الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

الهجوم الأوكراني على العمق الروسي: معقول بهذه البساطة؟ وأين الاستخبارات الروسية؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في نيسان 2025

الهجوم الأوكراني (بالمسيّرات) على العمق الروسي والقواعد والطائرات الروسية، أمعقولٌ أن يكون بهذه البساطة؟ وقد قال زيلينسكي إنه عمل استخباراتي أوكراني، فأين الاستخبارات والمخابرات الروسية من هذا؟

سؤالك مشروع جدًا، خصوصًا عندما نرى نجاح القوات الأوكرانية المتكرر في استهداف قواعد عسكرية روسية حساسة، وحتى وصولها إلى طائرات استراتيجية.

فكيف يمكن أن تصل أوكرانيا إلى هذه الأهداف داخل العمق الروسي؟ ولماذا تعجز الاستخبارات والمخابرات الروسية عن منع ذلك؟

الإجابة تتطلب تفصيلًا في الجوانب التالية:

أولًا: طبيعة الهجمات الأوكرانية في العمق الروسي ووسائل تنفيذ العملية

  1. الطائرات المسيّرة (الدرونز):
  • تستخدم أوكرانيا طائرات مسيّرة من طرازات وأنواع مختلفة، بعضها محلي الصنع (مثل UJ-22) وبعضها غربي (مثل Switchblade الأمريكية أو Black Hornet النرويجية).
  • عُدّلت المسيّرات الأوكرانية لتصل إلى مئات الكيلومترات داخل عمق روسيا، بل وصلت إلى قواعد على عمق 600 كم مثل قاعدة إنغلز الجوية.
  • بعض المسيّرات الأوكرانية يطير على ارتفاع منخفض جدًا لتفادي الرادارات الروسية.
  1. فرق التخريب والعمليات الخاصة الأوكرانية:
  • تحدثت تقارير استخبارية عدة (أمريكية وأوروبية) عن وجود خلايا أوكرانية، أو حتى من المعارضة الروسية، داخل روسيا تقوم بتخريب مدرجات المطارات أو بوضع عبوات ناسفة على الطائرات الروسية.
  1. الصواريخ الأوكرانية بعيدة المدى (عندما تتوفر):
  • تمت بعض الهجمات الأوكرانية باستخدام صواريخ «ستورم شادو» (بريطانية الصنع)، التي أُطلقت من مسافة آمنة لكنها وصلت إلى أهداف روسية حساسة.

ثانيًا: الثغرات في الاستخبارات والأمن الروسي

  1. تشبّع استخباراتي روسي وفوضى في التقدير:
  • بعد سنتين من الحرب الروسية الأوكرانية، أصبحت الجبهة متعددة الاتجاهات (الداخل الأوكراني، وجبهة القرم، والحدود البيلاروسية، والداخل الروسي)، مما يُصعّب على الاستخبارات تتبّع كل التحركات على الجبهات وفي روسيا.
  • المخابرات الروسية منهكة بسبب جهود الرقابة الداخلية (قمع المعارضة في روسيا وتتبّع الولاءات)، مما يشتت الجهد الاستخباراتي.
  1. الإفراط الروسي في الثقة وضعف منظومة الدفاع الجوي الداخلية:
  • كانت العقيدة الروسية تقوم على أن «العمق الروسي في أمان»، ولذلك لم تكن القواعد الروسية مثل إنغلز أو بيسيتش محصّنة كما يجب ضد المسيّرات الأوكرانية.
  • الدفاع الجوي الروسي مصمم أساسًا لمواجهة الطائرات المقاتلة أو الصواريخ الباليستية، لا أسراب المسيّرات الصغيرة والسريعة التي يصعب تتبعها.
  1. ثغرات في التقنية والرد الروسي:
  • رغم امتلاك روسيا منظومات دفاع جوي متطورة مثل S-400، فإن كثيرًا منها مخصص لحماية الجبهات أو موسكو فقط.
  • اعتراض المسيّرات الأوكرانية الصغيرة يتطلب تقنيات مختلفة (مثل التشويش والليزر والرادارات الدقيقة)، وتفتقر بعض المواقع البعيدة في روسيا إلى بعض هذه التقنيات.

ثالثًا: دور الغرب وأمريكا والذكاء الاصطناعي

  1. المساعدات الاستخبارية الغربية والأمريكية لأوكرانيا:
  • تؤكد تقارير روسية أن أقمارًا صناعية أمريكية وبريطانية تزوّد أوكرانيا بصور فورية لمواقع الطيران والمدرجات الروسية.
  • تدرّب أجهزة الاستخبارات الغربية والأمريكية القوات الأوكرانية على «الاختراق السيبراني» لأنظمة الدفاع الجوي الروسية.
  1. استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط للهجمات الأوكرانية على العمق الروسي:
  • برامج متقدمة تحلل صور الأقمار الصناعية وتحدد «الهدف الأضعف» (نقطة ضعف روسية في الرادارات، أو فجوة في الحراسة، أو مدرج غير محصّن).

رابعًا: تأثير الفساد والبيروقراطية في الداخل الروسي

  1. في بعض الحالات، كانت الطائرات الروسية التي دُمّرت مصطفّة في العراء دون حماية أو تمويه، رغم علم القادة الروس بإمكانية تعرّضها لهجمات أوكرانية.
  2. هناك حديث عن حالات فشل في إصلاح أنظمة الإنذار المبكر الروسية، وسوء تنسيق بين الجيش والشرطة والأمن الداخلي الروسي.

خامسًا: نتائج هذا الفشل الأمني في روسيا

  1. ضرب المعنويات: استهداف طائرات روسية استراتيجية مثل «توبوليف Tu-95» ضربة رمزية كبيرة لهيبة القوة النووية الروسية.
  2. تراجع الثقة بالقيادة العسكرية: لأن هذه الهجمات غالبًا ما تؤدي إلى إقالات أو تغييرات في قيادات سلاح الجو والدفاع الجوي الروسي.
  3. ضغط سياسي داخلي روسي: تصاعد الانتقادات من القوميين الروس أنفسهم ضد وزارة الدفاع الروسية، كما حصل بعد الهجوم الأوكراني في العمق الروسي، وهجوم بيلغورود، والهجوم داخل موسكو.

الخاتمة

الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي ليست بهذه «البساطة»، لكنها تستغل بذكاء مزيجًا من:

  1. ضعف التحصينات الروسية في العمق الروسي.
  2. تقنيات الغرب الحديثة التي كان لها تأثيرها.
  3. الاختراقات الاستخباراتية لأوكرانيا والغرب وأمريكا.
  4. أخطاء بشرية ونظام بيروقراطي مترهّل داخل روسيا.

ما يبدو مفاجئًا في الإعلام هو نتيجة تخطيط طويل وصبر استخباراتي، أوكراني وغربي وأمريكي، مقابل قصور استخباراتي روسي استراتيجي في حماية عمق روسيا.