الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
المشاركة الأمريكية وحلف الناتو في الحرب ضد روسيا
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 45، كُتب في نحو نيسان 2022
رغم إعلان حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي) بقيادة أمريكا عدم انخراطه بصورة مباشرة في الحرب ضد روسيا، فإن الطرفين (حلف الناتو وروسيا) منخرطان في حقيقة الأمر بصورة مباشرة، ويُعدّ ذلك بمثابة إعلان حرب. ومع علم الطرفين بذلك، بقيت مستويات التدخل وأوجهه في الظل وخلف الستار دون إجهار، وتُترجَم على شكل ضربات «تحت الحزام». ولهذا الأسلوب، وعدم الإفصاح عنه، أسباب كثيرة، لعل من أهمها الخوف من التصعيد غير المسيطَر عليه والذهاب نحو حرب كونية (عالمية ثالثة)، وإبقاء أبواب الحوار والتفاهمات مفتوحة بين حلف الناتو وروسيا.
اتّبعت روسيا في الهجوم على أوكرانيا أسلوب «الدفاع المتحرك» (السيّار)، وهو أسلوب عسكري أو خطة، أو صفحة من صفحات الدفاع، بينما اعتبرت أمريكا وحلف الناتو انخراطهما في هذه الحرب الروسية الأوكرانية، بالقدر المعلن عنه فقط، بمثابة «الدفاع الثابت الساكن» (صفحة من صفحات القتال).
إن ما يتم الإعلان عنه من تقديم دعم لوجستي وأسلحة للجيش الأوكراني أقلُّ بقليل مما يُقدَّم لأوكرانيا تحت الطاولة، وهذا لا يخفى على موسكو (بوتين).
ومن أوجه هذا الانخراط ومستوياته ما يلي:
على مستوى القيادة والسيطرة: قضايا التخطيط للمعركة وإدارتها وقيادتها تُدار الآن من «غرفة عمليات مشتركة وموحدة» تابعة لحلف الناتو، بمشاركة رئيسية من بريطانيا وأمريكا، لغرض القيادة، وهذا يغيّب قرار الجيش الأوكراني بنسبة 90%.
على مستوى الاستخبارات والمعلومات: يلعب حلف الناتو دوراً مهماً وكبيراً في إدارة المعلومات ومعركة الاستخبارات، خصوصاً فيما يتعلق بحركة القطعات الروسية وانتشارها، وتعويقها (تأخيرها) واستهدافها، وكذلك رصد الآليات العسكرية الروسية، وإعاقة الدعم والمواصلات والاتصالات الروسية، وشلّ الإسناد الناري والتأثير فيه، وتحجيم قوات الاحتياط.
والخطورة تكمن في رصد الأقمار الصناعية لحلف الناتو لحركة الأرتال الأخطبوطية الروسية، ومن ثم إرسال الإحداثيات إلى الطائرة المسيّرة التركية «بيرقدار» عالية الدقة، التي سلّمتها تركيا لأوكرانيا بإيعاز من حلف الناتو وعلمه، لاستهداف تلك القوات الروسية، وقد باتت مؤثرة بقدر كبير. وهنا يبدو واضحاً دور الحرب الإلكترونية في هذه الحرب.
في المعادلة الجوية: غاب بالكامل دور القوة الجوية الأوكرانية، بسبب انخفاض مستوى كفاءة الطيارين الأوكرانيين، وتدمير المطارات الأوكرانية، وكذلك المضادات الجوية (أسلحة الدفاع الجوي) الأوكرانية. وهنا لعب الدفاع الجوي لحلف الناتو، وسيلعب في الأيام المقبلة، دوراً كبيراً على مستويات مختلفة؛ إذ أرسل الحلف مجموعة كبيرة من منظومات الرصد ومنظومات الإنذار والسيطرة الجوية، مع منظومات دفاع جوي حديثة مع طواقمها البشرية (أكرر: مع طواقمها البشرية)، لغرض معالجة الجهد الجوي الروسي، وتحجيم دور الطيران الروسي والتأثير فيه. وهناك إشارات واردة إلى سقوط بعض المقاتلات الروسية الحديثة الصنع مؤخراً، مثل «سوخوي 35» وغيرها، وسوف تتكرر هذه الأنباء في الأيام القادمة.
ولم تكتفِ واشنطن وحلف الناتو بذلك، بل سينشران منظومات «باتريوت» في بولندا بادئ ذي بدء، ومن ثم داخل أوكرانيا في الأسابيع القادمة، لمواجهة الصواريخ الروسية.
على مستوى الاتصالات: الاتصالات عنصر مهم جداً وذو أولوية في إدارة حركة القطعات العسكرية وتواصلها بعضها مع بعض، ومعها التوجيهات وإدامة المعلومات في ساحة المعركة. ومن خلال ضربة نوعية استطاعت القوات الروسية شلّ الاتصالات الأوكرانية بنسبة عالية تصل إلى حوالي 50% أو تزيد على ذلك.
الأمر الذي دفع حلف الناتو، وبالخصوص أمريكا، إلى تزويد أوكرانيا بأجهزة ومنظومات عالية الدقة (مع طواقمها)، مع وجود مترجمين خاصين، للرصد والإنصات والتنصت وإدامة التواصل والاتصال.
على مستوى المقاتلين في الميدان: تم نشر العديد من الضباط والقوات الخاصة من جيوش حلف الناتو، وضباط الارتباط من أجهزة المخابرات، إضافة إلى مئات الضباط المتقاعدين من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) وغيرهم، لقيادة ما تبقى من الجيش الأوكراني وإعادة تنظيم صفوفه، وأيضاً لقيادة الآلاف من المرتزقة في ميدان المعركة الروسية الأوكرانية.
على مستوى الإسناد: لم يقتصر الأمر على نشر الصواريخ أو كتائب المدفعية الثابتة أو المتحركة (ذاتية الحركة)، بل تعدّى ذلك إلى مستوى المعالجة من خلال نشر منظومات الرصد والاستمكان، بالقدر الذي يوفر إسكاتاً لمدفعية الخصم (روسيا)، ويوفر أيضاً غطاءً نارياً لتحرك قوات المرتزقة. وقد تمثّل هذا الجهد في منظومات تابعة لحلف الناتو مع طواقمها.
على مستوى الجهد الحربي والهندسي: نلاحظ، من خلال بعض اللقطات التي تنقلها وسائل الإعلام، أن هناك آليات منتشرة هنا وهناك تدل على وجود جهد هندسي، سواء أكان لوجستياً للمعركة متمثلاً في الهندسة الخاصة وآلياتها، أم ميدانياً مهتماً بنشر المتفجرات أو معالجتها.
على مستوى الطبابة الميدانية: نشر حلف الناتو مستشفيات ميدانية متكاملة، وهناك خطوط مباشرة لنقل الجرحى وإسعافهم، والنقل إلى ألمانيا بعد وصول الجرحى إلى بولندا أو بلجيكا أو بعض دول حلف الناتو الأخرى، خصوصاً في أوروبا الشرقية.
على المستوى السياسي والإعلامي والحربي وحشد المتطوعين والتعبئة: الأمر لا يحتاج إلى تفصيل، فما يجري في أوكرانيا يبدو واضحاً وجلياً للقارئ اللبيب.
والسؤال هنا: هل يبقى الوضع على ما هو عليه الآن، أم تذهب الأمور إلى أبعد من ذلك، إلى ما لا تُحمد عقباه، نحو مواجهة وحرب مباشرة تنذر بحرب كونية (عالمية ثالثة)؟
هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة، فانتظروا، إني معكم من المنتظرين.