الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف ستنتهي الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في غزة؟ وما النتائج المتوقعة لكل من الطرفين؟

من سلسلة «الحرب على غزة» – كُتب في أيار 2025

المقدمة

الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في غزة واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا وتجذّرًا في التاريخ الحديث. وعلى الرغم من أن جولات القتال بين إسرائيل وحركة حماس أو فصائل المقاومة في غزة تكررت مرارًا منذ عام 2008، فإن التصعيد الأخير، الذي بدأ بعد عملية «طوفان الأقصى» في تشرين الأول/أكتوبر 2023، تجاوز كل التقديرات العسكرية والسياسية.

لقد تحولت الحرب الإسرائيلية مع حماس إلى مأساة إنسانية كبرى، وأزمة إقليمية شاملة، ومعركة إرادات غير مسبوقة بين طرفين (إسرائيل وفلسطين) يتبادلان الهجمات والاتهامات، ويختلفان في الرؤى والمصالح اختلافًا جوهريًّا.

وتبدو الإجابة عن سؤال «كيف ستنتهي هذه الحرب؟» مرتبطة بعدة عوامل مركّبة، هي:

1- موازين القوة العسكرية.

2- التحولات السياسية الإقليمية والدولية.

3- حجم الكارثة الإنسانية.

4- المواقف الأمريكية والعربية.

وعلى الرغم من أن الحرب لا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذا التحليل، فإن السيناريوهات المستقبلية والنتائج المتوقعة بدأت تتبلور في الأفق.

لذلك سنقسم الإجابة إلى خمسة محاور:

أولًا: طبيعة الحرب الحالية ومستواها.

ثانيًا: سيناريوهات إنهاء الحرب.

ثالثًا: النتائج المحتملة على الجانب الفلسطيني (غزة).

رابعًا: النتائج المتوقعة على الجانب الإسرائيلي.

خامسًا: النتائج الإقليمية والدولية.

أولًا: طبيعة الحرب الحالية (إسرائيل على غزة) ومستواها

العملية التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولت إلى حرب شاملة تجاوزت كل الجولات السابقة من حيث:

1- الكثافة في تدمير غزة بالقصف الجوي والمدفعي

  1. شنّت إسرائيل آلاف الغارات الجوية والبرية على غزة، ودمّرت البنية التحتية والمستشفيات والجامعات والشوارع.

  2. ردّت المقاومة الفلسطينية بإطلاق آلاف الصواريخ على إسرائيل، ونفّذت عمليات عبر الأنفاق والطائرات المسيّرة.

2- الأبعاد السياسية للحرب الإسرائيلية على غزة

  1. خرجت الحرب من إطارها الأمني وأصبحت معركة لتغيير الواقع السياسي في غزة.

  2. أعلنت الحكومة الإسرائيلية اليمينية بقيادة نتنياهو أن هدفها «تدمير حماس ومنع سيطرتها على غزة مستقبلًا»، بينما ترى حماس أن المعركة دفاع عن الشعب الفلسطيني وحقه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

3- الموقف الدولي من حرب إسرائيل على غزة

  1. لأول مرة شهدنا انقسامًا عالميًّا واضحًا؛ إذ دعمت الولايات المتحدة إسرائيل دعمًا كاملًا، بينما ارتفعت أصوات في أوروبا والعالم العربي تطالب بوقف إطلاق النار في غزة.

  2. اتهمت محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة ومنظماتٌ حقوقية إسرائيلَ بارتكاب جرائم حرب، وزادت الضغوط من الرأي العام العالمي.

ثانيًا: سيناريوهات إنهاء حرب إسرائيل على غزة

هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لنهاية حرب إسرائيل على غزة، هي:

1- السيناريو الأول: التسوية عبر الوسطاء (الأكثر ترجيحًا)

  1. تدخّل أمريكي مصري قطري مشترك لإنهاء القتال من خلال اتفاق تهدئة بين الطرفين.

