الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

شعوب أوروبا: مشروع حروب دائمة

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 30، كُتب في نحو آذار 2022

  • يقال إن كلمة «أوروبا» ترجع إلى اسم «يوروبا» ابنة فينيكس في الأساطير الإغريقية، أو إلى كلمة «إيرب» الفينيقية التي معناها «غروب الشمس». وقد ظلت هذه التسمية قائمة للإشارة إلى أراضي شبه القارة الأوروبية، وهي امتداد لأراضي قارة آسيا تغرب الشمس عند نهايتها.

  • ثمة 87 شعباً أوروبياً مختلفاً من بين سكان أوروبا البالغ عددهم أكثر من 851 مليون نسمة، حسب آخر الإحصائيات لعام 2022م، وزهاء 90% منهم (أي نحو 700 مليون نسمة) يندرجون ضمن ثلاثة فروع كبيرة من اللغات الهندية الأوروبية، التي تُدعى أيضاً اللغات اليافثية نسبة إلى يافث بن نوح.

  • وهذه الفروع الكبيرة هي:

  1. اللغات السلافية: وتتضمن اللغات البيلاروسية، والبوسنية، والبلغارية، والكرواتية، والتشيكية، والكاشوبية، والمقدونية، والبولندية، والروسية، والروسينية، والروثينية، والصربية، والسلوفاكية، والسلوفينية، والصوربية، والأوكرانية.

  2. اللغات الرومانسية: وتتضمن اللغات الأرومانية، والكتالونية، والإسبانية، واليهودية الإسبانية (اللادينو)، والفرنسية، والفريولية، والغاليسية، والإسترو-رومانية، والكورسيكية، والميغلينو-رومانية، والرومانية، والرومانشية، والبرتغالية، والسردينية، والوالونية.

  3. اللغات الجرمانية: وتتضمن اللغات الدنماركية، والهولندية، والفاروية، والفلمنكية، والفريزية، والإنكليزية، والألمانية، والآيسلندية، والليمبورغية، والسكسونية الدنيا، واللوكسمبورغية، والنرويجية، والاسكتلندية، واليديشية.

  4. اللغة الأفريقانية: وهي لغة منحدرة من الهولندية، يتحدث بها بعض السكان المهاجرين من جنوب أفريقيا وناميبيا.

  5. ثمة ثلاث لغات هندية أوروبية قائمة بذاتها، لا تندرج ضمن مجموعات فرعية أكبر، ولا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعائلات اللغوية الأكبر، وهي:

    • اليونانية (نحو 12 مليون متحدث).
    • الألبانية (نحو 9 ملايين).
    • الأرمنية (نحو 3.5 مليون).
  • وبالإضافة إلى ذلك، ثمة مجموعات فرعية أصغر داخل اللغات الهندية الأوروبية، تشمل:
  1. اللغات البلطيقية: وتتضمن اللاتفية والليتوانية.

  2. اللغات الكلتية: وتتضمن البريتانية، والكورنية، والأيرلندية، والمانكسية، والويلزية، والغيلية الاسكتلندية.

  3. اللغات الإيرانية: وتمثلها في أوروبا بالدرجة الأولى اللغة الأوسيتية، إلى جانب اللغة الكوردية (المحكية فقط في تركيا وإيران والعراق).

  4. اللغات الهندية الآرية: وتمثلها لغة الروما التي يتحدث بها شعب الغجر في أوروبا الشرقية، وهي متجذرة في الأساس في اللغات الهندية الآرية في شبه القارة الهندية.

  • وإلى جانب اللغات الهندية الأوروبية، ثمة عائلات لغوية أخرى في القارة الأوروبية لا ترتبط إطلاقاً بالهندية الأوروبية، هي:
  1. اللغات الأورالية: وتتضمن الإستونية، والفنلندية، والمجرية، والكومية، والليفونية، والمارية، والموردفينية، والسامية (لغة شعب السامي)، والسامويدية، والأودمورتية.

  2. اللغات التركية: وتتضمن الأذرية، والباشكيرية، والقازاقية، والنوغائية، والتترية، والتركية.

  3. اللغات السامية: وتتضمن العربية المحكية في جنوب شرق تركيا وبعض مناطق أوروبا، خاصة فرنسا، واللغة الآشورية الآرامية الحديثة (المحكية في أجزاء من شرق تركيا والقوقاز لدى المسيحيين الآشوريين)، والعبرية (يتحدث بها بعض السكان اليهود)، والمالطية.

  4. اللغات الكارتفيلية (وتُعرف أيضاً باسم لغات جنوب القوقاز): وتتضمن الجورجية، واللازية، والمنغريلية، والسفانية، والزانية.

  5. اللغات القوقازية الشمالية الغربية: وتتضمن الأبخازية، والأباظية، والأديغية، والشركسية، والقبردينية، والأوبيخية.

  6. اللغات القوقازية الشمالية الشرقية: وتتضمن الأوارية، والشيشانية، والإنغوشية، واللاكية، والليزغينية، واللغات الناخية الداغستانية.

