الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 52، كُتب في نحو آذار 2022

قرار دخول الحرب والخروج منها

القسم الأول

  • إن ما دفعني إلى كتابة هذا الموضوع هو الحرب الروسية–الأوكرانية وما يجري من محاولات لإيقافها، إضافة إلى مراجعة محاضرات جامعة البكر ودراسة بحوث بعض إخوتي. ومن المعروف أن دورة الحرب تمر بعدة مراحل بعد فشل العملية السياسية في التوصل إلى حل.

  • تبدأ الحرب بقرار استراتيجي من أعلى قيادة سياسية/عسكرية، ثم تبدأ مرحلة العمل العسكري (المعارك ما بين هجوم ودفاع وانسحاب).

  • ثم تلي ذلك مرحلة يتوجب فيها إنهاء الحرب، إما بانتصار أحد الطرفين وخسارة الطرف الآخر، أو بوقف إطلاق النار والتفاوض. وهذه المراحل يُطلق عليها «دورة الحرب»، وهي دورة تحكمها قوانين موضوعية خلال مراحلها كافة، وتنطبق هذه القوانين بصورة متساوية على أطراف النزاع.

  • وتُعدّ مرحلة إيقاف تلك الدورة، أي إيقاف الحرب أو إنهائها، من أعقد المراحل وأصعبها. وكثيراً ما نجد قادة شنّوا الحرب ثم فشلوا في إيقافها أو لم ينهوها إلا بصعوبة بالغة. وكثيراً ما شكّل إنهاء الحرب نهايةً لقيادات تسرعت في قرار الحرب ولم تحسب نتائجها ولا كيفية حسمها، ما أدى إلى فشلها وجرّ البلاد إلى نتائج كارثية.

كيف يمكن إيقاف دورة الحرب، أي إيقاف الحرب وإنهاؤها؟

  • هناك قول مأثور: «لا تحمل الحرب بين ثناياها عناصر القرار الكامل والتسوية النهائية، لذا من الضروري عندما تُدار الحرب أن يؤخذ السلام الذي ستحققه بعين الاعتبار». وفي كتاب الصحفي البارز جدعون روز «كيف تنتهي الحروب» يقول: «إن إنهاء الحروب صعب حتى عندما تندلع بطريقة صحيحة، وإن الأخطاء التي تُرتكب في بداية الحرب تؤدي إلى تعقيد المهمة لاحقاً، بغض النظر عمن يتولى مسؤولية القيادة وقتها». ويتابع جدعون قوله: «إن القادة يركزون على إعادة محاولة إلحاق الهزيمة بالعدو، ويواجهون صعوبة في تغيير مسار التعامل مع الحرب وبناء بيئة سياسية مستقرة فيما بعد».

  • عندما نراجع تاريخ الحروب نجد أن القرارات التي اتُّخذت بموجبها الحرب كانت أسهل من قرارات وقفها أو إنهائها. فكثير من القادة دخلوا الحرب تحت تأثيرات مختلفة: منها دوافع اقتصادية بقصد الهيمنة والاستعمار، ومنها الأيديولوجية، ومنها الوطنية من أجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية، ومنها النفسية والصحية التي تدفع إلى الحقد والانتقام، وغيرها. لكن القليل منهم عرف كيف يحقق الأهداف التي دخل الحرب من أجلها، وكيف ينهي الحرب بشكل مناسب. والدروس المهمة التي خرج بها العالم من تاريخ الحروب كله هي:

  • أن القوة العسكرية وحدها لن تنجح أبداً في إخماد النضال من أجل الحرية والاستقلال.

  • أن مواطني القوى الاستعمارية أصبحوا، على المدى الطويل، غير مستعدين لتأييد الحروب التي تتعارض مع القيم التي يعتزون بها في الداخل، كما ظهر في التظاهرات الكبيرة التي اجتاحت أمريكا وبريطانيا والدول الأوروبية ضد الحرب على العراق، سواء في حرب الخليج الثانية أو الثالثة، وغيرها من الحروب.

