الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف ستنتهي الحرب الروسية الأوكرانية رغم مفاوضات إسطنبول والهجوم الأوكراني على المطارات الروسية؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في حزيران 2025

المقدمة

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 24 شباط/فبراير 2022، أصبح هذا النزاع من أكثر الحروب تأثيرًا في السياسة الدولية والعالم، ليس فقط بسبب عنفه وأبعاده الجيوسياسية، بل لأنه فجّر صراعًا مفتوحًا بين روسيا من جهة والغرب وأمريكا من جهة أخرى، وجعل أوكرانيا ساحة لتصفية حسابات استراتيجية بين موسكو وحلف الناتو (حلف شمال الأطلسي).

وبينما استمرت العمليات العسكرية الروسية الأوكرانية بوتيرة عالية، جرت في الخلفية سلسلة من المحادثات والمفاوضات، أشهرها تلك التي رعتها تركيا في إسطنبول، بهدف التوصل إلى تسوية توقف الحرب وتعيد الاستقرار إلى المنطقة.

لكن مع كل جولة مفاوضات كانت تطرأ تطورات ميدانية تُصعّب الحلول السياسية، وآخرها الهجوم الأوكراني غير المتوقع على المطارات الروسية في العمق الروسي، مما رفع مستوى التوتر وجعل القيادة الروسية أكثر تصلبًا.

فهل يمكن بعد ذلك الحديث عن نهاية قريبة للحرب الروسية الأوكرانية؟ وإذا كان ذلك ممكنًا، فكيف سيتم؟ وما طبيعة السيناريوهات الواقعية لإنهاء هذا النزاع؟

أولًا: قراءة في واقع الحرب والمفاوضات

1- طبيعة الحرب

هي حرب هجينة بكل معنى الكلمة، تشمل:

  1. معارك تقليدية برية وجوية وبحرية.

  2. استخدامًا واسعًا للطائرات المسيّرة والصواريخ الذكية.

  3. حربًا إعلامية ونفسية.

  4. عقوبات اقتصادية غير مسبوقة.

  5. دعمًا غربيًّا وأمريكيًّا وماليًّا هائلًا لأوكرانيا.

  6. محاولات روسية للضغط بالغاز والطاقة.

2- المفاوضات الروسية الأوكرانية في إسطنبول

  1. انطلقت منذ الأشهر الأولى للحرب، ولعبت تركيا دور الوسيط المقبول من الطرفين الروسي والأوكراني.

  2. حققت تقدمًا نسبيًّا في بعض الملفات، مثل تصدير الحبوب وتبادل الأسرى بين الطرفين.

  3. لكن تركيا فشلت في حل جذور الصراع المتعلقة بـ«السيادة الأوكرانية» و«أمن روسيا».

3- الهجوم الأوكراني الأخير على العمق الروسي

  1. شكّل الهجوم الأوكراني الأخير على مطارات استراتيجية روسية تحديًا لهيبة موسكو العسكرية.

  2. أعاد مسألة أمن الأراضي الروسية إلى طاولة النقاش السياسي.

  3. أعطى موسكو ذريعة لتوسيع ضرباتها على أوكرانيا، وقلّل الثقة في جدية كييف التفاوضية.

ثانيًا: لماذا تصعب التسوية السياسية بين روسيا وأوكرانيا رغم الوساطة التركية؟

1- تعارض جوهري في أهداف الطرفين الروسي والأوكراني

  1. روسيا تريد أوكرانيا محايدة ومنزوعة السلاح، تعترف بضم القرم ودونباس إلى روسيا.

  2. أوكرانيا تطالب بانسحاب روسي كامل، وبتعويضات، وبضمانات أمنية دولية.

  3. لا توجد نقطة تقاطع بين الحد الأدنى لمطالب كل طرف منهما.

2- غياب الثقة بين روسيا وأوكرانيا

  1. روسيا تعتبر أوكرانيا أداة بيد حلف الناتو، وأن التفاوض مع كييف هو تفاوض بالوكالة مع الغرب وأمريكا.

  2. أوكرانيا لا تثق بروسيا بعد تجارب اتفاقات سابقة (مثل اتفاقيات مينسك التي لم تُنفَّذ).

  3. الهجوم الأوكراني الأخير على المطارات زاد من فقدان الثقة، خاصة لدى الروس.

