الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
دور أميركا وبريطانيا وإسرائيل وأوروبا في الهجوم الأوكراني على المطارات الاستراتيجية الروسية والرد الروسي المحتمل
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في أيار 2025
ما دور أميركا وبريطانيا وإسرائيل، ومعهم أوروبا، في التخطيط للهجوم غير المتوقع على المطارات والطائرات الاستراتيجية الروسية في عمق روسيا بالطائرات المسيّرة الأوكرانية؟ وكيف سيكون الرد الروسي إذا ثبتت لدى الروس مشاركة هذه الدول في ذلك؟
المقدمة
لم تكن الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة على المطارات والطائرات الاستراتيجية الروسية في عمق روسيا، مثل قاعدتي دياغيليفو وإنغلس، مجرد عملية عسكرية محدودة، بل تحولت إلى محطة فارقة في مسار الحرب الروسية الأوكرانية.
فمن جهة، أكدت قدرة أوكرانيا على ضرب عمق العدو الروسي بوسائل غير تقليدية؛ ومن جهة أخرى، أعادت رسم خطوط التماس الجيوسياسي بين موسكو والغرب، خاصة مع تصاعد اتهامات روسيا لأميركا وبريطانيا ودول أوروبية، وربما إسرائيل، بأنها تشارك في التخطيط أو الدعم التقني لهذه الضربات الأوكرانية في العمق، والتي استهدفت جوهر قوة الردع النووي الروسي.
ولأن المسألة تتعلق باستهداف منشآت استراتيجية روسية بعيدة، كانت تُعدّ حتى وقت قريب خارج مدى أوكرانيا، فإن هذا يثير تساؤلات شديدة الحساسية عن دور الغرب وأميركا في تصميم هذه الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي. وفي حال ثبتت مشاركة غربية أميركية مباشرة، فإن موسكو قد تعدّ الأمر تجاوزاً لـ”الخطوط الحمراء” يستدعي رداً، سواء أكان عسكرياً أم سياسياً.
لذا نقسم الإجابة إلى ثلاثة محاور:
أولاً: ما طبيعة المشاركة المحتملة لأميركا وبريطانيا وإسرائيل وأوروبا في هذه العمليات؟
ثانياً: كيف تنظر روسيا إلى هذه الهجمات الأوكرانية الأخيرة من حيث المسؤولية الدولية؟
ثالثاً: ما خيارات الرد الروسي المحتمل إذا ثبت الدعم الغربي والأميركي في التخطيط والتنفيذ للهجمات الأوكرانية في العمق الروسي؟
أولاً: طبيعة الدور الأميركي والبريطاني والإسرائيلي والأوروبي في التخطيط أو الدعم لأوكرانيا في الهجوم الأخير على العمق الروسي
1- الدور الأميركي
الولايات المتحدة هي العمود الفقري للدعم الاستخباراتي والتقني لأوكرانيا، ومن غير المستبعد أن يكون لها دور في هذه الضربات الأوكرانية في العمق الروسي عبر:
أ- الدعم الاستخباراتي:
استخبارات الأقمار الصناعية الأميركية قادرة على تحديد أماكن الطائرات الاستراتيجية الروسية بدقة.
واشنطن تزود كييف بصور “شبه لحظية” للأهداف، وبمواقع الدفاعات الجوية الروسية وأماكن الضعف حولها.
ب- التدريب والتوجيه لأوكرانيا:
خبراء أميركيون موجودون في دول قريبة من أوكرانيا (كبولندا ورومانيا) يدربون الأوكرانيين على استخدام المسيّرات المتقدمة، أو على كيفية تعديل المسيّرات التجارية لتصبح هجومية.
هناك تكهنات بوجود “غرف عمليات مشتركة” تُدار من خارج أوكرانيا، يجري فيها التخطيط المشترك للضربات على العمق الروسي.
ج- تطوير المسيّرات الأوكرانية:
حصلت أوكرانيا على تكنولوجيا أميركية في تعديل أنظمة التوجيه عبر GPS عالي الدقة.
بعض المكونات والأجهزة التي ظهرت في حطام المسيّرات الأوكرانية تشير إلى شرائح أميركية أو غربية أو أوروبية متقدمة.