  2. الاتفاق على وقف إطلاق النار مقابل إدخال مساعدات إنسانية لأهالي غزة، والإفراج عن الأسرى.

  3. بقاء الوضع الميداني في غزة دون تغيير جوهري، مع بقاء حماس في حكم غزة ولكن بشكل غير معلن.

  4. تشكيل «هيئة حكم مدني مؤقتة» في غزة بدعم دولي لإدارة الشأن الإنساني فيها.

2- السيناريو الثاني: الحسم العسكري الإسرائيلي (الأقل احتمالًا ولكنه مطروح)

  1. تواصل إسرائيل حربها حتى «سحق حماس بالكامل»، وتدخل كل مناطق غزة.

  2. تصفية معظم قيادات المقاومة الفلسطينية.

  3. تعلن إسرائيل إقامة إدارة مدنية في غزة، أو تسليمها للسلطة الفلسطينية أو لقوة دولية.

وهذا السيناريو الثاني مكلف جدًّا، وسيتطلب احتلالًا طويل الأمد، وسيسبب تمردًا داخليًّا في فلسطين ومقاومة فلسطينية مستمرة.

3- السيناريو الثالث: الاستنزاف والجمود (احتمال متوسط)

  1. لا يُتوصل إلى اتفاق نهائي بين إسرائيل وحماس.

  2. يستمر قتال إسرائيل في غزة بوتيرة منخفضة، وتنقسم غزة إلى مناطق تسيطر عليها إسرائيل وأخرى بيد المقاومة الفلسطينية (حماس).

  3. تتجمد حرب إسرائيل في غزة في حالة شبيهة بالوضع في سوريا أو في جنوب لبنان بعد عام 2006.

ثالثًا: النتائج المحتملة على الجانب الفلسطيني

1- الخسائر الميدانية والإنسانية في غزة

  1. دمار واسع في البنية التحتية لغزة: شبكات الكهرباء والمياه والمستشفيات والمدارس.

  2. أكثر من 50 ألف شهيد و150 ألف جريح (بحسب آخر التقديرات)، معظمهم من المدنيين الفلسطينيين.

  3. تهجير داخلي واسع في غزة، وانتقال مئات الآلاف من أهاليها نحو رفح أو جنوب القطاع.

2- مصير المقاومة

  1. حتى لو دُمّرت معظم البنية العسكرية لحماس في غزة، تبقى الفكرة حيّة لدى أهالي غزة وفلسطين، ويُعاد تشكيل المقاومة الفلسطينية بأشكال أخرى.

  2. قد تظهر مجموعات مقاومة فلسطينية جديدة، بعضها أكثر تشددًا.

  3. أما إذا استمرت حماس، فستتحول إلى حركة مقاومة تحت الأرض، مع تقلّص نفوذها العلني في غزة.

3- الوضع السياسي في غزة

  1. قد يفرض المجتمع الدولي «إدارة مدنية مؤقتة» تشمل السلطة الفلسطينية والأمم المتحدة، وربما وجوهًا فلسطينية محلية.

  2. قد تكون هناك محاولة لإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة.

4- التأثير الشعبي في غزة

  1. ارتفاع كبير في الروح الوطنية الفلسطينية، والتمسك بالمقاومة خيارًا شعبيًّا لفلسطين، بسبب الوحشية التي شنّت بها إسرائيل حربها على أهالي غزة.

  2. لكن في المقابل هناك إرهاق شعبي في غزة وفلسطين من الحصار الإسرائيلي والدمار والمآسي، ما قد يُنتج أيضًا تيارات فلسطينية تطالب بالحلول السياسية.

رابعًا: النتائج المتوقعة على الجانب الإسرائيلي من الحرب على غزة

1- الخسائر العسكرية والأمنية في إسرائيل

  1. سقطت آلاف الصواريخ الفلسطينية التي أطلقتها حماس على إسرائيل، وأثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها على اختراق «القبة الحديدية» الإسرائيلية.

  2. خسائر عسكرية كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، خصوصًا في حرب الشوارع داخل غزة.

