الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
قافلة كسر الحصار البرية التونسية الجزائرية إلى غزة: غايتها ومصيرها وموقف العالم منها
من سلسلة «الحرب على غزة» – كُتب في 10 حزيران 2025
قافلة كسر الحصار على غزة من البر (التونسي الجزائري): ما غايتها وأسبابها، علمًا أن السفينة مادلين فشلت بالأمس في مهمتها لمساعدة غزة؟ وكيف سينتهي الرتل البري التونسي الجزائري؟ وما موقف العالم والدول العظمى من هذه «المسرحيات»؟
المقدمة
في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وتفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية، تتوالى المبادرات الشعبية والرسمية من عدة دول عربية وإسلامية بهدف كسر الحصار المفروض على القطاع، وتقديم دعم رمزي أو فعلي لأهله.
ومن بين أبرز هذه المبادرات الأخيرة برز الرتل البري التونسي الجزائري، الذي يهدف إلى الوصول إلى غزة عبر المنافذ البرية لتسليم المساعدات الطبية والغذائية واللوجستية.
يأتي هذا الحراك الشعبي التضامني بعد أيام فقط من اعتراض البحرية الإسرائيلية لسفينة «مادلين» ومنعها من الوصول إلى غزة عبر البحر، في واقعة وُصفت بأنها «قرصنة بحرية» بحق قافلة إنسانية.
ومع فشل القناة البحرية تُطرح تساؤلات مشروعة: هل سينجح الرتل البري؟ وهل هو فعلًا عمل فاعل أم مجرد مسرحية إعلامية رمزية؟ وما موقف العالم والدول الكبرى من هذه التحركات؟
أولًا: ما القافلة البرية الجزائرية التونسية؟ ومن يقف خلفها؟
1- التكوين
قافلة إنسانية برية مشتركة تنطلق من تونس والجزائر، وتضم:
شاحنات محمّلة بالمساعدات الغذائية والطبية.
شخصيات إعلامية وسياسية وشعبية.
متطوعين من منظمات إنسانية ونقابات مهنية (أطباء وصيادلة وحقوقيين).
ويجري تنظيمها بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني في البلدين.
2- التنظيم
تحت إشراف جمعيات شعبية ذات طابع وطني إنساني، مثل الهلال الأحمر التونسي، والاتحاد العام التونسي للشغل، والهلال الأحمر الجزائري.
بدعم جزئي من وزارات الشؤون الاجتماعية أو الخارجية في الدولتين.
يشارك فيها رمزيًّا بعض السياسيين المستقلين أو المناصرين للقضية الفلسطينية.
3- مسار القافلة
- تنطلق من الجزائر أو تونس مرورًا بالأراضي الليبية، ثم إلى معبر السلوم المصري، ومنه إلى معبر رفح، البوابة البرية الوحيدة إلى قطاع غزة.
ثانيًا: الغاية من الرتل وأسبابه
1- الغاية السياسية
التعبير عن التضامن الشعبي العربي والإسلامي مع غزة.
إحراج إسرائيل أمام الرأي العام الدولي عبر تسليط الضوء على الحصار.
كسر صورة العجز العربي، وإبراز أن الشعوب تتحرك حيث تصمت الأنظمة.
2- الغاية الإنسانية
إيصال مساعدات حيوية في ظل شُحّ الدواء والغذاء وانهيار القطاع الصحي في غزة.
توصيل رسائل مباشرة إلى أهل غزة بأنهم ليسوا وحدهم، رغم تواطؤ بعض الأنظمة.
3- الرد الرمزي على فشل مادلين
تأتي القافلة البرية مباشرة بعد فشل السفينة مادلين، لتأكيد أن غزة ليست معزولة.
يهدف الرتل إلى إثبات أن البحر ليس الطريق الوحيد، وأن التضامن البري ممكن أيضًا.
ثالثًا: التحديات أمام الرتل البري
1- العبور الليبي والمصري
المسار المعقد سياسيًّا وجغرافيًّا يجعل القافلة تعتمد على موافقات من أكثر من جهة:
الحكومة الليبية (المنقسمة سياسيًّا).
الحكومة المصرية (ذات العلاقات المعقدة مع حماس وقطاع غزة).
تتحكم مصر تاريخيًّا في دخول المساعدات وخروجها عبر معبر رفح، وتفرض رقابة أمنية صارمة.
2- الرقابة الإسرائيلية
- رغم أن إسرائيل لا تتحكم بمعبر رفح مباشرة، فإنها تمارس ضغطًا أمنيًّا على مصر لرفض أي دعم قد يعزز «حماس» أو يقوّض أهدافها الأمنية.
3- البعد الرمزي أكثر من الفعلي
العديد من القوافل السابقة (مثل قافلة شريان الحياة) لم تنجح في دخول غزة.
