك أوباما على حجم الكارثة في العراق، فخرج منه يجر أذياله، إلا أن الأمر انتهى بالعودة بعد فسحة راحة لإعادة التنظيم.
ولا سيما أن الحرب على سوريا أخذت وقتاً أطول مما خُطط له، إذ كان التقدير الأمريكي ألا تدوم أكثر من بضعة أشهر على أقصى تقدير.
نعم، كان لا بد للأمريكيين من العودة إلى العراق والمكوث فيه، والعمل على هدم كل شيء فيه، من السياسة إلى الاقتصاد إلى التنمية إلى الأخلاق. كان لا بد من إلهاء العراق حتى تكتمل الحلقة، ويتمكن الشرطي البديل للعالم من السيطرة على المنطقة، وتتمكن أمريكا من السيطرة على العالم بمفردها دون منازع؛ إذ لا بد من قطب واحد مسيطر على العالم.
والحقيقة أن الأمريكيين تحالفوا مع روسيا في الحرب العالمية الثانية ضد أدولف هتلر، لأن هتلر كان يشكل خطراً داهماً على أوروبا.
وكان الاتفاق قد وقع على تقسيم ألمانيا مناصفةً بين أمريكا وروسيا، وكانت لروسيا شروط أخرى عديدة لدخول الحرب العالمية الثانية معهم ضد ألمانيا.
وهذه السياسة التي انتهجها السوفييت في حينها كانت سياسة ليّ ذراع، ولذلك لم تنسَها لهم الحكومة العالمية العميقة، رغم أن هذه الأجيال هُجّنت، وأصبحت لا علاقة لها بالدين والمبادئ والأخلاق.
إلا أن هناك بديلاً أضمن بحسب وجهات نظرهم، وهو التنين الصيني الذي ليس له عقيدة سماوية، أي دين ومبادئ أخلاقية. ثم إن الصين أثبتت لعقود قدرتها على السيطرة على أكثر من مليار نسمة، أضف إلى ذلك أنها الأولى عالمياً في السيطرة التكنولوجية التي طبقتها على شعبها، ونجحت فيها بامتياز.
وإذا فهمنا أن «نيوم» هي مركز الدولة الحاكمة المستقبلية، وأنها التي ستُقام فيها أعظم مراكز البيانات العاملة عبر شبكات الجيل الخامس (5G)، والتي ستتحكم في البشرية عبر شريحة «النانو»، وأن المشغلين والعمال سيكونون من الصينيين لأنهم أثبتوا قدرتهم على الالتزام بالقوانين والامتثال للأوامر، حينها فقط يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو لنقل: من الأصفر.
ولهذا لم يقبلوا بروسيا بديلاً؛ فروسيا إما أن تقبل بالحصار حول حدودها وبالمقايضات، وتلتزم الصمت إلى أن يتم تشكيل النظام العالمي الجديد، وإما أن تدخل في حرب مدمرة لها ولأوروبا بأسرها. وهذا ما يريده النظام العالمي الجديد (أمريكا) للبلدان الضعيفة والمهزومة: أن تُساق إلى «السيستم»، أي النظام، وهي خاضعة الآن فعلاً.
غير أن بوتين كان يعلم أنهم يريدون إسقاط روسيا، ولن يقبلوا بها مهما قدّم لهم، ومن أجل ذلك أعدّ لهم العدّة. ولكن الحذر من التنين الصيني واجب، وستسير سفنهم بما تشتهيه رياحنا.