الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
كيف خططت أوكرانيا بدقة لمهاجمة المطارات والطائرات الاستراتيجية في العمق الروسي
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في أيار 2025
المقدمة
شكّل الهجوم الأوكراني الذي استهدف المطارات الاستراتيجية في العمق الروسي، مثل قاعدة إنغلز وقاعدة دياغيليفو وقواعد أخرى في مناطق مثل ساراتوف وتولا، مفاجأة استراتيجية كبيرة.
لقد أحدث هذا الهجوم صدمة داخل روسيا، ليس فقط لأنه ضرب العمق الجغرافي البعيد لروسيا، بل لأنه استهدف قواعد تستخدمها الطائرات النووية الاستراتيجية الروسية، مثل قاذفات تو-95 وتو-160، التي تُعد حجر الزاوية في منظومة الردع النووي الروسية.
والسؤال الأساسي الذي طرحه هذا الهجوم هو: كيف استطاعت أوكرانيا، وهي دولة محاصرة ميدانيًا وتحت القصف الروسي المستمر، أن تخطط وتنفذ هجمات دقيقة بهذا المستوى من العمق والتعقيد؟
في هذا التحليل المفصّل سنبحث الأبعاد التقنية والاستخباراتية والتنظيمية التي أسهمت في نجاح أوكرانيا في هذه العملية النوعية بالهجوم على المطارات الاستراتيجية في العمق الروسي.
أولًا: الفهم الاستراتيجي الأوكراني لأهداف الهجوم على المطارات الاستراتيجية في العمق الروسي
قبل الخوض في تفاصيل التخطيط، يجب أولًا فهم خلفية القرار الأوكراني بتنفيذ مثل هذا الهجوم في العمق الروسي:
- أهداف عسكرية:
- تعطيل القدرة الروسية على شن ضربات جوية بعيدة على الأراضي الأوكرانية.
- استهداف القاذفات التي تنطلق من العمق الروسي لتفادي الدفاعات الأوكرانية.
- أهداف نفسية ومعنوية:
- إثبات أن العمق الروسي ليس آمنًا.
- رفع معنويات الجبهة الداخلية في أوكرانيا.
- إرسال رسالة إلى الروس مفادها أن أوكرانيا قادرة على رد الضربات في العمق الروسي، لا الدفاع عن نفسها فقط.
- أهداف استراتيجية خارجية:
- لفت انتباه الغرب وأمريكا إلى فعالية الأسلحة التي سُلّمت إلى أوكرانيا لاستخدامها ضد روسيا.
- دفع الدول الغربية وأمريكا إلى تقديم صواريخ بعيدة المدى ومسيّرات متقدمة إلى أوكرانيا لضرب أهداف في العمق الروسي.
ثانيًا: مراحل التخطيط الأوكراني الدقيق للهجوم على العمق الروسي
المرحلة الأولى: جمع معلومات استخباراتية واسعة عن العمق الروسي والأهداف الروسية
كان لا بد لأوكرانيا من الحصول على بيانات ومعلومات دقيقة عن الأهداف الروسية في العمق، مثل:
- مواقع المطارات المستهدفة.
- طبيعة الطائرات الموجودة فيها: نوعها وعددها ووقت وجودها.
- أماكن تمركز الدفاعات الجوية الروسية داخل القواعد وحولها.
- أوقات النشاط الجوي المنخفض أو ساعات الليل المناسبة للهجوم على تلك الأهداف.
كيف حصلت أوكرانيا على هذه المعلومات الاستخباراتية الدقيقة؟ حصلت عليها عبر عدة وسائل، منها:
- الأقمار الصناعية الغربية والأمريكية، خاصة التابعة للولايات المتحدة.
- معلومات استخباراتية دقيقة من شبكة العملاء داخل روسيا.
- استخدام صور تجارية عالية الجودة، مثل صور ماكسار (Maxar).
