الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
في اليوم الثامن للحرب الإسرائيلية الإيرانية: ما الغاية من مدة الأسبوعين؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 21 حزيران 2025
دخلنا اليوم الثامن للحرب الإسرائيلية الإيرانية، وهي قصف جوي وطائرات ومسيّرات فقط، دون قطعات برية أو بحرية، ونلاحظ زيادة في القصف من الطرفين وشموله المراكز المهمة والاستراتيجية. وقد قال ترامب إن الحرب ستستمر أسبوعين آخرين. فما الغاية من هذه المدة (أسبوعين)؟ وكيف سيتم وقف الحرب أو العودة إلى المفاوضات؟ وبأي شروط؟ وما الأمور الأخرى المتوقعة؟
مقدمة
الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي انفجرت قبل ثمانية أيام، والتي لا تزال حتى اللحظة محصورة ضمن ما يُعرف بـ«الاشتباك فوقيّ المستوى»، أي القصف الجوي والصاروخي والمسيّرات فقط دون تدخل بري مباشر، تدخل الآن منعطفًا حساسًا بعد تصاعد القصف وشموله الأهداف الاستراتيجية في العمقين الإيراني والإسرائيلي. وفي هذا السياق جاء تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يحظى بتأثير رمزي وشعبي كبير، بأن «الحرب ستستمر أسبوعين آخرين».
فما الغاية من تحديد هذه المدة؟ ولماذا يُتوقع وقف القتال بعد أسبوعين؟ وهل هناك تنسيق خفي يدور وراء الكواليس بين القوى العظمى لإجبار الطرفين على العودة إلى المفاوضات؟ وما طبيعة هذه المفاوضات؟ وما الشروط المحتملة التي يطرحها الطرفان؟ هذا ما سنحاول تحليله بالتفصيل في هذه المقالة.
أولًا: الغاية من تحديد مدة «أسبوعين» في تصريح ترامب
رمزية سياسية: تتسم تصريحات ترامب في القضايا الخارجية دائمًا برمزية حادة توحي بوجود سقف زمني للضغط الميداني، لكن تحديد مدة أسبوعين في الحرب الحالية يحمل أكثر من مجرد دلالة سياسية؛ فتصريحه جاء بعد اجتماعات غير معلنة أجراها مبعوثون أميركيون مع مسؤولين في الناتو وفي بعض العواصم الإقليمية مثل أنقرة والرياض وتل أبيب، مما يشير إلى أن الأسبوعين هما بمثابة «نافذة تفاوض عنيفة».
استراتيجية «الضغط الأقصى»: الولايات المتحدة، وإن لم تعلن دعمها الصريح لأي طرف، لا تعارض ضمنًا توجيه ضربة محدودة لإيران، لأسباب تتعلق بالملف النووي وبالدور الإقليمي لطهران. ومن هنا فإن السماح لإسرائيل بمواصلة القصف أسبوعين إضافيين يهدف إلى:
إنهاك منظومة الدفاعات الإيرانية.
اختبار مدى قدرة إيران على الرد دون تدخل مباشر من حزب الله.
توجيه رسائل إلى الداخل الإيراني مفادها أن النظام غير قادر على حماية العمق الاستراتيجي.
استعداد القوى الكبرى للتدخل السياسي بعد هذه المدة: يُتوقع أن تبدأ خلال الأسبوعين المقبلين وساطات دبلوماسية من دول مثل الصين وتركيا وقطر، وربما روسيا أيضًا، تطرح فيها هذه الأطراف مبادرات لوقف التصعيد. ومن غير المستبعد أن تكون واشنطن قد أعطت تل أبيب رخصة زمنية محدودة قبل أن تطالبها بالتوقف.
ثانيًا: أسباب استمرار الحرب ثمانية أيام دون تدخل بري
لا بد أن نلاحظ أن الحرب حافظت حتى الآن على طابعها الجوي لأسباب مهمة:
إسرائيل لا ترغب في الدخول في معركة برية داخل إيران، نظرًا لصعوبة الجغرافيا وبُعد المسافة.
إيران أيضًا لا تملك بنية برية قوية على حدود إسرائيل، ولذلك اقتصرت على الصواريخ والمسيّرات.
القوى الكبرى، بما فيها أميركا وروسيا، تخشى توسع الحرب وتحولها إلى حرب إقليمية أو شاملة، خاصة لو تدخل حزب الله أو الحوثيون.
ثالثًا: سيناريوهات وقف الحرب أو العودة إلى المفاوضات
هناك ثلاث طرق محتملة لإنهاء هذه الحرب خلال الأسبوعين القادمين:
سيناريو «الإنهاك المتبادل»: إذا استمر القصف بالكثافة نفسها، فإن منظومات الدفاع الجوي لدى الطرفين ستُنهَك، وسيبدأ الطرفان بمواجهة أثر «العجز العسكري النسبي»، مما يدفعهما إلى قبول وقف مؤقت لإطلاق النار، وهو ما تراه واشنطن فرصة للتدخل بمبادرة تقود إلى طاولة المفاوضات.