  • أن المجتمعات الغربية كافة أصبحت منشغلة بتقدمها العلمي والاقتصادي، وصارت تدرك أن الحروب لم تقدّم إسهاماً مجدياً في رفاه مجتمعاتها؛ فلا حرب فيتنام، ولا حربا العراق وأفغانستان اللتان أنهكتا الاقتصاد الأمريكي، جلبت لهم الرفاه والأمن. لذلك لم يكونوا راغبين في المشاركة في حروب دون وجود تهديد مباشر لمصالحهم. وهذا هو السبب الذي دفع القيادتين الأمريكية والبريطانية، على نحو مستمر، إلى إظهار العراق وأفغانستان والقاعدة أعداءً يهددون أمن أمريكا ومصالحها، بعد انتهاء خطر الاتحاد السوفيتي السابق.

  • ووضعوا الشعبين الأمريكي والبريطاني تحت هاجس الإرهاب طيلة السنين التي سبقت الحرب والاحتلال، ولا تزال الأساليب نفسها تُمارَس من أجل إبقاء الشعوب تحت هاجس الخوف الدائم.

  • أصبح خوض الحرب دون تأييد شعبي بمثابة انتحار سياسي للزعماء، كما حصل لفرنسا في حربها في الجزائر، ولأمريكا في حربها في فيتنام وفي أفغانستان، وللاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان، وحتى لإيران خلال حربها مع العراق، وكما حدث لإسرائيل في لبنان عام (2006). وهذه أمثلة تبين عجز القوى المتورطة في الحروب عن تبرير الاستمرار فيها، رغم التضحيات الكبيرة التي يتكبدها الشعب، والتي تُقلّل بشكل كبير من التأييد الداخلي حتى يصل أخيراً إلى معارضة شعبية واسعة النطاق، فيضطر الزعماء عندها إلى إنهاء النزاع بالمفاوضات والانسحاب، في محاولة أخيرة لحفظ ماء الوجه.

  • أصبحت الأسلحة النووية والكيميائية والجرثومية وسيلة من وسائل تجنب الحروب، حتى عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية كما حدث في أزمة الصواريخ الكوبية. لذلك فإن امتلاك هذه الأسلحة يمكن أن يحقق التوازن بين الدول، فتصبح أكثر ميلاً إلى حل مشاكلها بالحوار، كما هي الحال بين باكستان والهند، وبين كوريا الشمالية والجنوبية التي تحتمي بالمظلة النووية الأمريكية. لكن العكس قد يكون صحيحاً؛ فانفراد إسرائيل بامتلاك السلاح النووي في الشرق الأوسط لا يمكن أن يعزز السلام، بقدر ما يؤدي إلى الغطرسة والتجبر والتهديد باستخدام ذلك السلاح إذا دعت الضرورة، فضلاً عن تأثيره في التوازن الإقليمي، خصوصاً مع الدول العربية التي لا تمتلكه. لذلك لا يوجد أمام العرب سوى امتلاك السلاح النووي بأسرع وقت لضمان أمنهم الوطني والقومي.

  • أصبحت الحرب التقليدية أكثر كلفة وأقل حسماً، خصوصاً عندما تتحول إلى حرب استنزاف طويلة تتجاوز كلفة مواصلتها المنافع المتوقعة منها، ولن يتحقق إنهاؤها ما لم يكن الطرف الآخر مستعداً لذلك.

  • نادراً ما يمكن إجراء حساب عقلاني بين قيمة الأهداف السياسية وتكاليف الحرب؛ فمثلاً لا يمكن مقارنة الاستقلال الوطني والحرية، أو مساعدة حليف مهم، أو الحفاظ على ميزان القوى، بتكاليف الحرب من الناحية الاقتصادية والخسائر البشرية.

  • من الصعب جداً حساب تكاليف الحرب ومنافعها قبل وقوعها، لأن معظم أبعاد الحرب لا يمكن وضع مقاييس محددة لها يُقاس بموجبها. وبعد اندلاع الحرب تدخل عوامل عديدة، من مشاعر وطنية ومصالح سياسية واقتصادية ومنافع خاصة، لذلك يصعب تحديد كلف الحرب ومنافعها بحسابات عقلانية حتى بعد انتهائها. وقد تكون هذه المعضلة أحد أهم أسباب إطالة الحرب.

  • إن قرار إنهاء الحرب يتوقف على اتفاق الطرفين، كما هي الحال عند وقوعها. لكن المشكلة تكمن في صعوبة تطابق تقويم كل طرف محارب لقدرة الآخر على مواصلة الحرب، ومن ثم تقديراتهما الخاصة لحصيلة الحرب وحسابات المنافع السياسية والاقتصادية وغيرها.

