الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

حقائق ووقائع ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 56، كُتب في نحو آذار 2022

  • بوتين ليس مراهقاً سياسياً ولا رجلاً انفعالياً، بل هو رجل دولة من الطراز الأول، ورجل مخابرات من الطراز الأول أيضاً. ولديه كمٌّ كبير من المعلومات جعله يخطو تلك الخطوة بحساب دقيق جداً لكل جوانبها، وهو يعرف حجم ردود الأفعال وما بعدها.

  • لدى روسيا، أي لدى بوتين، رؤية كاملة لجميع السيناريوهات المتوقعة عند احتلالها أوكرانيا: سواء أكانت حرباً مفتوحة وصداماً مع حلف الناتو أو مع أمريكا وبريطانيا، أم حرب عصابات واستنزاف، بما في ذلك العقوبات والتوحش الأمريكي والغربي المتطرف، وصولاً إلى الخيار النووي. فهو لم يكن ليدخل الحرب من دون أن يهيّئ لها ويستكمل لوازمها من كل جوانبها بدقة متناهية.

  • سوف تحتل روسيا أوكرانيا بالكامل مهما كانت الأثمان، وسوف تُحكم قبضتها عليها حتى تصل إلى الحدود البولندية والرومانية، وتسيطر على البحر الأسود، وتنسّق مع بيلاروسيا، وتجعل أوكرانيا مغلقة. وأما جميع الأسلحة التي زوّد بها حلف الناتو أو أمريكا العصاباتِ النازية والقومية والإرهابية والداعشية حالياً، فسوف تصادرها روسيا وتزوّد بها خصوم أمريكا لاحقاً.

  • بمعنى أن الحملة الأمريكية والأطلسية المجنونة لتسليح أوكرانيا حالياً سوف تأتي بنتائج عكسية لاحقاً، وفي وقت ليس ببعيد جداً.

  • وسواء تطورت هذه الحرب الروسية الأوكرانية إلى حرب عالمية ثالثة أم لم يحصل ذلك وبقيت بالقدر الذي هي عليه الآن، فسوف تكون نتائجها كالتالي:

  • سوف ينقسم العالم إلى حلفين لا ثالث لهما، ولا مكان فيه لعدم الانحياز من حيث التحالفات والقوى العسكرية.

  • نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يكون فيه لدول آسيا والدول الإسلامية أكثر من مقعد في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.

  • اتساع النادي النووي في العالم، بحيث يكون مفتوحاً بقدر أكبر مما هو عليه الآن.

  • لن يقتصر مجلس الأمن في الأمم المتحدة على الدول الخمس دائمة العضوية صاحبة حق النقض (الفيتو)، بل ستلتحق به دول أخرى يكون معيار انضمامها ما تملكه من وزن في ميزان القوى من موارد بشرية واقتصادية وعسكرية.

  • سوف يتغير كثير من القرارات والقوانين الخاصة بالعلاقات الدولية في منظمة الأمم المتحدة، بما فيها الرئاسة الدورية لهذه المنظمة، بغرض تطبيق العدالة الاجتماعية والحقوق القومية وحقوق الإنسان.

  • والأهم في الحرب الروسية الأوكرانية أن الحرب العالمية الثالثة سوف توقف المشروع الأمريكي والبريطاني لإعادة رسم خارطة الدول والعالم، فتتشكل دول جديدة أو تتقلص دول أخرى بحسب قانون العدالة والتاريخ.

  • لن يستطيع النمر الورقي، أي الدولار الأمريكي، أن ينفرد بتصدّر العملات، بل ستظهر عملات أخرى تؤدي دوراً مهماً في اقتصاد العالم. وهذا هو الصحيح، لأن الدولار الأمريكي عبارة عن ورقة مطبوعة فقط، بلا رصيد من الذهب يقابلها.

  • ظهور آليات جديدة للاتفاقيات والمعاهدات الاقتصادية وللاتصالات والنقل. ومن المؤكد أن بعض الدول التي هي في المقدمة حالياً ستتراجع، وستظهر دول جديدة أكثر تأثيراً بغض النظر عن حجمها وموقعها.

  • ستجد أزماتٌ دولية كبيرة قائمة حالياً حول الحدود والأراضي بين كثير من الدول حلاً وانفراجاً، مثل قضية الكوريتين، وقضية الصين وتايوان، ومسألة كشمير. وكذلك قضية فلسطين، إذ ستجد دويلة إسرائيل نفسها في حرج كبير: فإما التلاشي، وإما النزول الحقيقي عند حل الدولتين، مع وضع القدس في وضع خاص مستقل.

  • وكما أن للبحار والمضائق وطرق المواصلات والاتصالات الأخرى ضوابط وقوانين، سوف تُشرَّع قوانين جديدة خاصة بالفضاء، تكون صارمة وملزمة للجميع.

  • إن ما يحصل حالياً منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية هو بمثابة صيرورة، أي تحوّل، نحو عالم جديد وواقع جديد.

  • ولكني أتفق معكم في أن ذلك بحاجة إلى وقت، وأعتقد أنه ليس طويلاً. فانتظروا، إني معكم من المنتظرين.