الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

النظام العالمي الجديد وحرب أوكرانيا: أين نحن منها؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 25، كُتب في نحو آذار 2022

  • إن حرب أوكرانيا، كما يسميها الرئيس فلاديمير بوتين، ليست البداية، بل هي حلقة في سلسلة من حلقات تاريخ العالم القديم والجديد الذي تعيش فيه روسيا القديمة والجديدة. وتبقى روسيا تخوض معركة الوجود التي لا تنتهي.

  • وستتكرر هذه الحروب في مواضع عدة من العالم الذي يستعد لسيطرة الروس والصينيين، الذين جعلوا من شرق أوكرانيا وتايوان لوناً أو ضربة فرشاة في لوحة كبيرة ليس راسمها واحداً، بل مجموعة من الرسامين المحترفين.

  • وهي فلسفة وجود، مفادها أن الأرض لا يحكمها واحد، لأنها مرتبطة بإرادة التغيير والنكوص والنهضة، وبموت وحياة يفرضان شروطهما في لعبة متكررة لا تكاد تنتهي.

  • لقد تباهى مفكرو الغرب وأمريكا كثيراً، بعد تفكك الاتحاد السوفيتي السابق، بـ«نهاية التاريخ» ونهاية الروس، وبسيطرة القطب الواحد (أمريكا). وهي حتماً تصورات وهمية، وجزء من تسويق المشروع الرأسمالي.

  • وهي ليست حقيقة ماثلة؛ فالحياة لا تتوقف عند نظام بعينه.

  • والثابت أنه ليس هناك ثابت في السياسة وحركة الاقتصاد، فقد ينهار أي نظام وبسرعة إذا ضعفت منظومةٌ ما وانهارت قيمياً واجتماعياً، وعانى اقتصادها من غياب التجديد.

  • ثم إن الإنسان رُبط الإنسان بمنظومة عمل وجهد مُنهِكة ترتبط بالمزيد من الضرائب والمدفوعات ليستمر النظام.

  • وتجد الإنسان منهَكاً معذَّباً، سواء أكان النظام المتّبع رأسمالياً أم اشتراكياً.

  • فقد جرّب العالم منظومات مختلفة لم توصله إلى الطمأنينة. وحاله كحال تلك المغنية التي امتلكت المال والشهرة والقصور والطائرات وكل ما لذّ وطاب من صنوف العيش، لكنها قررت فجأة أن تنتحر. وكانت المفاجأة في الرسالة التي تركتها لأصدقائها من بعدها، إذ كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُطاق».

  • ولسان حال أي نظام ينهار، في رسالته الأخيرة، أن يقول: «سامحوني، فلستُ أنا الحل، ولم يعد لديّ ما يعينني على البقاء والدوام».

  • وقد اعتدنا أن يرتبط كل نظام عالمي بقوة مسيطرة تُنهكها عوامل ضعف داخلية وخارجية، فتترك مكان الصدارة والرأس، وتفسح المجال لقوة غالبة قاهرة جديدة تأخذ مكانها في القيادة، ثم تشكّل نظاماً عالمياً مختلفاً تكون هي المستفيدة فيه، حتى مع وجود قوة منافسة. وكأنه قدَرٌ أن يبرز واحد وينافسه آخر منتظراً وهنه وزواله الحتمي.

  • وسواء حققت روسيا أهدافها كاملة من غزوها لجارتها الغربية أوكرانيا أم لم تنجح، فإنها مساهم فعّال في التغيير، لأنها لا يمكن أن تقبل بتهديد وجودي أو بتنازلات مذلّة للغرب وأمريكا. فالغرب وأمريكا يرون أنهم يعلمون كل شيء، وأنهم محقون في كل شيء، حتى في استخدامهم الأسلحة الفتاكة والطائرات، وفي تجويع شعوب الأرض وقهرها في أوروبا وآسيا وأفريقيا. وترى أمريكا أنها كانت محقة في تدمير فيتنام، وفي استخدام كل ما لديها من أدوات القتل في تدمير العراق.

  • ومحقة في دعمها الكامل لإسرائيل التي تهجّر الفلسطينيين وتدمّر حياتهم في غزة، وتمنعهم من حق العودة إلى أرضهم، أرض الآباء والأجداد، ولا تعترف أمريكا وإسرائيل بأن لهم أي حقوق.

  • إن أمريكا وإسرائيل تضربان القوانين والمواثيق الدولية عرض الحائط، والغرب وأمريكا يرون أن من حقهم أن يفعلوا ما يريدون في العالم وبالشعوب الأخرى، لأنهم متمكنون من أدوات الاقتصاد والإعلام والهيمنة الثقافية. فيغدو الآخرون وكأنهم خارج «النظام الجديد»، أو ضحايا له بلا تأثير ولا حضور.

  • وعلينا، نحن الآخرين، أن نقبل بمخرجاته مهما كانت، فيضعف الأمل في تجاوز محننا، وفي نيل حقوقنا، وفي ضمان مقعد لنا في القطار المتوجه إلى المستقبل. هذه هي نظرة أمريكا والغرب الأوروبي إلى الآخرين.