  • في الحروب الحديثة كثيراً ما يجد المنتصرون والخاسرون أنفسهم في المنطقة التي تتجاوز فيها التكاليف أي مكاسب ممكنة، حتى لو كانت أهداف الحرب جديرة بالقتال من أجلها، كالحرية أو الاستقلال أو مساعدة حليف مهم؛ فإن كلفتها ستكون أعظم مما هو متوقع، خاصة إذا طالت الحرب أكثر مما قُدِّر لها. وهكذا نجد أن المنافع بقيت على حالها بينما ازدادت الكلف بشكل كبير وغير متوقع، وعندها يجد الطرفان نفسيهما بحاجة إلى وقف الأعمال العدائية لتجنب المزيد من الخسائر في الأرواح والممتلكات، وقد يقرران العودة إلى الحال السابقة لما قبل الحرب، أو يقبلان أحياناً بتسويات تحفظ ماء الوجه. مثال ذلك الحرب العراقية–الإيرانية: فلم يحصل العراق في نتيجتها على شيء مما خطط له، ولا إيران حصلت على شيء مما خططت له، وبقيت الأمور بعد انتهائها على حالها قبل الحرب.

  • ويجدر بنا أن نشير إلى نظرية ميزان القوى التقليدي، التي تقضي «بإنهاء الحرب دون القضاء على العدو». والسبب في ذلك أن القضاء على اللاعبين الوطنيين الأساسيين سيؤدي إلى خلل في ميزان القوى التقليدي في المنطقة، وسيحرمها من الاستفادة منهم في مراحل لاحقة قد تدعو الحاجة فيها إلى وجودهم. لكن الأمور تسير أحياناً في اتجاهات معاكسة، كما حدث في معاهدة فرساي (1919) التي صُممت للقضاء كلياً على ألمانيا، فحطمت بذلك ميزان القوى الأوروبي بعد الحرب العالمية الأولى، وهيأت المسرح لحرب جديدة هي الحرب العالمية الثانية. ونذكر على سبيل المثال أن الحرب العراقية–الإيرانية انتهت بقرار وقف إطلاق النار رقم (598)، وأن انتهاءها كان دون تحقيق أهداف الطرفين، لذلك لم يحدث خلل كبير في ميزان القوى التقليدي في المنطقة. أما ما فعلته أمريكا في حربي الخليج الثانية والثالثة، فهو أنها دمرت العراق وقواته المسلحة كلياً ثم احتلته، فحققت بذلك الغرض المرجو، وتحطم ميزان القوى التقليدي في المنطقة بتحطيم العراق، ودخلت المنطقة كلها في حالة من عدم التوازن وعدم الاستقرار. كما أن وضع العراق الحالي لا يساعده، حتى على المدى المتوسط، على أن يصبح لاعباً مهماً في المنطقة يعيد إليها توازنها، ومثل هذه الحال ستُدخل المنطقة في نزاعات مستمرة وعدم استقرار إلى مدى لا يمكن توقعه.

القسم الثاني

  • في ضوء ما عُرض في القسم الأول، لا بد من التطرق إلى مشكلة إنهاء الحرب. فقرار الحرب، كما تُظهر لنا دراسة التاريخ، غالباً ما يكون أبسط وأسهل بكثير من قرار إنهائها بوقف القتال بين المتحاربين. وكثيراً ما وجد القادة أنفسهم في مأزق بعد إعلان الحرب ورغبتهم في إيقافها، خصوصاً في حالة التوازن أو شبه التوازن بين الطرفين المتحاربين. وقد تناول بعض الباحثين موضوع إنهاء الحرب، فوضعوا دراساته ضمن خمس مجموعات هي:

  • الدراسات النموذجية لإنهاء الحرب والسلام: والمقصود بها الدراسات النظرية السياسية والفلسفية والدينية ودراسات اللاعنف وما شابهها. وتمتاز هذه الأدبيات التي كُتبت عن السلام بنبرتها العاطفية والطوباوية، وغالباً ما تكون غير رصينة من الناحية التجريبية، لذلك لم تُعطَ أهمية أو قيمة، لكنها قد تكون مفيدة مستقبلاً في بعض الأعمال النظرية حافزاً لتلك الدراسات.