تُحتجز القوافل أحيانًا أيامًا على الحدود، أو يُسمح بدخول الشاحنات دون المرافقين.
غالبًا ما تُفرَّغ القوافل وتُسلَّم إلى الجهات الرسمية المصرية التي تقرر ما يدخل وما لا يدخل.
رابعًا: كيف سيكون مصير هذه القافلة؟
1- الاحتمال الأول: دخول جزئي
قد يُسمح بدخول جزء من القافلة، أي الشاحنات المحمّلة بالمساعدات، عبر معبر رفح إلى غزة.
وفي المقابل قد يُمنع دخول المتطوعين والناشطين المرافقين للقافلة، كما حدث سابقًا.
2- الاحتمال الثاني: الاحتجاز على الحدود
- قد تُوقَف القافلة على الجانب المصري لأسباب أمنية أو سياسية، خاصة إن خشي النظام المصري من استفزاز إسرائيل أو تعزيز موقف حماس.
3- الاحتمال الثالث: فشل كامل
- في حال وجود ضغوط إسرائيلية وأمريكية شديدة، يمكن أن تُمنع القافلة تمامًا من الاقتراب من معبر رفح، وتُفكَّك تحت ذرائع «إجراءات التنسيق».
خامسًا: هل هي «مسرحية» فعلًا أم عمل حقيقي؟
يكثر تداول مصطلح «مسرحية» في الأوساط الإعلامية المشككة في جدوى مثل هذه المبادرات، ويُطرح بسبب:
ضعف النتائج الميدانية السابقة.
غلبة الرمزية على الفعل الحقيقي.
التغطية الإعلامية المكثفة مقارنة بالمردود الفعلي.
لكن من المهم توضيح أن:
العمل الرمزي له قيمة سياسية، ويُعدّ «حربًا ناعمة» ضد الاحتلال.
هذه القوافل تُبقي القضية الفلسطينية حيّة في وجدان الشعوب.
الفعل الشعبي المستقل يُحرج بعض الحكومات المتواطئة أو المتقاعسة.
لذا فإن تسميتها «مسرحية» قد تنطوي على تسطيح، إذ إن النضال الشعبي لا يقاس بالنتائج اللحظية فقط، بل بالتأثير التراكمي في الرأي العام.
سادسًا: موقف العالم والدول الكبرى
1- الولايات المتحدة
- تَعُدّ أي محاولة لكسر الحصار «تهديدًا لسلامة إسرائيل»، وتدعم رواية تل أبيب حول المخاطر الأمنية.
2- الاتحاد الأوروبي
منقسم: بعض دوله تدين الحصار، وبعضها يلتزم الصمت بحجة «عدم تعقيد الوضع».
يقدّم دعمًا معنويًّا محدودًا للقوافل الإنسانية، دون ضغط سياسي حقيقي على إسرائيل.
3- روسيا والصين
غالبًا ما تُصدران مواقف عامة ضد الحصار، لكنها تفتقر إلى الفاعلية أو التحرك الميداني.
تفضّلان القنوات الدبلوماسية والرعاية الأممية بدل المبادرات الفردية.
4- الأمم المتحدة
تُصدر بيانات تعبّر عن «القلق»، وتدعو إلى حرية إيصال المساعدات، لكنها لا تتحدى إسرائيل بشكل مباشر.
بعض وكالاتها، مثل الأونروا، تدعم جهود القوافل شعبيًّا.
الخاتمة
تمثّل قافلة كسر الحصار البرية التونسية الجزائرية وجهًا من وجوه التضامن الشعبي الحقيقي، الذي يسعى إلى مدّ جسور الدعم الإنساني لغزة المحاصرة.
وعلى الرغم من أن هذه الجهود تواجه عقبات ميدانية وسياسية شديدة، فإنها تؤدي دورًا مهمًّا في إبقاء الوعي الجماهيري بقضية غزة حاضرًا.
وفشل السفينة مادلين لا يعني بالضرورة فشل كل المبادرات، بل هو دعوة إلى ابتكار مسارات جديدة: برية وإعلامية ودبلوماسية وقانونية.
أما الدول الكبرى فهي تواصل سياسة الكيل بمكيالين؛ تدّعي حماية حقوق الإنسان، لكنها تسكت أمام الحصار، ما يفضح نفاقها السياسي. ومع ذلك فإن الصوت الشعبي العربي والدولي يعلو يومًا بعد يوم، ويُحدث تآكلًا في شرعية الحصار الإسرائيلي.
وإذا كانت هذه القوافل لا تنجح ماديًّا دائمًا، فإنها تنجح أخلاقيًّا، وهو ما تخشاه إسرائيل أكثر من السفن والشاحنات.