  7. اللغات المعزولة: ومنها البشكنشية (لغة الباسك)، المحكية في مناطق الباسك في إسبانيا وفرنسا، وهي اللغة المعزولة الوحيدة في أوروبا، ويُعتقد أنها لا ترتبط بأي لغة أخرى، حيةً كانت أم منقرضة.

  8. اللغات المغولية: وتمثلها اللغة الكالميكية المحكية في منطقة القوقاز الروسية.

  • وترجع معظم اللغات الأوروبية إلى اللغة الآرية، ما عدا لغات ويلز واسكتلندا وأيرلندا وبريطانيا، لأن أصل لغاتها هو السلتية.

  • لم تكن أوروبا ما قبل التاريخ مهداً انطلق منه الإنسان، وإنما جاءتها الهجرات البشرية من شمال أفريقيا خاصة، ومن جنوب غرب آسيا، ومن منطقة أوراسيا.

  • إن وجود 87 شعباً على مساحة محصورة بين جبال الأورال شرقاً والمحيط الأطلسي غرباً، لكل منها خصوصيته الثقافية وطموحاته القومية ومقوماته الاقتصادية، يجعل من الصعب جداً توحيدها في إطار أمة أوروبية ذات ثقافة واحدة، أو مصالح اقتصادية تحقق التوازن العادل للجميع.

  • والدليل على ذلك عدد الحروب التي شهدتها تلك الأراضي منذ آلاف السنين إلى يومنا هذا، سواء أكانت حروب شعب ضد شعب في القرون الغابرة، أم حروب دولة ضد دولة، أم حروب مجموعة دول ضد مجموعة دول أخرى.

  • فقد شكّلت تلك الحروب سلسلة متواصلة لحالة من الصراع الأبدي لم ولن ينقطع، مهما تقدمت البشرية في ميادينها العلمية والثقافية والإنسانية، ما دامت جذور المشكلة قائمة.

  • ومن تطورات ذلك الصراع الأبدي أنه انتقل من أراضي شبه القارة الأوروبية إلى القارات الكبرى (آسيا وأفريقيا) منذ القرون الأولى بعد الميلاد، ثم امتد فيما بعد إلى الأمريكيتين منذ القرن الخامس عشر. وبلغ صراع أمم أوروبا مداه الكوني (العالمي) في حربين متقاربتين مدمّرتين اجتاحتا دول العالم في القرن العشرين.

  • إن حالة الصراع الدائم كانت بين شعوب أوروبا، ولا أقول دول أوروبا، لأن الشعوب هي التي أسهمت في حروب ذلك الصراع وعانت منها، وهو صراع نتج عنه اختفاء دول وظهور أخرى في إطار ممالك وإمارات، وفي مراحل أخرى ظهور إمبراطوريات واختفاء أخرى.

  • كما ينبغي الإشارة إلى أن ما عليه شعوب أوروبا من صراع دائم لم يكن وليد ظروف أملتها عليهم طبيعة أراضيهم،

  • بل نقلت تلك الشعوب معها ما كانت عليه قبل هجرتها إلى أراضي أوروبا من صراعات ومعارك وحروب، وإن كانت محدوديتها تتضاءل كلما توغلنا في التاريخ، بسبب قلة أعداد البشر التي تتناقص كلما رجعنا في الزمن، إلى أن نصل إلى تنافس الأسر الصغيرة فيما بينها للسيطرة على الأرض التي كانت توفر الماء والغذاء.

  • فآسيا وأفريقيا، اللتان انطلقت منهما الهجرات نحو أوروبا، كانتا ولا تزالان تشهدان سلاسل من الحروب والمعارك وثّقتها سجلات الصراع الدائم بين شعوبهما.

  • فلم تهنأ البشرية على الإطلاق، ولن يتحقق ذلك ما دامت المصالح هي الحاكم الأول للعلاقات بين الشعوب ودولها. ولم تفلح كبرى الإمبراطوريات، ولا حتى الديانات، في توحيد الشعوب في إطار جغرافي ونظام سياسي واحد، ما دامت انتماءاتها القومية قائمة، وما دام لكل قومية ثقافتها ومصالحها التي تعلو على أي انتماء آخر في إطار وطن أو دين، فكيف إذا كان ذلك في إطار شبه قارة مثل أوروبا؟

  • إن الحرب الروسية الأوكرانية الأخيرة ليست إلا حلقة جديدة من حروب سيكون مستقبلها بين مجموعتين من دول القارة الواحدة، لا بين دولتين فقط. فإما أن تتطور لتشارك فيها تلك الدول بشكل مباشر فتصبح حرباً عالمية ثالثة، وهذا ما تؤكده الوقائع على الأرض، وتؤكده الاستراتيجيات العسكرية لحلف الناتو (شمال الأطلسي) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية؛ وإما أن تذعن أوروبا، بحلفها العسكري واتحادها الاقتصادي، لتحقيق توازن بين مصالحها جميعاً ومصالح روسيا، ودفع مخاطر الحرب الكونية (العالمية) إلى الأمام، ولا أقول إلغاءها، لعل الأعوام القادمة تحمل متغيرات سياسية واقتصادية قد تُضعف قوة روسيا، أو قد تُضعف قوة دول حلف الناتو.