  • النظريات الاقتصادية عن إنهاء الحرب وحفظ السلام: تشكّل الدراسات الاقتصادية جزءاً مهماً من المدخل الواسع لدراسات إنهاء الحرب. وقد ظهرت هذه الدراسات بعد الحرب العالمية الأولى، بسبب الاعتقاد السائد بأن قرارات فرساي كانت مشؤومة على أوروبا. وتتناول هذه الدراسات مشكلة الحصار الاقتصادي وتأثيره في قرارات إنهاء الحرب، وحساب القوة الحربية النسبية للدول إلى أقصى حد ممكن، إضافة إلى تحليل قضايا العمل في فترة ما بعد الحرب، والتجارة الحرة والدولية عموماً، والتعويضات والمشاكل المالية. ومن أحدث هذه التفسيرات فكرة الحوافز الاقتصادية الإيجابية للحث على تنفيذ وقف إطلاق النار سعياً إلى إنهاء الحرب، كما فعلت أمريكا عندما قدّمت مساعدات اقتصادية لإسرائيل ومصر حتى تنهيا الحرب بينهما وتوقّعا معاهدة سلام.

  • القانون الدولي: ويتضمن أشكال الترتيبات المؤدية إلى إنهاء الحرب، وهي الظروف التي تفضي إلى شروط وقف إطلاق النار، وترتيبات الهدنة، والموقف الدولي للأطراف المتحاربة، وشكل اتفاقيات السلام وغيرها. وهي في مجملها دراسات لا تتعدى إطار ما ورد في القانون الدولي، وأغلبها عوامل إجرائية لإنهاء الحرب.

  • تاريخ الدبلوماسية: وهو جزء مكمّل لدراسة السياسة الدولية ونظرية العلاقات الدولية، وهو في مجمله دراسات تحليلية لأسباب حروب سابقة وسبل إنهائها، ويُستفاد منه في المقارنة بين حالة راهنة وأخرى مشابهة، وهكذا.

  • نظرية العلاقات الدولية: وهي تتناول موضوع إنهاء الحرب من خلال دراسات تحليلية لأدوار قادة سياسيين وعسكريين معينين ومواقفهم إزاء إنهاء الحرب، ثم البحث في تأثير السياسة الداخلية، بما فيها رأي النخبتين السياسية والعسكرية والرأي العام كذلك. ويمكن أن تشمل مسائل كالحالة المعنوية الوطنية، وإنهاء الحروب الأهلية والثورات، وغير ذلك. وأخيراً يمكن دراسة قضية إنهاء الحرب بوصفها تفاعلاً بين دولتين متحاربتين أو أكثر في النظام الدولي، وفهم كل منهما للأخرى، ومشاكل اتصالاتهما، وعلاقات القوة وغيرها. وفي مراحل متقدمة ينبغي توجيه الجهود البحثية إلى دراسة متكاملة واسعة النطاق متعددة المستويات. وسيكون من المفيد أيضاً إجراء دراسات جزئية للحالة النفسية للملوك والرؤساء تحت ضغط الهزيمة أو النصر في الحرب، ودراسات مقارنة لموقف النخبة العسكرية في بلدان مختلفة خلال النصر أو الهزيمة، ودراسات لتأثير إدراك الدول، وسوء إدراكها، لموقف كل منها من الأخرى (بالنسبة للقوة العسكرية والمعنوية)، وللإرادة على مواصلة القتال، وللتماسك الداخلي، وغير ذلك، ولأهمية كل هذه الدراسات في قرار إنهاء الحرب.

  • إن تلك التحليلات المشار إليها ضرورية جداً من أجل الوصول إلى القرار المناسب الذي يخدم مصلحة الأمة على المدى البعيد. لكن كثيراً من القادة يتجاهلون في أغلب الأحوال مثل هذه الأمور، ويتصرفون وفق تحليلهم الخاص.