2- الدور البريطاني لأوكرانيا
تُعدّ بريطانيا ثاني أهم دولة داعمة لأوكرانيا بعد أميركا، وقد أدّت دوراً مركزياً في الهجمات ضد روسيا من خلال:
أ- الاستخبارات الإلكترونية:
وفّرت وكالة GCHQ البريطانية دعماً كبيراً في رصد الاتصالات العسكرية الروسية.
ساعدت بريطانيا في اعتراض بيانات شبكات الرادار الروسي، وبالتالي أسهمت في تصميم مسارات طيران آمنة للمسيّرات الأوكرانية.
ب- التخطيط النفسي والسياسي للهجوم على عمق روسيا:
يُعتقد أن لندن تدفع باتجاه “استراتيجية توسيع نطاق المعركة”، لنقلها إلى العمق الروسي وزعزعة الثقة لدى الروس.
قدّمت تدريباً خاصاً في بريطانيا لفرق أوكرانية على التخطيط الاستراتيجي للهجمات الدقيقة.
3- الدور الإسرائيلي لأوكرانيا
دور إسرائيل أكثر تعقيداً وحذراً، لكنها قد تكون أسهمت بشكل غير مباشر في الجوانب التقنية لأوكرانيا، وكما يلي:
أ- تكنولوجيا التوجيه للمسيّرات الأوكرانية:
لدى إسرائيل خبرة واسعة في تطوير وتصدير تكنولوجيا الطائرات المسيّرة الدقيقة (مثل Heron وHarop).
يعتقد بعض المحللين أن أوكرانيا حصلت على تكنولوجيا مسيّرات “انتحارية” متقدمة من شركات إسرائيلية عبر وسطاء (مثل دول أوروبا الشرقية).
ب- الدعم التقني غير الرسمي لأوكرانيا:
قد تكون إسرائيل قدّمت “استشارات تقنية” في تطوير المسيّرات الأوكرانية أو تكنولوجيا الاستهداف، دون تورط مباشر لها.
إلا أن الحكومة الإسرائيلية تنفي أي تورط رسمي لها في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي، حرصاً على عدم استفزاز روسيا، التي تُعدّ فاعلاً مهماً في سوريا.
4- الدور الأوروبي لأوكرانيا
أدّى الاتحاد الأوروبي، رغم أن طابعه سياسي أكثر منه عسكري، دوراً مساهماً في أوكرانيا عبر:
تزويد أوكرانيا بأنظمة الملاحة الأوروبية (مثل غاليليو Galileo) لتوجيه المسيّرات الأوكرانية بدقة.
تقديم الدعم المالي والتقني لتصنيع المسيّرات الأوكرانية وتعديلها.
توفير غطاء دبلوماسي للهجمات الأوكرانية تحت شعار “الحق في الدفاع المشروع لأوكرانيا”، وعدم إدانة كييف رغم استهداف العمق الروسي.
ثانياً: رؤية روسيا لهذه الهجمات الأوكرانية على عمق روسيا ومسؤولية الغرب وأميركا فيها
1- الموقف الرسمي الروسي
عدّت موسكو هذه الهجمات الأوكرانية في العمق الروسي استفزازاً خطيراً يُدار من خارج أوكرانيا، ولو أن كييف هي من نفذت العمليات.
حمّل الرئيس بوتين ومسؤولون روس كبار الغربَ وأميركا، وخاصة حلف الناتو، مسؤولية التصعيد.
قال وزير الخارجية الروسي لافروف صراحة: “نحن نعلم من زوّد الأوكرانيين بالمعلومات الاستخباراتية والتقنيات، وهم سيتحملون النتائج لاحقاً”.
2- الشكوك الروسية المدعومة بالتحقيقات الروسية في الموضوع
فتح جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) تحقيقات موسعة بعد كل هجوم أوكراني.
زعمت تقارير روسية أن أجهزة GPS المستخدمة في بعض المسيّرات الأوكرانية مرتبطة بتكنولوجيا أميركية أو أوروبية.
اكتُشفت في حطام المسيّرات الأوكرانية رقائق إلكترونية متقدمة مصدرها الغرب وأميركا.
3- الرسالة الرمزية للروس بخصوص الهجوم الأوكراني على العمق الروسي
ترى موسكو أن استهداف طائراتها الاستراتيجية تهديد مباشر لمنظومة الردع النووي.
