الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
تحليل عميق وواقعي للعالم: أمريكا والغرب في مقابل روسيا كما نراه اليوم
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 17، كُتب في نحو آذار 2022
يتفاجأ البعض بأن سويسرا تخلّت عن حيادها وقرّرت تجميد أموال روسيا.
وبأن فنلندا، التي أرسلت رسالة حياد إلى بوتين قبل أسبوع، قد ألغت حيادها وقرّرت الانضمام إلى حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، وإرسال أسلحة إلى أوكرانيا.
وبأن ألمانيا، بعد 77 سنة، خرجت من قيود الحرب العالمية الثانية، وبدأت عسكرة الصناعة الألمانية إلى مستويات عام 1939م.
وبأن السويد، التي بقيت محايدة منذ عام 1814م، قرّرت إلقاء حيادها في البحر والانضمام إلى حلف الناتو.
كل هذا لم يفاجئني، للأسباب الآتية:
- من خلال المعلومات والتقارير عن الاقتصاد العالمي، وجدت أن الاقتصاد العالمي في حالة ركود لم يخرج منها منذ عام 2008م، وأن كل ما اتُّخذ من إجراءات كان إجراءات ترقيعية لتمشية الأمور.
وصل الاقتصاد الرأسمالي إلى نقطة التوقف، خصوصاً بعد كارثة كورونا، والحل الوحيد هو تصغير النظام، وهذا لا يحدث إلا بحرب كبرى.
قبل سنوات قرأت كتاباً عن الحرب العالمية الأولى، لا أتذكر كل تفاصيله، ولكن ما أذكره منه أن رئيس نقابات العمال في فرنسا حذّر، في سلسلة مقالات في الجرائد، من أن البنوك الرأسمالية وصناعيي أوروبا، من روسيا إلى ألمانيا إلى النمسا إلى فرنسا وبلجيكا وبريطانيا وأمريكا، اتفقوا على خوض الحرب فيما بينهم.
وأنهم اتفقوا على أن تصبح سويسرا أرضاً محايدة، لتكون ملجأً آمناً لأرباحهم من الحرب.
وبعد أن نشر رئيس نقابات العمال في فرنسا ذلك، اغتيل، وأُعلنت الحرب عام 1914م.
وتكرّر الشيء نفسه عام 1939م، بعد الانهيار العالمي في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي.
والأوضاع الآن مشابهة لتلك، والعالم من وجهة نظر النظام الرأسمالي بحاجة إلى الحرب لتصغير النظام.
- يلاحظ الجميع أن الغرب يسير بخطوات منتظمة، لا كردّ فعل، وإنما كأنه يسير على خطة مرسومة سلفاً؛ ولذلك:
كان بإمكان الغرب أن يقبل أوكرانيا في حلف الناتو منذ يوم دمّرت سلاحها الاستراتيجي النووي وقاذفاتها وصواريخها العابرة للقارات، كما فعل مع دول البلطيق.
لكن الغرب وأمريكا تركوا أوكرانيا وحيدة في حضن الدب الروسي، منتظرين أن تقوم القيادة الروسية بتهديد أوكرانيا، فيتخذ الغرب وأمريكا ذلك ذريعة لجرّ روسيا إلى الحرب.
هناك فرق كبير بين مراكز الأبحاث الاستراتيجية عندنا في الشرق وبين مراكز الأبحاث الغربية والأمريكية. ففي مراكز أبحاثنا يأتون بضباط سابقين أو بسياسيين، وهؤلاء يقرؤون الكتب والمنشورات، ويتابعون الأخبار، ويكتبون التقارير التي يقرؤها السياسي أو القائد أو المسؤول، ثم يُحتمل أن يهملها صاحب القرار السياسي.