  • وحتى نقترب أكثر من موضوع إنهاء الحرب، نرى أن هناك نموذجين أو مستويين لعملية إنهاء الحرب، هما:

  • النموذج غير العقلاني: تفترض معظم الدراسات المتعلقة بإنهاء الحرب، ضمناً أو صراحةً، أن قرار وقف القتال والبدء بالتفاوض قرار عقلاني تتخذه الدول المتورطة في نزاع حسبت فيه الكلفة والمنفعة جيداً. وتتجاهل تلك الفرضيات دور القائد السياسي، وتركز على دور صنّاع القرار في الدولة (القيادة السياسية). لكن هناك حالات كان فيها دور القائد السياسي هو المهيمن على تلك القرارات، مثل دور الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون في مفاوضات السلام التي جرت في فرساي بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ إذ تشير الوقائع إلى أن حضوره إلى باريس كان كارثة تاريخية من الطراز الأول، لأنه كان مغروراً وعنيداً وغير ملتزم بالأعراف، مهووساً وسواسياً، كما كان يفتقر إلى فريق يساعده في صنع القرار. لذلك جاءت قراراته فردية، تحمل في جوانبها كل تناقضاته الشخصية، فانعكست على تلك المعاهدة.

  • والنموذج الآخر هو هتلر، الذي ارتكب أكبر خطيئة في روسيا برفضه التخلي عن جزء من الأرض حتى لا يخسر كل شيء، ومطالبته قواته بمتابعة الهجوم في حين كانت احتمالات النصر تذوي وتضمحل. وقد ارتكب قائدا قوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الأولى (فوش وهايغ)، كما ارتكب لودندورف وهندنبورغ اللذان كانا على رأس القوات الألمانية، الخطيئة الكبرى ذاتها، رغم أنهم جميعاً كانوا من العسكريين المحترفين. وكان نفور هتلر من السماح بسحب قطعاته من فرنسا في الوقت الملائم سبباً في تحمّله جزءاً كبيراً من مسؤولية الهزيمة. وكان موقفه هو نفس موقف فوش، مع الفارق الأساسي التالي: أن قادة الجيوش المشتبكة في الجبهة عام (1918) لم يكونوا يطيعون فوش إلا عندما يوافقون على أوامره، في حين كان الجنرالات الألمان في (1944–1945) يرتعدون خوفاً من عصيان أوامر هتلر. ويقول مايكل هاندل في تحليله لشخصية هتلر وسبب خسارة ألمانيا للحرب: لقد علم هتلر، وربما قبل أي شخص آخر في العالم، أن الحرب خاسرة، لكنه مع ذلك علّل نفسه بآمال غير عقلانية تماماً في أن مجرى التاريخ ربما يتغير، ومنها أمله في انهيار التحالف الكبير ضده، واحتمال اختراع السلاح المعجزة، وغير ذلك. وهذه الآمال هي التي عززت تصلّبه، وكان من النوع الذي يفضّل الانتحار على القبول بالاستسلام، وهذا ما كان.

  • والنموذج الآخر غير العقلاني هو قرار الرئيس جمال عبد الناصر يوم (23 أيار 1967) بسحب القوات الدولية من مضائق تيران، وأمره بإغلاق تلك المضائق ومنع مرور السفن الإسرائيلية. كان هذا القرار بمثابة إعلان حرب على إسرائيل، دون أن ينظر إلى مدى استعداد قواته المسلحة وشعبه لحرب كبيرة. وكانت النتيجة كارثية على مصر والأمة العربية، إذ احتلت إسرائيل سيناء والضفة الغربية والقدس والجولان خلال ستة أيام، وتكبّد الجيش المصري خسائر كبيرة جداً، ولم تنتهِ الحرب إلا بتدخل أمريكا. وهناك نماذج إقليمية أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