أي تدخل غربي أو أميركي في التخطيط للهجوم الأوكراني على العمق الروسي يُفسَّر بأنه هجوم “غير مباشر” على الأمن القومي الروسي.
من وجهة النظر الروسية، ترقى الهجمات إلى “عمل عسكري استخباراتي عبر الوكلاء”.
ثالثاً: خيارات الرد الروسي في حال تأكد تورط أميركا وبريطانيا وإسرائيل وأوروبا في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي
1- الرد الدبلوماسي الروسي
طرد دبلوماسيي بعض الدول المشاركة في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي: قد تطرد موسكو عشرات الدبلوماسيين من الدول التي يثبت تورطها في التخطيط للهجوم.
تجميد الاتصالات مع حلف الناتو: قد توقف موسكو أي حوار أمني مع الغرب وأميركا، وتعلن انهيار القنوات الدبلوماسية بينهم.
2- الرد الاستخباراتي الروسي
شن عمليات سرية روسية: ستفعّل موسكو وحدات الاستخبارات الخارجية (مثل GRU) للقيام بعمليات سيبرانية، أو حتى تصفيات ضد أهداف استخباراتية غربية وأميركية.
زرع الفوضى السياسية في الغرب: من خلال دعم حملات إلكترونية للتأثير في الرأي العام الغربي، أو تسريب معلومات حساسة عنهم.
3- الرد العسكري الروسي غير المباشر
ضرب روسيا مخازن أسلحة غربية في بولندا أو رومانيا، عبر عمليات استخباراتية أو عبر مجموعات وسيطة.
استهداف روسيا مسارات الإمداد الغربية لأوكرانيا بشكل مباشر.
تهديد روسيا دولاً مشاركة، مثل بريطانيا أو إسرائيل، بهجمات سيبرانية أو حربية محدودة (كما حصل سابقاً مع محطات طاقة في أوكرانيا وبولندا).
4- توسيع التحالفات الروسية
تعزيز روسيا التعاون مع الصين وإيران وكوريا الشمالية في مجالات الدفاع والهجمات السيبرانية.
دعم روسيا خصوم الغرب، مثل مجموعات في أفريقيا أو أميركا اللاتينية، بهدف ضرب النفوذ الغربي والأميركي عالمياً.
5- الرد النووي الروسي غير المباشر (الردع الإعلامي)
زيادة المناورات النووية الروسية، وظهور الغواصات والصواريخ النووية الروسية في مناطق حساسة من العالم.
تلميحات إعلامية روسية إلى إمكانية استخدام “الضربات النووية التكتيكية” في حال تكرار الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي بدعم غربي وأميركي.
الخاتمة
تُعدّ الهجمات الأوكرانية على العمق الروسي بالمسيّرات نقلة نوعية في الحرب الروسية الأوكرانية، ليس من الناحية العسكرية فقط، بل من زاوية تعقيد الأبعاد الدولية أيضاً.
وإن ثبت أن دولاً مثل أميركا وبريطانيا وإسرائيل ودولاً أوروبية شاركت فعلاً في التخطيط أو الدعم التقني، فإن موسكو ستنظر إلى ذلك على أنه تجاوز صريح للخطوط الحمراء، يستوجب رداً على المستويين الاستراتيجي والسياسي.
لكن رغم التهديدات الروسية، يدرك الجميع، بمن فيهم الكرملين، أن أي مواجهة مباشرة مع هذه القوى الكبرى قد تؤدي إلى صدام عالمي واسع. لذلك سيكون الرد الروسي، إذا تقرر، انتقائياً ومدروساً، يجمع بين الضربات غير المباشرة والسيبرانية والضغط السياسي، لردع خصومه دون الانزلاق إلى حرب عالمية ثالثة.
ويبقى أن هذه الهجمات، رغم نجاحها، فتحت فصلاً جديداً من الحرب الروسية الأوكرانية غير التقليدية، يتحول فيه العمق الجغرافي إلى ساحة حرب، والمخابرات إلى فاعل رئيسي، والدول الكبرى إلى أطراف غير معلنة في صراع يتجه إلى مزيد من الخطورة.