3- حسابات داخلية للطرفين الروسي والأوكراني

  1. بوتين لا يستطيع تقديم تنازلات كبرى دون أن يخسر هيبته الداخلية.

  2. زيلينسكي لا يستطيع القبول بالشروط الروسية دون أن يخسر دعم الغرب وأمريكا، أو حتى موقعه السياسي.

  3. كل طرف منهما مقيّد سياسيًّا وشعبيًّا.

4- العامل الغربي والأمريكي

  1. الولايات المتحدة وبريطانيا تريان أن استمرار الحرب يُضعف روسيا عسكريًّا واقتصاديًّا.

  2. بعض دول أوروبا تفضّل الحل السياسي، لكن ليس على حساب وحدة أوكرانيا.

  3. الدعم الغربي والأمريكي لا يشجع كييف على تقديم تنازلات لروسيا.

ثالثًا: ما السيناريوهات المحتملة لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية رغم التصعيد الأخير؟

في ظل هذه المعطيات، ورغم التصعيد الأخير المتمثل في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي، يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وهي:

1- السيناريو الأول: التسوية المرحلية تحت ضغط التعب والإرهاق العسكري للطرفين

  1. قد تصل روسيا وأوكرانيا إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب سيؤدي إلى استنزاف خطير لكل منهما.

  2. عندها يمكن التوصل إلى اتفاق مرحلي يتضمن:

    • وقف إطلاق نار مؤقت.

    • رسم حدود إدارية مؤقتة للسيطرة العسكرية.

    • تبادل الأسرى والمساعدات الإنسانية.

    • بدء حوار سياسي طويل الأمد برعاية أممية أو تركية.

  3. يزداد احتمال هذا السيناريو إذا تبيّن أن القوات الأوكرانية لا تستطيع استعادة مزيد من الأراضي، أو أن روسيا عاجزة عن التقدم في دونيتسك وزابوروجيا.

2- السيناريو الثاني: فرض تسوية عبر ضغوط دولية مشتركة

  1. قد تتدخل قوى عالمية كبرى (مثل الصين وتركيا وألمانيا) لإقناع الطرفين بقبول تسوية بينهما.

  2. قد تمارس واشنطن ضغطًا على زيلينسكي لعدم استهداف العمق الروسي.

  3. قد تضغط الصين على روسيا لقبول هدنة تحفظ ماء الوجه.

  4. قد تشمل هذه التسوية:

    • تجميد الحرب دون حسم نهائي.

    • نشر قوات دولية في بعض مناطق القتال.

    • العودة إلى اتفاق الحبوب والتفاهمات التقنية.

  5. هذا السيناريو مرهون بتفاهمات أمريكية صينية، وبرغبة مشتركة في منع انزلاق الحرب نحو مواجهة أكبر.

3- السيناريو الثالث: اتفاق تحت التهديد النووي الروسي أو الكارثة الإنسانية

  1. إذا قررت روسيا تصعيدًا غير مسبوق (كأن تلوّح باستخدام سلاح نووي تكتيكي)، فقد يُجبَر الغرب وأمريكا على الضغط لوقف الحرب فورًا.

  2. وكذلك إذا ضربت روسيا هدفًا تنجم عنه كارثة إنسانية أو بيئية، مثل قصف محطة نووية كبرى، فقد يصبح وقف الحرب ضرورة عالمية.

  3. هنا يُفرض حل سريع تحت مظلة مجلس الأمن (الأمم المتحدة) أو مؤتمر سلام دولي طارئ.

4- السيناريو الرابع: تجميد النزاع الروسي الأوكراني وتحويله إلى نزاع مزمن

  1. لا اتفاق ولا سلام، ولكن لا تقدم عسكري أيضًا.

  2. تُثبَّت خطوط الاشتباك، مع استمرار المناوشات الحدودية بين الطرفين في فترات منتظمة.

  3. كما حصل بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، أو بين الهند وباكستان.

  4. يحتفظ كل طرف بمناطق نفوذه، وتُدار الحرب عبر الحصار والمعلومات والحروب السيبرانية.

  5. هذا السيناريو محتمل في حال فشلت مفاوضات إسطنبول، ولم يتمكن أي طرف من حسم الموضوع بالتفاوض.