  • النموذج العقلاني: يفترض هذا النموذج عدة أمور ينبغي توافرها لدى الطرفين المتحاربين، منها معلومات كافية لإجراء الحسابات الضرورية الخاصة بالكلفة والمنفعة المتعلقة بقرار إنهاء الحرب أو موعده. يقول كلاوزفيتز في هذا الصدد: «ما زال اعتبار نفقات القوة له تأثير عام على قرار السلام، وما زالت الحاجة تدعو إليه. وبما أن الحرب ليست عملاً عاطفياً أعمى، بل يهيمن عليه هدف سياسي، لذلك تحدد قيمة ذلك الهدف مقدار التضحيات المقرر بذلها من أجل تحقيقه، وسيكون هذا هو واقع الحال ليس فيما يتعلق بمداه فحسب، بل فيما يتعلق بأمده كذلك. لذلك حالما يبلغ الإنفاق المطلوب مبلغاً عظيماً بحيث لا يصبح متساوياً مع الهدف السياسي في القيمة، فإنه يجب التخلي عن الهدف، وتكون النتيجة السلام». ثم يمضي كلاوزفيتز في القول: «لذلك نلاحظ أن الحروب التي لا يستطيع فيها طرف نزع سلاح الطرف الآخر تماماً، فإن دوافع السلام لدى الطرفين ستمر بحالة نشاط وفتور عند كل طرف وفق احتمالية النجاح المستقبلي والإنفاق المطلوب. وإذا كانت هذه الدوافع قوية على حد سواء لدى الطرفين، فإنها ستلتقي في مركز اختلافاتهما السياسية».

  • ويمكن تصور النموذج العقلاني على النحو الآتي: أن طرفي النزاع يمكن أن يكونا لاعبين لكل منهما مركز صنع قرار مماثل، ولا بد أن يعرف الطرفان القيم والأهداف التي يقاتلان من أجلها وقيمتها الخاصة، وكذلك القيم والأهداف الدقيقة للطرف الآخر. كما يُفترض أن يمتلك الطرفان المعلومات الضرورية لتقويم قدرتيهما، وعليه يستطيع كل طرف حساب القدرة النسبية الحالية والمستقبلية لكل منهما وتأثيرها في المعركة. ولا بد أن يستطيع أحد الطرفين أو كلاهما معرفة التكاليف المتوقعة لكافة الإجراءات البديلة المتيسرة ومقارنتها.

  • وكما يبدو، فإن هذه المتطلبات تكاد تكون مستحيلة لصعوبة الحصول على كل هذه المعلومات التفصيلية. كما أن هذا النموذج يتجاوز كثيراً من العوامل الإنسانية التي يجري القتال من أجلها، كالحرية والاستقلال والشرف وغيرها. والأمر الآخر المهم أن قرار وقف القتال وإنهاء الحرب لا يمكن اتخاذه عندما يواجه أحد الأطراف عدواً جباراً متغطرساً ويكون مهدداً بالدمار والخراب؛ فعندها يصبح القتال حتى النهاية أمراً معقولاً، كما حصل مع العراق في حرب الخليج الثالثة، عندما رفضت أمريكا حتى قبول التفاوض معه، ولم يكن هناك من يرغب في سماع صوت العراق رغم أنه لم يكن يريد الحرب. لذلك يصبح قرار إنهاء الحرب في مثل هذه الحالة بيد طرف واحد هو الطرف القوي، وهو طبعاً خارج مفهوم العقلانية.

  • ومن كل ما مرّ نجد أن موضوع إنهاء الحرب أو وقف القتال يمر بمراحل عديدة، وكثيراً ما تكتنفه صعوبات داخلية وخارجية تُصعّب عملية اتخاذ القرار، خصوصاً في الدول الديمقراطية، حيث تمر مثل هذه القرارات بسلسلة معقدة من المراحل التي تؤثر في صنع القرار بشكل مباشر أو غير مباشر، منها المؤسسات الحكومية والمدنية والعسكرية، والبرلمانات، ومراكز الدراسات، ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة، والرأي العام. أما في الدول الأخرى فيصبح هذا الموضوع أقل تعقيداً، لأن القرار يمكن أن تتخذه القيادة أو القائد السياسي (الرئيس)، كما حدث في كثير من الحالات. كما ينبغي أن نعرف أن مثل هذه القرارات لا توجد لها وصفات جاهزة يمكن الأخذ بها، لكن الضرورة تقضي بدراسة العديد من التجارب التاريخية والأبحاث للاسترشاد بها عند الحاجة.

  • والخلاصة أقول، من خلال خبرتي الطويلة قائداً في القوات المسلحة العراقية: إن الأمر المهم الذي ينبغي وضعه نصب العين والفكر هو أن أفضل وسيلة لإنهاء الحرب هي عدم الذهاب إلى الحرب، وإذا ما فُرضت فلا سبيل غير القبول بالأمر الواقع والتعامل معه، مع السعي بكل الوسائل المتاحة لإيقاف الحرب بأسرع وقت.