الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الغزال الأوكراني بين الدب الروسي والبُغاة الأمريكيين

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 35، كُتب في نحو شباط 2022

  • إن التاريخ، بالنسبة إلى المراقب والمحلل السياسي الفطن الذكي، كتاب مفتوح وأحداثه مترابطة، وكثيراً ما نسمع السياسيين والمراقبين والمحللين يعلّقون على أحداث التاريخ بعبارة: «ما أشبه اليوم بالبارحة».

  • فالرئيس الأوكراني زيلينسكي يصرخ: لقد تركت أمريكا وأوروبا وحلف الناتو أوكرانيا وحدها.

  • وكأنه لا يعرف كيف تركت أمريكا وأوروبا العراق وحده لمصير مجهول، وكذلك اليمن وفلسطين وأفغانستان والشعب السوري.

  • وكأن زيلينسكي لا يدرك الحقيقة الناصعة التي يدركها العالم كله، وهي أن أمريكا، وخاصة جو بايدن، لا تملك أي مصداقية.

  • وأن الدب الروسي بوتين ما يزال يثبت للعالم أن مصداقيته مع حلفائه أكبر من مصداقية العجوز الهرم الأمريكي جو بايدن، المتردد والغادر دائماً بأصدقائه وحلفائه، وأن السياسة الأمريكية والأوروبية لا تبحث إلا عن مصالحها.

  • فأمريكا وأوروبا اكتفتا بالبكاء على أطفال أوكرانيا، ونسيتا أنهما قبل عقدين من الزمن ألقتا في عرض البحر حليب الأطفال المرسل مساعداتٍ لأطفال العراق المحاصر.

  • ولم تكترث أمريكا وأوروبا بموت الملايين من أطفال العراق بسبب نقص الحليب.

  • وهما، بدلاً من أن تنتصرا لحليفتهما أوكرانيا، اكتفتا بالبكاء والعويل.

  • أما حليفتهما بريطانيا فتبدي استعدادها لاستقبال المسؤولين الأوكرانيين لاجئين سياسيين، وأما الدول الأوروبية التي أصبح الدب الروسي على مرمى حجر من حدودها، فقد قالت إنها مستعدة لاستقبال النساء والأطفال.

  • ألا تبّاً لكم على هذه المواقف المخجلة! لقد أهنتم اللاجئين العرب والمسلمين قبلهم، ولم تحترموا القواعد الإنسانية في التعامل مع اللاجئين.

  • وتحاول أمريكا وأوروبا عبثاً إرهاب الروس بأنهما سترسلان أسلحة إلى أوكرانيا، وكأنهما لا تفقهان القاعدة التي يعبّر عنها المثل العراقي: «ما يفيد العليج وقت الغارة».

  • إن التفوق العسكري الروسي ارتبط في امتداده بالتفوق السياسي الإيراني، سواء في جولات المفاوضات النووية في فيينا أو في صراع إيران الميداني في منطقة الشرق الأوسط، وسيتواصل مع الانتصارات العسكرية الصينية؛ فالصين بدأت تتحدث عن تايوان ومستقبلها، كما بدأت تتحدث عن النظام الدولي، وأنه لم يعد صالحاً لحفظ السلام في العالم، وأن الحاجة إلى نظام دولي جديد أصبحت ملحّة في هذا الوقت للعالم كله.

  • وهذا يعني بداية مسلسل انهيار التفوق الأمريكي الذي كانت أمريكا تتحكم بالعالم من خلاله.

  • ويعني تراجع الحضارة الأوروبية التي كان اعتمادها الاستراتيجي الدولي على القوة العسكرية الأمريكية؛ فقد وضعت أوروبا كل بيضها في السلة الأمريكية، وهي لا تدري أن «المتغطّي بأمريكا عريان»، كما يقول المثل المصري.

  • لقد أخطأت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية خطأً استراتيجياً لا يُغتفر، حين أضعفت ألمانيا ومنعتها من التسلح وبناء الجيوش، وألمانيا هي العقل الأوروبي والمقاتل العنيد. فليتذكروا اليوم جيش الرايخ الألماني الذي سمّاه الأمريكان خبثاً «جيش هتلر»، ونسوا أنه جيش ألمانيا، سيدة أوروبا، وليس جيش هتلر.

  • وكرر العرب الخطيئة نفسها عام 1991م عندما أضعفوا العراق، فاستغلهم الأمريكان البغاة في غزو العراق وحلّ الجيش العراقي الأشمّ، جيش البطولات، بعد أن سمّوه زوراً وبهتاناً «جيش صدام»، ونسوا أنه تأسس قبل مئة عام، في 6 كانون الثاني 1921م. وحوّله الحلفاء والخونة من العراقيين والعرب من جيش العراق والعروبة إلى جيش الدمج والميليشيات.

  • وها هم اليوم جميعاً يفتقدون الجيش العراقي الوطني السابق ويتحسرون عليه، و«في الليلة الظلماء يُفتقد البدر». فلنبكِ مثل النساء مُلكاً لم نحافظ عليه مثل الرجال.

  • وأدعو أوكرانيا إلى إدراك أنه لم يبقَ أمامها خيار يحفظ كرامتها ومستقبل شعبها إلا التفاهم مع الروس بضمانات دولية؛ فقسم كبير من شعبها من أصول روسية، ولها تاريخ مشترك مع الروس، بل إن عاصمتها كييف كانت عاصمة الدولة الروسية الأولى (روس كييف) قبل نحو ألف عام.

  • والمثل العربي يقول: «لا عاش مالٍ ما يشبه أهله».

  • أما التفكير في الاستناد إلى الأمريكان ودول أوروبا العجوز، فسوف يُضيّع الأوكرانيين ويُخسرهم كما أضاع الأمريكان والأوروبيون دولاً كثيرة، وآخرها أفغانستان.