رابعًا: هل يُجهض الهجوم الأوكراني على المطارات في العمق الروسي الحل السياسي بين الطرفين؟

في الظاهر نعم، لكنه على المدى البعيد قد يدفع روسيا إلى التفكير في «خيار تفاوضي آمن»، لأن:

  1. موسكو تدرك أن العمق الروسي لم يعد محصنًا، مما يعني أن الحرب قد تصل إلى مدن روسية كبرى كالعاصمة موسكو أو سانت بطرسبرغ.

  2. إذا ازدادت الهجمات والضربات الأوكرانية على البنية التحتية الروسية (مثل السكك الحديدية والمصانع والمطارات)، فستضعف الجبهة الداخلية الروسية.

  3. قد يستخدم الكرملين «التصعيد المحدود» ورقةَ ضغط لإجبار كييف على العودة إلى طاولة التفاوض.

  4. وقد تُستخدم مثل هذه الهجمات والضربات الأوكرانية في العمق الروسي لتبرير «حل مشرّف» داخليًّا، بذريعة «الحفاظ على أمن الوطن»، من خلال وقف العمليات لا الانسحاب.

خامسًا: ما دور تركيا ومفاوضات إسطنبول بعد التصعيد الأخير في العمق الروسي؟

  1. تظل تركيا وسيطًا محوريًّا بحكم علاقاتها المتوازنة مع موسكو وكييف.

  2. لكنها قد تواجه بعد الهجوم الأوكراني الأخير في العمق الروسي صعوبة في إقناع الروس بالعودة إلى طاولة المفاوضات فورًا.

  3. ومع ذلك ستستمر إسطنبول منصةً خلفية للتفاهمات التقنية والإنسانية، بانتظار «لحظة نضج سياسي» للصفقة الكبرى.

  4. قد تطرح تركيا «خارطة طريق جديدة» للطرفين، تشمل:

    • وقف الهجمات على المنشآت النووية والاستراتيجية.

    • التزام أوكرانيا بعدم استخدام المسيّرات لضرب العمق الروسي.

    • تشكيل لجنة دولية لمراقبة وقف إطلاق النار.

    • عقد مؤتمر دولي للسلام في إسطنبول أو جنيف.

سادسًا: ما الذي يمكن أن يُسرّع إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية؟

  1. تراجع الدعم الغربي: إذا تراجعت واشنطن عن تزويد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، فستُجبَر كييف على التفاوض.

  2. أزمة اقتصادية داخل روسيا أو أوكرانيا: قد يدفع انهيار اقتصادي مفاجئ أو اضطرابات اجتماعية القيادةَ السياسية في أحد البلدين إلى القبول بتسوية.

  3. تغيير في القيادة السياسية في روسيا أو أوكرانيا: لو غادر بوتين السلطة، أو تغيرت القيادة في كييف، فقد تظهر فرصة لخطاب جديد أكثر مرونة.

  4. تهديد نووي روسي واقعي، أو حدوث كارثة بيئية (مثل انفجار في محطة زابوروجيا): قد يدفع ذلك العالم إلى فرض وقف فوري للحرب.

الخاتمة

إن إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية في ظل التطورات الحالية، وخاصة بعد التصعيد الأوكراني الأخير في العمق الروسي، ليس مستحيلًا، ولكنه يتطلب توافر عناصر متعددة، أهمها الإرادة السياسية لدى الطرفين، والوعي الاستراتيجي بأن الحسم العسكري الكامل لم يعد ممكنًا لأي منهما.

لقد زاد الهجوم الأوكراني على المطارات في العمق الروسي من تعقيد الموقف، لكنه قد يكون دافعًا للروس إلى تأمين حدودهم عبر مفاوضات مدروسة. وفي المقابل، إذا أدركت كييف أن الهجمات على العمق الروسي قد تؤدي إلى رد فعل كارثي، فقد تميل إلى تسوية تضمن لها دعمًا غربيًّا وأمريكيًّا مستدامًا بدل الدخول في مغامرات غير محسوبة.

ولا تزال الوساطة التركية، رغم تعثرها، الأمل الأكثر واقعية، بشرط أن تتوافر ضمانات دولية من قوى كبرى محايدة مثل الصين والهند، وأن يُربط الأمن الروسي بالسيادة الأوكرانية في حزمة سياسية شاملة.

وعليه، فإن الحرب الروسية الأوكرانية لن تنتهي عندما يسقط أحد الطرفين، بل عندما يدرك كلاهما أن «الربح بالتفاوض» أصبح أجدى من «الربح بالدمار».