الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

بعد القصف المركز على المفاعلات النووية الإيرانية بقاذفات B-2: ماذا سيحصل؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025

هل تستسلم إيران وترفع الراية البيضاء؟ أم أن هناك سيناريوهات أخرى؟ وما هي تلك السيناريوهات؟

في حال وقوع ضربة عسكرية كبرى على المنشآت النووية الإيرانية، خصوصاً عبر قصف مركّز ومنسّق تنفذه طائرات B-2 الأميركية الشبحية، التي تتمتع بقدرة عالية على اختراق الدفاعات الجوية وتدمير الأهداف المحصنة بدقة، فإن السؤال المطروح هنا هو: هل تكون هذه الضربة القاصمة كافية لإجبار إيران على الاستسلام ورفع الراية البيضاء؟ أم أن هناك سيناريوهات وردود أفعال مختلفة قد تتبعها طهران في أعقاب تلك الضربة؟

للإجابة عن هذا السؤال المعقد لا بد من تحليل المشهد وفق أبعاده السياسية والعسكرية والأيديولوجية. فطهران ليست مجرد دولة ذات بنية عسكرية تقليدية، بل هي نظام عقائدي له عمق استراتيجي في الإقليم، وشبكة معقدة من الوكلاء والمصالح. لذلك فإن الرد الإيراني المتوقع لا يمكن حصره في استسلام مباشر، بل يرتبط بسلسلة من السيناريوهات المتداخلة، نعرض أبرزها فيما يلي.

أولاً: خيار الاستسلام أو التراجع السياسي، هل هو وارد؟

رغم التدمير المحتمل للمفاعلات النووية والبنى التحتية المرتبطة بتخصيب اليورانيوم أو تخزينه، فإن رفع القيادة الإيرانية «الراية البيضاء» يبدو خياراً بعيد الاحتمال، للأسباب التالية:

  1. الطبيعة العقائدية للنظام الإيراني:

    يحمل النظام الإيراني في جوهره أيديولوجية الثورة والمقاومة، والاستسلام العسكري أمام «الشيطان الأكبر» (كما تسمّي طهران واشنطن) سيُعدّ انتحاراً سياسياً للنظام الحاكم، ويمثّل نهاية شرعية المرشد الأعلى والحرس الثوري أمام الجمهور الإيراني والمحور الإقليمي المتحالف معه.

  2. رغبة النظام الإيراني في الحفاظ على الردع:

    حتى لو دُمّرت البنية التحتية النووية الإيرانية، فإن النظام سيحاول الظهور بمظهر الصامد، من أجل الحفاظ على حدّ أدنى من الردع الاستراتيجي أمام خصومه في المنطقة والعالم.

  3. قدرة إيران على إعادة بناء البرنامج النووي:

    تمتلك إيران المعرفة العلمية والقدرة البشرية على إعادة إطلاق برنامجها النووي من جديد، وإن كان ذلك يستغرق وقتاً. لذلك فإن الاستسلام يعني التخلي عن مشروع طويل المدى يمكن استعادته لاحقاً.

ثانياً: السيناريوهات الإيرانية المحتملة بعد الضربة

  1. الرد غير المتناظر، أي الحرب عبر الوكلاء:

    وهو أكثر السيناريوهات ترجيحاً. فبعد الضربة قد تسعى إيران إلى تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وتلجأ إلى شن هجمات عبر وكلائها الإقليميين:

    • إطلاق صواريخ من حزب الله في جنوب لبنان نحو إسرائيل.
    • تحريك ميليشيات الحشد الشعبي أو «كتائب حزب الله» في العراق لضرب مصالح أميركية في العراق أو سوريا.
    • تحفيز الحوثيين في اليمن على مهاجمة السفن في البحر الأحمر أو جنوب السعودية.
    • تحريك خلايا سرية داخل دول الخليج، أو حتى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لشن عمليات نوعية.

    وميزة هذا السيناريو أنه يمنح إيران هامشاً للمناورة من دون الدخول في حرب مباشرة، كما يصعب على واشنطن أو تل أبيب توجيه اتهام مباشر لطهران.

  2. توجيه إيران ضربات صاروخية مباشرة إلى إسرائيل أو القواعد الأميركية:

    إذا شعرت القيادة الإيرانية أن الضربة تهدف إلى تغيير النظام أو تركيع إيران بالكامل، فقد تتجه إلى رد مباشر باستخدام الصواريخ الباليستية ضد:

    • قواعد أميركية في الخليج (مثل قاعدة العديد في قطر، والظفرة في الإمارات، أو قواعد في الكويت).
    • منشآت إسرائيلية حيوية، مثل مفاعل ديمونا ومطار بن غوريون وميناء حيفا.