- تحليل إشارات الرادار والانبعاثات الإلكترونية الروسية (SIGINT).
- تطبيقات مفتوحة المصدر تُظهر الحركة الجوية أو بيانات الطقس في روسيا وعمقها.
المرحلة الثانية: تطوير وسائل التنفيذ
أدركت كييف أن سلاحها الأساسي سيكون الطائرات المسيّرة، لأنها:
- قادرة على التحليق لمسافات بعيدة.
- يصعب اكتشافها بالرادار الروسي التقليدي.
- رخيصة نسبيًا مقارنة بالصواريخ.
- يمكن إنتاجها محليًا وتعديلها بسهولة.
أنواع المسيّرات الأوكرانية المستخدمة في الهجوم على العمق الروسي:
- يُعتقد أن الطائرة الأوكرانية (UJ-22 Airborne) طُوّرت ليصل مداها إلى 800 كيلومتر.
- تشير بعض التقارير إلى استخدام طائرات مسيّرة هجينة أو معدّلة تعتمد على نظام GPS.
- عُدّلت حمولة المسيّرات الأوكرانية لتشمل رؤوسًا متفجرة صغيرة لكنها موجَّهة بدقة.
المرحلة الثالثة: اختيار التوقيت المناسب للهجوم
كان التوقيت محورًا في نجاح العملية:
- تمت الهجمات ليلًا أو فجرًا، حين تكون فعالية الدفاع الجوي الروسي في أدنى مستوياتها.
- اختيار أوقات يكون فيها نشاط القواعد الجوية الروسية منخفضًا لتفادي رد فعل سريع.
- تزامن الهجوم الأوكراني مع هجمات إلكترونية (قد تكون وقعت بالتزامن) للتشويش على الدفاعات الروسية.
المرحلة الرابعة: الاختراق والتنفيذ
- أُطلقت المسيّرات الأوكرانية من مواقع مختلفة على حدود أوكرانيا، وربما حتى من داخل روسيا (عبر خلايا نائمة).
- استخدمت المسيّرات الأوكرانية مسارات طيران منخفضة للتهرب من الرادارات الروسية.
- اتبع بعضها مسارات متعرجة لتفادي مناطق الرصد الروسية المعروفة.
- وُجّهت المسيّرات الأوكرانية عبر نظام GPS وتكنولوجيا ملاحية دقيقة، ربما بغطاء من أجهزة تشويش خاصة.
المرحلة الخامسة: تقييم نجاح الهجوم
- وُثّقت إصابة طائرات تو-95 في قاعدة إنغلز، وطائرة تو-22 في قاعدة دياغيليفو.
- سجّلت وزارة الدفاع الروسية مقتل جنود وإصابة طائرات «بأضرار طفيفة»، لكن صور الأقمار الصناعية أظهرت حرائق كبيرة.
- أكد الروس أن الهجمات نُفّذت بطائرات بدون طيار (المسيّرات الأوكرانية)، ولم ينفوا دقة تنفيذها.
ثالثًا: دور الدعم الغربي والأمريكي في تسهيل الهجوم الأوكراني على العمق الروسي
رغم أن أوكرانيا تبنّت العملية، فإن خبراء يعتقدون أن الدعم التقني الغربي والأمريكي كان حاسمًا في نجاحها.
- المساعدة الاستخباراتية:
- قدّمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية معلومات تفصيلية عن مواقع الدفاع الجوي الروسي.
- وُفّرت صور عالية الدقة في الوقت الحقيقي لإنجاح الهجوم.
- تكنولوجيا الطيران المسيَّر:
- ساعدت شركات خاصة غربية وأمريكية (مثل شركات بريطانية وأمريكية) في تطوير أنظمة الملاحة للمسيّرات الأوكرانية.
- استُخدمت بعض المكونات الغربية والأمريكية (مثل الكاميرات والشرائح) في المسيّرات الأوكرانية المعدّلة.