سيناريو «الضربة الأخيرة»: إذا وجّهت إسرائيل ضربة شاملة لمفاعل نووي أو موقع عسكري إيراني كبير، مثل نطنز أو بوشهر، فستضطر إيران إلى الرد بضربة نوعية، وهنا قد يحصل تدخل دولي عاجل لاحتواء الموقف قبل خروجه عن السيطرة، ويُطرح حينها وقف فوري مشروط عبر القنوات الخلفية.
سيناريو «الوساطة الإقليمية»: من المتوقع أن تنشط تركيا وقطر وعُمان، وربما الصين، في الأسبوع الثاني من الحرب لتشكيل منصة مفاوضات بديلة عن فيينا أو نيويورك، وتقديم صفقة تشمل البنود الآتية:
وقف القصف المتبادل فورًا.
التزام إيران بعدم استهداف إسرائيل بالصواريخ الطويلة المدى.
التزام إسرائيل بعدم مهاجمة المفاعلات النووية الإيرانية.
فتح ملف التفاوض حول النفوذ الإيراني في اليمن وسوريا ولبنان.
رابعًا: ما الشروط التي قد تطرحها الأطراف؟
شروط إسرائيل:
وقف دعم إيران لحزب الله والميليشيات الشيعية في سوريا والعراق.
تجميد برنامج الصواريخ الباليستية.
إعادة ضبط النشاط النووي الإيراني تحت إشراف دولي أوسع.
ضمان عدم استخدام المسيّرات في مهاجمة إسرائيل مستقبلًا.
شروط إيران:
رفع العقوبات الأميركية أو تخفيفها.
وقف الغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا.
ضمان عدم تكرار الاعتداءات على المنشآت النووية الإيرانية.
الاعتراف بحق إيران في امتلاك «برنامج نووي سلمي» ضمن سقف اتفاق 2015.
خامسًا: الأمور الأخرى المتوقعة خلال الأسبوعين المقبلين
تصاعد الاستهدافات المتبادلة: سيزداد استهداف المطارات والقواعد الجوية ومنشآت الطاقة والموانئ، لتكبيد الطرف الآخر خسائر اقتصادية قبل الوصول إلى التفاوض.
تفعيل الدعم اللوجستي:
قد تتلقى إسرائيل دعمًا استخباراتيًا أميركيًا مباشرًا.
وقد تدفع إيران حلفاءها، مثل الحوثيين في اليمن، إلى مهاجمة مصالح إسرائيلية في البحر الأحمر أو استهداف السفن.
اشتداد الضغوط الدولية:
ستعقد الأمم المتحدة ومجلس الأمن جلسات طارئة.
ستقدم الدول الأوروبية، خصوصًا فرنسا وألمانيا، مبادرات لوقف إطلاق النار.
الاستعداد النفسي للتفاوض:
قد تظهر تصريحات مبدئية من المسؤولين الإيرانيين والإسرائيليين عن «الاستعداد للتهدئة».
ستُنشَّط قنوات خلفية بين أنقرة وواشنطن وطهران وتل أبيب.
سادسًا: ما بعد الأسبوعين: إما حسم أو تهدئة
تمثل نهاية الأسبوعين مفترق طرق:
إما أن يُتوصل إلى تفاهم أولي برعاية دولة محايدة، ويتحول الصراع إلى حرب باردة محدودة.
أو أن يفشل الضغط، ويقرر أحد الطرفين أو كلاهما التصعيد إلى مستوى أعلى (احتمال تدخل حزب الله أو توجيه ضربة بحرية).
أو، وهو الأرجح، أن تُفرض تهدئة غير رسمية (de facto) مع بقاء التوتر قائمًا، كما حصل في حالات مشابهة.
خاتمة
تدخل الحرب الجوية الإسرائيلية الإيرانية في يومها الثامن مرحلة حرجة. وتصريح ترامب بأن الحرب ستستمر أسبوعين آخرين ليس عشوائيًا، بل يعكس تصورًا أميركيًا بأن هذه المدة كافية لتحقيق أقصى درجات الضغط الميداني على إيران قبل فرض هدنة تفاوضية. والشروط التي تضعها الأطراف معقدة، لكن الإرهاق المتبادل والضغوط الدولية وإمكانية خروج التصعيد عن السيطرة كلها عوامل ستجعل من الأسبوعين القادمين فاصلًا حاسمًا في مستقبل هذه المواجهة. وإذا ما تحققت التهدئة، فستكون على الأرجح جزءًا من تسوية أوسع تشمل الملف النووي والملف الإقليمي الإيراني.