أما مراكز الأبحاث الأمريكية والغربية فتختلف عنها؛ إذ يأتون بخريجي الجامعات في الإحصاء والتخمين والحاسوب، فيعملون جنباً إلى جنب مع العسكريين والاقتصاديين والسياسيين، ويقومون بشيء مهم جداً هو «السيموليشن» (Simulation)، أي إجراء محاكاة على الحاسوب لحالة معيّنة.
ويعني «السيموليشن» أن يصنعوا في الحاسوب إمكانات كل دولة العسكرية والاقتصادية، ويجرّبوا وضعاً معيّناً، مثل اجتياح روسي لأوكرانيا أو لدول البلطيق، أو اجتياح العراق للكويت مثلاً.
وتوضع مخرجات هذه المحاكاة في دراسة، يُوضع فيها خطة مرسومة بالخطوات والتوقيتات لكل خطوة تُتّخذ.
وتوضع هذه الخطة في خزانة فيها كل الخطط، لكل وضع ممكن أن يحصل خطته الخاصة لمواجهته. وحين يتحقق السيناريو تُسحب الخطة وتُطبّق، أو تُدخل عليها تعديلات صغيرة قبل التطبيق.
لذلك نرى أن خطواتهم متتابعة ومحسوبة، وليست ردّ فعل أبداً.
- كانت العقوبات الاقتصادية مفاجأة، لا لبوتين وحده، وإنما للعالم كله، وأشدّ من وضع العقوبات هي بريطانيا.
فمنذ عام 1991م، حين سقط الاتحاد السوفيتي السابق، قدّمت بريطانيا نفسها جنّةً لأصحاب الأموال الروس.
بالضبط كما فعلت مع الحرامية والسرّاق والانتهازيين ومستغلّي الظروف في العراق، إذ وفّرت بريطانيا للأموال المسروقة ملاذاً آمناً لديها.
ومنحت بريطانيا الحرامية الروس جنسيات بريطانية وإقامات ذهبية، ومنعت عنهم الملاحقات القضائية، لكي تشجّعهم على جلب أموالهم إلى لندن.
وفي الوقت نفسه، وبعد أن لاحظت تكالب الأثرياء الروس على العقارات، رفعت بريطانيا أسعار العقارات فيها، وفي لندن خصوصاً، إلى مستويات فلكية؛ فالشقة التي كانت في التسعينيات بمئة ألف جنيه أو أقل صارت اليوم بأكثر من مليون جنيه، أي بأكثر من عشرة أضعاف، إن لم يكن عشرين ضعفاً.
وبذلك سحبت بريطانيا أموال الحرامية والسرّاق الروس طوال ثلاثين سنة.
وتضمنت عقوبات بريطانيا اليوم على الروس قائمةً بثمانمئة اسم، اتضح أنهم كانوا تحت المراقبة منذ سنوات طويلة، وربما من قبل أن يتوجّهوا إلى بريطانيا. وقد سُحبت منهم الجنسية والإقامة الذهبية، وحُجزت أموالهم المنقولة وغير المنقولة، وكذلك طائراتهم ويخوتهم وسياراتهم الخاصة.
ومما سمعته كذلك أن الشرطة البريطانية اقتحمت قصورهم وشققهم، وأمرتهم بالخروج بالملابس العادية، بلا فراء ولا ملابس ثمينة، وبلا حليّ أو ساعات ثمينة، ونقلتهم إلى أماكن سكن عادية، وستصرف لهم راتباً أسبوعياً بحدود 500 جنيه، وهم تحت المراقبة وممنوعون من السفر.
لا توجد حتى الآن إحصائية عن حجم الأموال المصادرة والمحجوزة لهؤلاء الروس، ولكنها تُقدَّر بمئات المليارات من الجنيهات. وهم الذين وضعوا ثقتهم بالحكومة البريطانية «العظمى»، دولة الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان والعدالة.