2- الفشل السياسي الإسرائيلي

  1. فشلت حكومة نتنياهو في منع الحرب رغم وجود مؤشرات مسبقة.

  2. أدى الفشل في تحرير الرهائن الإسرائيليين في غزة إلى استمرار المعركة فيها، وإلى تراجع شعبية الحكومة داخل إسرائيل.

  3. قد تسقط حكومة نتنياهو بعد الحرب على غزة تحت ضغط الرأي العام والتحقيقات.

3- الوضع الداخلي الإسرائيلي

  1. انقسام شعبي عميق في إسرائيل بين مؤيدي الحرب ومعارضيها.

  2. تدهور العلاقات بين اليهود والعرب داخل إسرائيل.

  3. تصاعد ظاهرة رفض الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي.

4- العزلة الدولية لإسرائيل

  1. فقدت إسرائيل جزءًا من شرعيتها الأخلاقية بعد مشاهد المجازر والفضائح اللاإنسانية في غزة.

  2. تواجه حملات مقاطعة أكاديمية واقتصادية عالمية.

  3. تتزايد المطالب داخل إسرائيل وفي العالم بمحاكمة قادة الجيش أمام المحكمة الجنائية الدولية.

خامسًا: النتائج الإقليمية والدولية للهجوم الإسرائيلي على غزة

1- تغيّر المزاج العربي

  1. عودة القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد العربي بعد سنوات من التهميش.

  2. تعاطف شعبي غير مسبوق مع غزة في العالم العربي والإسلامي والعالم الغربي.

  3. تراجع زخم التطبيع مع إسرائيل، وتأجيل مشاريع سياسية (مثل التطبيع السعودي).

2- صعود الدور القطري المصري في حل مشكلة غزة وحماس

  1. أصبحت قطر ومصر لاعبَين أساسيَّين في الوساطة بين إسرائيل وحماس.

  2. عزّزت هذه الحرب مكانة القاهرة والدوحة بوصفهما حاضنتين ضروريتين لأي حل بين الطرفين.

3- ارتباك الموقف الأمريكي بسبب هجوم إسرائيل على غزة

  1. دعمت إدارة بايدن إسرائيل دعمًا مطلقًا، مما تسبب في تراجع شعبيتها محليًّا ودوليًّا.

  2. تصاعدت الأصوات المعارضة داخل الكونغرس الأمريكي، خاصة بين الشباب واليسار التقدمي.

  3. ستضطر واشنطن إلى مراجعة سياساتها تجاه إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

4- تدويل الملف الفلسطيني

  1. دخول الصين وروسيا مؤيدتين للموقف الفلسطيني في مجلس الأمن.

  2. إعادة طرح فكرة «مؤتمر دولي للسلام»، أو تشكيل قوة حماية دولية لغزة.

  3. قد تُفرض على إسرائيل قرارات دولية، خاصة إذا استمرت المجازر في غزة.

الخاتمة

لن يكون انتهاء الحرب في غزة مجرد لحظة توقف لإطلاق النار، بل سيكون لحظة تحول في شكل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ فسواء انتهت بتسوية سياسية أو باستمرار الاستنزاف أو بحسم عسكري، فإن آثارها العميقة ستظل حاضرة لعقود قادمة.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فقد دفعت غزة ثمنًا باهظًا، لكنها في المقابل أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الصراع العالمي، ورسّخت فكرة أن الشعب الفلسطيني، رغم الحصار والدمار، لا يمكن تجاوزه.

وأما إسرائيل فستخرج من الحرب بجرح أخلاقي عميق وعزلة سياسية غير مسبوقة، وستضطر إلى إعادة النظر في سياساتها الأمنية وفي علاقتها مع العالم.

وفي النهاية، لا يمكن لأي حرب أن تُنهي قضية عادلة، والسلام الحقيقي لا يُبنى على أشلاء المدن، بل على الاعتراف بالحقوق القومية والإنسانية والمجتمعية، وعلى العدالة والكرامة الإنسانية.