- الدعم اللوجستي والتكتيكي الغربي والأمريكي لأوكرانيا:
- قد يكون هناك توجيه مباشر عبر غرف عمليات مشتركة، أو تنسيق بين الاستخبارات الغربية والأمريكية والأوكرانية.
رابعًا: لماذا فشل الدفاع الجوي الروسي في رصد الهجوم الأوكراني على العمق الروسي؟
رغم أن روسيا تمتلك واحدة من أقوى شبكات الدفاع الجوي في العالم، فإن الهجوم الأوكراني نجح لعدة أسباب، وهي:
- عدم توقع الهجوم في العمق الروسي: كانت روسيا تركز على حماية الخطوط الأمامية وموسكو، وافترضت أن المناطق البعيدة مثل ساراتوف وتولا بعيدة عن الخطر الأوكراني.
- فعالية المسيّرات الأوكرانية منخفضة الارتفاع: حلّقت المسيّرات الأوكرانية على ارتفاع منخفض لتفادي الرادارات الأرضية الروسية، ولم تُفعَّل الدفاعات الجوية الروسية بسرعة كافية لاعتراضها.
- التشويش الإلكتروني الأوكراني على الأجهزة الروسية: يُعتقد أن أوكرانيا استخدمت تقنيات تشويش لإرباك أنظمة الاتصالات الروسية في القواعد التي هاجمتها.
- الخطأ البشري والتراخي لدى روسيا: لم يكن الجنود الروس مستعدين بشكل جيد، وربما ظنوا أن الإنذارات كاذبة لبعدهم عن جبهات القتال.
خامسًا: ماذا بعد؟ تأثيرات هذا الهجوم على مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية
- تحوّل في العقيدة العسكرية الأوكرانية:
- من الدفاع إلى الهجوم داخل روسيا نفسها.
- تعدّه أوكرانيا بداية مرحلة جديدة من الحرب النفسية على روسيا.
- تصعيد محتمل من روسيا:
- قد تقوم موسكو برد عنيف لتثبيت هيبة ردعها، وربما بمهاجمة منشآت القيادة الأوكرانية.
- إعادة هيكلة الدفاع الجوي الروسي:
- ستنشر روسيا مزيدًا من أنظمة S-400 وPantsir في العمق الروسي.
- تعزيز الدفاع الإلكتروني والرادارات الروسية.
- توسيع نطاق الضربات الأوكرانية على روسيا مستقبلًا:
- قد تسعى كييف إلى ضرب أهداف في موسكو أو سانت بطرسبرغ إذا حصلت على صواريخ طويلة المدى من الغرب وأمريكا.
- التأثير على المفاوضات الروسية الأوكرانية:
- تراجع الثقة الروسية في أي تفاوض مع كييف.
- صعوبة استئناف محادثات إسطنبول في المدى القريب.
الخاتمة
نجح التخطيط الأوكراني للهجمات في العمق الروسي بفضل مزيج من الذكاء الاستخباراتي والمعلوماتي، والتكنولوجيا المتقدمة، والدعم الغربي والأمريكي، والتكتيك المفاجئ.
لقد مثّل هذا الهجوم تحولًا نوعيًا في الصراع، وأثبت أن ميدان الحرب الروسية الأوكرانية لم يعد تقليديًا، بل دخل عصر الحروب الهجينة التي تجمع بين المسيّرات والاستخبارات والتقنيات السيبرانية والحرب النفسية.
ورغم نجاح أوكرانيا، فإن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي، وقد ترد بتصعيد يوسّع نطاق الحرب ويعقّد مساعي التفاوض. ومع ذلك، فقد كشف هذا الهجوم أن لا منطقة في العالم باتت آمنة من الضربات، وأن المسافة الجغرافية في الحروب الحديثة لم تعد معيارًا للأمان، بل أصبحت معيارًا جديدًا في ميزان الردع الاستراتيجي.