هذا فقط ما حدث في بريطانيا للروس الذين لجؤوا إليها ثقةً بها، وكذلك في أمريكا وباقي أوروبا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا واليابان، والغريب أنه حدث في سويسرا أيضاً، التي تُعدّ دولة محايدة، وفيها ثروات جميع الدول، بحسب القانون الدولي والعدالة الاجتماعية فيها.
الغرب موّل حربه في أوكرانيا من أموال روسيا:
طوال الفترة السابقة، وخلال مناقشات يومية مع بعض الأصدقاء، كنا ننتظر من سيبدأ الهجوم أولاً، من بين الاحتمالات الثلاثة الآتية:
- إما أن تهاجم روسيا أوكرانيا.
- أو أن تهاجم الصين تايوان.
- أو أن تهاجم إسرائيل إيران، وكان هذا أضعف الاحتمالات.
وكل هذه الاحتمالات يمكن أن تكون مدخلات لمواجهة دولية بعد ذلك.
أخطأ بوتين في حساباته، حسب ما يتوقع البعض؛ إذ توقّع أنه حين يهاجم أوكرانيا فإن الغرب وأمريكا سيتراجعان ويتفاوضان، معتمداً على أن الغرب وأمريكا لا يريدان مواجهة مع روسيا. وبرأيي أن حسابات بوتين من نوع آخر.
وتوقّع أن الصين ستستغل الفرصة لتهاجم تايوان.
وأن ألمانيا لن تتمكن من التخلي عن غاز روسيا ونفطها، وعن خط نورد ستريم 2.
وأن السويد وفنلندا ستحافظان على حيادهما.
وأن سويسرا لن تحجز أموال روسيا الموجودة في بنوكها الرسمية.
وفي تقدير بوتين أن كل هذا لم يحصل ولن يحصل.
وأن القيادة الصينية، وهي قيادة جماعية لا فردية، لن تخاطر باقتصادها لاسترجاع تايوان، التي ستعود إلى الصين عاجلاً أو آجلاً.
واتضح أن الغرب وأمريكا يسعيان إلى المواجهة أكثر مما يسعى إليها بوتين وروسيا.
وأنه حتى تهديد بوتين بالسلاح النووي لم يدفع الغرب إلى التراجع.
ما زال بإمكان بوتين أن يتراجع، ولا عار في ذلك؛ فالإصرار على الاستمرار سيؤدي إلى الكارثة. وسيدفع بوتين وروسيا ثمناً للتراجع، ولكن الثمن الذي سيدفعه العالم للاستمرار سيكون موتاً شاملاً ودماراً هائلاً للعالم كله، لا لأوروبا وأمريكا وحدهما. ولكن برأيي الشخصي، بوتين ليس شخصية عادية؛ إنه ضابط مخابرات قدير وسياسي محنّك، يحسب حساب كل الأمور التي ذكرتها.
هل سيستمع بوتين إلى صوت العقل، حسب رأي البعض؟ لا أعتقد ذلك، كما بيّنا أعلاه.
لقد درس الغرب وأمريكا نفسية بوتين، حسب اعتقادهم، ورأوا أنه منفرد بالسلطة، وليس حوله من ينصحه بعكس ما يريد، حتى قيل إن مدير مخابراته، الذي ألمح له بأقل ما يمكن إلى التفاوض، زجره بوتين وهدّده على رؤوس الأشهاد.
ويحاول الغرب وأمريكا استفزاز بوتين بحيث يمنعانه من التراجع، لأن الغرب وأمريكا الرأسماليين المجرمين يريدون الحرب. وهم، بحسب ظنهم، درسوا نفسية بوتين، فيستفزونه بما لا يستطيع تحمّله، ليجعلوه يمضي في طريق رسمه الغرب له. ولا أعتقد ذلك.
وأعتقد أن هذه الأفكار الغربية والأمريكية خيالية؛ لأنه ثبت أن بوتين رجل سياسة ومخابرات، يحسب لكل أمر مئة حساب، ولا تنطلي عليه هذه الأمور.