    لكن هذا السيناريو محفوف بالمخاطر، إذ يعني الدخول في حرب شاملة لا يمكن لإيران التحكم في نتائجها، خاصة مع التفوق الجوي والاستخباري لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.

  3. انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) والإعلان عن مشروع نووي عسكري:

    في سياق الرد السياسي، قد تقرر إيران الانسحاب رسمياً من معاهدة حظر الانتشار النووي، وتعلن أنها ستبدأ بتصنيع قنبلة نووية دفاعاً عن النفس. وهذا الإعلان، حتى لو لم يكن مقروناً بقدرة نووية فعلية، سيكون له وقع عالمي كبير، وقد يدفع المجتمع الدولي إلى التفاوض من جديد مع إيران بشروط أكثر توازناً.

  4. تنفيذ عمليات رد رمزية مع استثمار إعلامي كبير:

    من الممكن أن تشن إيران هجوماً محدوداً ومدروساً على هدف إسرائيلي غير استراتيجي (مثل قافلة عسكرية أو سفينة تجارية)، لتحفظ ماء وجهها أمام جمهورها المحلي فقط، ثم تنقل المعركة إلى المجال السياسي والدبلوماسي، محاولةً حشد التأييد الدولي ضد العدوان.

ثالثاً: الحرب السيبرانية، جبهة الظل

بعد الضربة الجوية على المفاعل النووي الإيراني، قد تلجأ إيران إلى تصعيد الحرب الإلكترونية، ويشمل ذلك:

  • هجمات على البنية التحتية الكهربائية أو المصرفية الإسرائيلية.
  • تشويش أنظمة الملاحة أو الموانئ أو إغلاقها.
  • نشر فيروسات موجهة ضد المنشآت الحساسة، كما فعلت واشنطن سابقاً بفيروس (Stuxnet).

فالحرب السيبرانية تقدّم لإيران ساحة قتال موازية، لا تحتاج فيها إلى سلاح جوي، ولا تعرّض قواتها لخطر المواجهة المباشرة.

رابعاً: التعبئة الداخلية في إيران وتكريس «العدو الخارجي»

بغض النظر عن السيناريو العسكري، سيستغل النظام الإيراني الضربة لتعبئة الشارع داخلياً عبر خطاب «المظلومية» و«العدوان الخارجي»، وصرف أنظار الشعب عن الأزمة الاقتصادية الداخلية أو التوترات الاجتماعية. وقد نجح هذا التكتيك في الماضي، خاصة بعد اغتيال قاسم سليماني أو تفجيرات منشأة نطنز.

خامساً: بحث إيران عن دعم دولي وإعادة تموضعها دبلوماسياً

ستسارع إيران بعد الضربة إلى كسب دعم روسيا والصين، وربما الدول الإسلامية والعربية الرافضة لأي عمل عسكري. وستعمد طهران إلى:

  • تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن.
  • دعوة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان إلى إدانة «العدوان».
  • تنظيم مؤتمرات دولية ضد العدوان الأميركي الإسرائيلي.
  • الضغط على دول الجوار (مثل العراق وقطر) للعب دور الوساطة أو تخفيف التوتر.

سادساً: احتمال انهيار داخلي في إيران أو انقلاب في حال توسع الهجوم عليها

في حال استمرار الهجمات الجوية لتشمل مراكز القيادة والسيطرة، ومقرات الحرس الثوري، ومنشآت الطاقة والكهرباء، قد تواجه إيران أزمة داخلية كبرى قد تنتهي بانشقاقات أو اضطرابات سياسية حادة، تضع النظام برمته في مأزق وجودي. لكن هذا السيناريو يبقى الأقل احتمالاً ما لم تتكرر الضربات، أو يُحرَّك الداخل الإيراني إعلامياً وشعبياً ضد النظام.

الخلاصة

لا يُتوقع أن ترفع إيران الراية البيضاء بعد ضربة جوية مركزة، حتى وإن استهدفت المفاعلات النووية ومنشآت التخصيب. فالرد الإيراني سيكون مركّباً ومتعدد الجبهات: صاروخياً، وعبر الوكلاء، وسيبرانياً، وسياسياً، ودبلوماسياً، وربما بعمليات انتقامية محدودة. والاستسلام الكامل لا ينسجم مع طبيعة النظام الإيراني وتركيبته العقائدية والاستراتيجية، ولكن الضغط المتواصل قد يدفع طهران لاحقاً إلى التفاوض بشروط جديدة، ما يفتح الباب لما يسمى «نهاية المعركة بالتفاوض لا بالسلاح».