الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
بعد إيقاف الحرب الإسرائيلية الإيرانية: هل يدوم؟ وكيف يكون التفاوض؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 24 حزيران 2025
بعد إيقاف الحرب الإسرائيلية الإيرانية، هل يكون دائمًا؟ وكيف يتم التفاوض بين الطرفين، وبإشراف من؟ وهل هناك ثقة بينهما؟ وما رأي الشعبين الإيراني والإسرائيلي ورغبتهما في ذلك، وكذلك الدول الغربية والعربية والإسلامية؟
كيف يكون الوضع بين إسرائيل وإيران بعد وقف القتال بينهما؟
أولًا: هل تكون نهاية الحرب دائمة؟
من منظور استراتيجي وتاريخي، من غير المرجح أن تكون نهاية الحرب بين إسرائيل وإيران «دائمة» بالمعنى الحقيقي للمصطلح. فالخلاف بين الدولتين ليس وليد أزمة آنية، بل هو ناتج عن تراكمات أيديولوجية وأمنية وسياسية تمتد لعقود. والحرب الأخيرة، حتى وإن كانت مدمرة، تُعدّ إحدى جولات صراع طويل ومعقد بين دولتين تتصارعان على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
ومن المحتمل أن تكون هذه التهدئة (وقف إطلاق النار أو اتفاق سلام مؤقت) فترةً لإعادة التموضع وترميم ما دُمّر وإعادة تقييم الحسابات لدى الطرفين، أكثر منها تسوية نهائية وشاملة للصراع.
أما الصراع نفسه بشكله العام فقد يتخذ صورًا جديدة: حرب بالوكالة، أو صراع سيبراني، أو هجمات استخباراتية، أو حتى مواجهة دبلوماسية في المحافل الدولية.
ثانيًا: كيف يتم التفاوض بينهما، وبإشراف من؟
- الوسيط المحتمل:
عادةً ما تلعب القوى الكبرى دور الوسيط، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، نظرًا لعلاقاتها الوثيقة بإسرائيل. لكن في حالة التوتر الإسرائيلي الإيراني، وبسبب افتقار إيران إلى الثقة بواشنطن، يُلجأ غالبًا إلى وسطاء محايدين نسبيًا، مثل:
- تركيا: لها علاقات دبلوماسية مع إيران وإسرائيل، وقد طرحت نفسها عدة مرات وسيطًا إقليميًا.
- سلطنة عُمان: دولة محايدة تتمتع بثقة الطرفين، ولها تجارب سابقة في نقل الرسائل السرية.
- الاتحاد الأوروبي: رغم انحيازه النسبي لإسرائيل، فإن دولًا كفرنسا وألمانيا أدّت أدوارًا تفاوضية مع إيران في الماضي، خصوصًا حول الملف النووي.
- الصين وروسيا: بوصفهما قوتين كبريين ذواتي علاقات وثيقة بإيران، قد تسعيان إلى أداء دور توازني في المفاوضات، وخاصة لاحتواء التصعيد وحماية مصالحهما في المنطقة.
- نوع التفاوض:
قد يتم التفاوض عبر:
- قنوات سرية خلف الأبواب المغلقة.
- مفاوضات تقنية عبر وسطاء.
- لقاءات غير مباشرة، كما حدث في مفاوضات الاتفاق النووي السابق.
- أو ضمن محادثات موسعة عبر الأمم المتحدة أو مؤتمر دولي.
ثالثًا: هل هناك ثقة بين الطرفين؟
الجواب القصير: لا. هناك انعدام ثقة شبه مطلق بين إسرائيل وإيران.
- من الجانب الإسرائيلي:
- تنظر إسرائيل إلى إيران بوصفها خطرًا وجوديًا، خصوصًا بسبب دعمها لحزب الله في لبنان وللفصائل الفلسطينية في غزة.
- يُنظر إلى المشروع النووي الإيراني على أنه مصدر تهديد مباشر.
- من الجانب الإيراني:
- ترى طهران في إسرائيل كيانًا محتلًا ومعاديًا للإسلام.
