الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
الغموض بين إيران وإسرائيل: اتفاق سري أم مواجهة قادمة؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 27 حزيران 2025
نسمع هذه الأيام الكثير عن الحرب الإسرائيلية الإيرانية، وكلٌّ من الطرفين يقول: أنا المنتصر. وهناك أخبار عن عدم تدمير كل الأهداف الإيرانية النووية والصاروخية، ونسمع كذلك أن هناك اتفاقاً بينهما، برعاية أميركية، على إيقاف الحرب، والآن نسمع عن احتمال عودة الحرب بينهما. فهل ذلك ممكن؟ وما أسباب هذه الشكوك؟ ومن المنتصر؟ وكيف يمكن ضمان عدم عودة المناوشات بينهما مستقبلاً؟
شهدت الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة واحدة من أكثر الحروب «الرمزية والتكتيكية» في الشرق الأوسط، ليس فقط من حيث نطاقها وتكنولوجيتها، بل من حيث الغموض الذي اكتنف نتائجها وطريقة إنهائها المفاجئة.
ولا تزال الأسئلة تُطرح حول ما إذا كانت الحرب قد انتهت فعلياً، أم أن ما جرى كان مجرد هدنة مؤقتة رعتها الولايات المتحدة وبعض القوى الدولية لأسباب سياسية واستراتيجية.
نعرض هنا تحليلاً مفصلاً لهذا المشهد المعقد من عدة أبعاد:
أولاً: الحرب بين ادعاء النصر والحقائق الميدانية
في نهاية الحرب سارع كل طرف إلى إعلان «النصر»:
إسرائيل قالت إنها «حيّدت القدرات النووية والصاروخية الإيرانية» جزئياً، وحققت أهدافها بعمليات دقيقة شملت تدمير مواقع في فوردو وأصفهان وطهران.
وإيران من جانبها ردّت بهجمات صاروخية كثيفة أكدت فيها قدرتها على إصابة عمق إسرائيل، بما في ذلك أهداف قريبة من تل أبيب ومناطق صناعية وعسكرية.
إلا أن الحقيقة أن الطرفين تكبّدا خسائر ملموسة:
إيران لم تخسر كل بنيتها النووية، لا سيما أن بعض المنشآت يقع تحت الأرض أو في مناطق يصعب استهدافها حتى بالقاذفات الشبحية (B-2).
إسرائيل تعرضت لهجمات غير مسبوقة بالصواريخ والمسيّرات، ما أثبت أن «القبة الحديدية» و«حيتس 3» ليست منظومات لا تُخترق.
ثانياً: هل توقفت الحرب فعلياً أم أنها مؤجلة؟
إعلان وقف إطلاق النار بعد أسبوعين من بدء الحرب لم يكن نتيجة حسم عسكري، بل نتيجة ضغوط دبلوماسية كثيفة من:
الولايات المتحدة، التي كانت تخشى اندلاع صراع إقليمي أكبر قد يشمل حزب الله وسوريا والعراق.
دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، خشيت من تصعيد نووي إقليمي وفوضى اقتصادية.
روسيا والصين، اللتين تدخلتا سياسياً لمنع انهيار كامل للوضع الأمني في الخليج.
لكن هذا الوقف لم يكن نتيجة «اتفاق سلام»، بل مجرد تفاهمات مؤقتة تقوم على ثلاثة عناصر:
وقف مؤقت للأعمال العدائية.
الالتزام بعدم استهداف المنشآت العسكرية النووية مباشرة.
فتح قنوات تفاوض مستقبلية بضمانات أمريكية.
ثالثاً: لماذا الشكوك في عودة الحرب؟
لم يتحقق نزع كامل لقدرات إيران الصاروخية أو النووية، حسب التقارير الاستخباراتية.
إسرائيل ما زالت ترى في إيران «تهديداً وجودياً»، خاصة إذا ما استؤنف تخصيب اليورانيوم.