- تَعدّ العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة امتدادًا لسياسات عدوانية تجاه إيران.
كل طرف يعتقد أن الآخر لا يلتزم بالعهود، وأنه يستغل التهدئة لبناء قوة جديدة. وهذه البيئة من انعدام الثقة تجعل أي اتفاق هشًّا وقابلًا للانهيار عند أول أزمة أو استفزاز.
رابعًا: ما رأي الشعبين الإيراني والإسرائيلي ورغبتهما؟
- الشعب الإيراني:
- بالرغم من الخطاب الرسمي المعادي لإسرائيل، فإن نسبة كبيرة من الإيرانيين، خاصة في المدن الكبرى، تفضّل السلام والاستقرار على الحرب.
- أسهمت الضغوط الاقتصادية والعقوبات في توليد وعي شعبي ضد التصعيد العسكري.
- غير أن قطاعًا متشددًا من المجتمع، متأثرًا بالخطاب الثوري، لا يزال يرحّب بمواجهة إسرائيل.
- الشعب الإسرائيلي:
- رغم تأييد شريحة من الإسرائيليين للحرب وسيلةً لردع إيران، فإن الغالبية تفضّل العيش بسلام دون تهديدات صاروخية أو نووية.
- أثبتت الهجمات الصاروخية التي أصابت العمق الإسرائيلي في الحرب الأخيرة للإسرائيليين أن الحرب مكلفة، وأن لا طرف في أمان كامل.
- هناك أيضًا قلق كبير من اندلاع حروب متعددة الجبهات: مع إيران وغزة ولبنان وغيرها.
خامسًا: موقف الدول الغربية والعربية والإسلامية
- الدول الغربية:
- دعمت أمريكا وأوروبا إسرائيل عسكريًا واستخباريًا، لكنهما، خاصة أوروبا، تفضّلان نهاية سريعة للحرب، تجنبًا لتوسع الصراع وتعطّل إمدادات الطاقة أو موجات اللجوء.
- هناك أيضًا خوف من انهيار التوازن النووي في المنطقة إذا شعرت إيران بالتهديد الوجودي.
- تدفع أوروبا بقوة نحو مسار دبلوماسي مستقر، على غرار الاتفاق النووي لعام 2015.
- الدول العربية:
- هناك انقسام؛ فبعض دول الخليج (مثل السعودية والإمارات) دعمت إسرائيل ضمنيًا لكبح نفوذ إيران في المنطقة.
- دول أخرى، مثل العراق وسوريا ولبنان، تتعاطف سياسيًا مع إيران، لكنها لا ترغب في توسع الحرب إلى أراضيها.
- دول كقطر وسلطنة عُمان تؤدي أدوارًا دبلوماسية.
- الدول الإسلامية:
- عبّرت تركيا وماليزيا وباكستان عن قلقها من التصعيد، لكنها لم تتدخل مباشرة.
- باكستان، بوصفها قوة نووية، تتخذ موقفًا حذرًا، وتحذّر من الانزلاق إلى حرب شاملة.
- يدعم الرأي العام في كثير من الدول الإسلامية إيران في مواجهة إسرائيل بسبب القضية الفلسطينية، ولكن ليس بالضرورة تأييدًا مطلقًا.
الخلاصة
وقف الحرب لا يعني السلام الدائم. ستكون هناك مفاوضات، وربما هدوء نسبي، لكنه سيكون محفوفًا بالتوجس والتوتر. إن غياب الثقة، واختلاف الرؤى الجيوسياسية، وتضارب الأجندات بين الطرفين، يجعل احتمال العودة إلى الصراع قائمًا دائمًا، خصوصًا في حال غياب الضمانات الدولية، أو إذا فشلت المفاوضات في إحداث تحول نوعي في طبيعة العلاقة بين إيران وإسرائيل.
لكن من جهة أخرى، إذا نجحت الجهود الدولية، لا سيما الصينية والروسية والأوروبية، في فرض مسار تفاوضي طويل الأمد، فقد نشهد لأول مرة منذ عقود فرصة حقيقية لوقف دائرة الحرب والردع، ولو بصورة جزئية ومؤقتة.