طهران من جانبها تعتبر ما جرى «إهانة» سيادية، وتستعد لحرب طويلة غير تقليدية (استنزاف، طائرات مسيّرة، خلايا إقليمية).
فشل الأطراف الخارجية في فرض آلية مراقبة موثوقة على الطرفين قد يُعيد الاشتعال عند أول احتكاك.
رابعاً: من المنتصر فعلياً؟
الجواب يتوقف على المعايير التي نقيس بها «النصر»:
من الناحية العسكرية: حققت إسرائيل إصابات دقيقة ضد منشآت عسكرية ونووية حساسة، وهذا يُعدّ بلا شك تفوقاً تكتيكياً، لكن رد الفعل الإيراني أظهر أن منظومة الردع الإسرائيلية يمكن النفاذ منها.
من ناحية الصمود الوطني: إيران لم تنهَر، ولم تسقط حكومتها رغم الضربات، وهذا يُعدّ «نصراً سياسياً ومعنوياً».
من الناحية الاستراتيجية: لم يتمكن أحد من «إخراج» الآخر من المعادلة، ما يجعل النتيجة أقرب إلى «التعادل الحذر».
خامساً: ما المطلوب لمنع عودة المواجهة العسكرية؟
إنشاء قناة تفاوضية دائمة بين طهران وتل أبيب بوساطة دولية (ربما عبر دولة ثالثة محايدة مثل عُمان أو سويسرا).
توقيع اتفاق غير معلن يتضمن:
عدم الاستهداف المباشر لأي منشآت استراتيجية.
التزاماً متبادلاً بعدم استخدام «الوكلاء» (الميليشيات الإقليمية) في الهجوم.
إشرافاً أممياً على المواقع النووية الحساسة، ولو جزئياً.
تقوية آليات الإنذار المبكر والاتصال العسكري المباشر (Hotline) بين الطرفين، حتى لا تؤدي أي عملية خاطئة أو اعتداء مفاجئ إلى إشعال المواجهة من جديد.
دور أميركي أكبر، بوصف الولايات المتحدة الطرف الذي يستطيع الضغط على إسرائيل، وفي الوقت نفسه محاورة إيران ضمن الحدود الممكنة.
سادساً: موقف الشعبين والرأي العام
في إيران: الشعب الإيراني مرهق اقتصادياً ويعاني من العقوبات، لذلك فإن أي حرب طويلة ستفاقم الوضع الداخلي، والرغبة الشعبية تميل إلى حماية الكرامة دون الدخول في حرب مدمرة.
في إسرائيل: هناك انقسام؛ فبعض القوى اليمينية ترى في أي اتفاق ضعفاً، بينما ترى المعارضة أن الأمن لا يمكن تحقيقه بالقوة فقط، بل بالتفاهمات.
في الدول العربية والإسلامية: انقسم الموقف بين التأييد الرمزي لإيران بوصفها قوة مقاومة لإسرائيل، والخشية من دخول المنطقة في مواجهة واسعة.
أوروبا: حريصة على استمرار وقف إطلاق النار للحفاظ على استقرار المنطقة وتدفق الطاقة.
روسيا والصين: تميلان إلى حل تفاوضي يحدّ من النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، دون أن تدعما إيران علناً.
إذاً
الحرب لم تنتهِ سياسياً، بل عُطّلت عسكرياً. والنصر لم يُحسم لطرف، وإنما سُجّل تعادل استراتيجي هش. واستئناف الحرب ممكن جداً إذا فشلت جهود التهدئة، أو ارتُكبت أي عمليات خاطئة أو متسرعة.
المستقبل يتوقف على النوايا، وعلى قدرة الدبلوماسية الدولية على ترسيخ «قواعد اشتباك» جديدة تمنع الانفجار، وعلى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات استراتيجية مؤلمة من أجل تجنب حرب لا يستطيع أحد تحمّل تبعاتها في المنطقة.