الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف سيكون الرد الروسي على الهجوم الأوكراني على المطارات والطائرات الاستراتيجية الروسية؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في حزيران 2025

المقدمة

يشكّل الهجوم الأوكراني الأخير على المطارات الروسية البعيدة في العمق الروسي حدثًا مفصليًّا في مسار الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا منذ شباط/فبراير 2022.

لقد استطاعت القوات الأوكرانية استخدام طائرات مسيّرة طويلة المدى وصواريخ بعيدة المدى (بعضها أو أكثرها بتكنولوجيا غربية متطورة) لضرب مطارات عسكرية روسية في مناطق تعتبرها موسكو «عمقًا استراتيجيًّا آمنًا»، ومن بينها قواعد تُستخدم لإطلاق قاذفات القنابل البعيدة المدى والطائرات النووية فقط.

وتتباين التقييمات بشأن هذا الهجوم: هل يمثل تصعيدًا نوعيًّا في قدرات أوكرانيا، أم خرقًا محرجًا للدفاعات الروسية؟ والأهم: ما طبيعة الرد الروسي المتوقع عليه؟ وهل سيكون محدودًا أم تصعيديًّا شاملًا؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، سنحلل أولًا خلفية الهجوم، ثم ندرس طبيعة الأهداف الروسية التي تعرضت للضرب بالمسيّرات الأوكرانية، وننتقل إلى قراءة مواقف القيادة الروسية، قبل أن نعرض السيناريوهات المتوقعة للرد الروسي على أوكرانيا، ضمن إطار استراتيجي وعسكري وسياسي.

أولًا: خلفية الهجوم الأوكراني

1- توقيت الهجوم الأوكراني على العمق الروسي

جاء الهجوم في وقت حساس، إذ كانت روسيا تكثف ضرباتها على البنية التحتية الأوكرانية، خصوصًا منشآت الطاقة. كما تزامن مع تسريبات حول تراجع نسبي في الدعم الغربي لأوكرانيا، فأرادت كييف من خلاله إظهار قوة هجومية جديدة لطمأنة داعميها (أمريكا وأوروبا الغربية).

2- طبيعة الهجوم الأوكراني على العمق الروسي

  1. استُخدمت طائرات مسيّرة بعيدة المدى (من طراز UJ-22، وربما طائرات محلية الصنع مطوّرة بمساعدة غربية).

  2. وقعت الضربات في عمق الأراضي الروسية، في مناطق مثل ساراتوف وإنغلس وكورسك، وربما تولا.

  3. استهدف الهجوم الأوكراني قواعد روسية تضم طائرات «تو-95» و«تو-160»، وهي طائرات استراتيجية قادرة على حمل رؤوس نووية.

  4. أُصيب عدد من الطائرات الاستراتيجية الروسية، وسُجّلت إصابات بشرية محدودة بحسب الرواية الروسية.

3- الأهمية الاستراتيجية للهجوم الأوكراني في العمق الروسي

  1. شكّل هذا الهجوم أول اختراق كبير للحدود السيادية الروسية في العمق منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية.

  2. أرسلت أوكرانيا رسالة بأن قواتها قادرة على تجاوز الحدود الروسية والنفاذ إلى «القلب العسكري الروسي».

  3. أثار هذا الهجوم جدلًا داخليًّا في روسيا بشأن كفاءة الدفاعات الجوية والردع التقليدي الروسي.

ثانيًا: دلالات الهجوم الأوكراني في العمق الروسي من وجهة النظر الروسية

1- اختراق أوكراني لسيادة الدولة النووية (روسيا)

  1. يُعدّ هذا الهجوم إهانة مباشرة لهيبة الجيش الروسي، ويُضعف فكرة أن الداخل الروسي محصّن.

  2. ويشير إلى أن خطوط الإمداد والمراكز الاستراتيجية الروسية باتت مهددة.

2- تهديد أوكراني للردع النووي التقليدي الروسي

  1. إن استهداف أوكرانيا قاذفات روسية قادرة على حمل رؤوس نووية قد يُفسَّر في موسكو على أنه تهديد للردع الاستراتيجي الروسي.

  2. ترى موسكو أن قواعد مثل إنغلس وساراتوف يجب أن تكون خطًّا أحمر أمام أي هجوم، أوكرانيًّا كان أو غيره.

3- اتهامات ضمنية للغرب بالمشاركة في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي

  1. رغم أن كييف هي التي نفذت الهجوم والضربات، فإن روسيا تُلمّح إلى أن معلومات الأقمار الصناعية الغربية والتكنولوجيا الأمريكية والبريطانية أدّت دورًا كبيرًا في هذا الهجوم.

  2. وقد صرّح بوتين سابقًا بأن أي دعم تقني مباشر لأوكرانيا يسمح بضرب الداخل الروسي سيُعدّ تصعيدًا مباشرًا.

ثالثًا: كيف سيكون الرد الروسي على أوكرانيا بعد الهجوم في العمق الروسي؟ (قراءة في الاحتمالات)

استنادًا إلى تجارب سابقة وإلى منهجية القيادة الروسية، يمكن توقع أربعة سيناريوهات رئيسية، هي:

1- السيناريو الأول: الرد الانتقامي الروسي الواسع على أوكرانيا (ضربات شاملة)

  1. وهو الأكثر احتمالًا على المدى القريب.

  2. ستشن روسيا ضربات صاروخية وجوية مركزة على مواقع استراتيجية أوكرانية مهمة، خاصة قواعد الطائرات المسيّرة ومخازن الأسلحة الغربية في أوكرانيا.

  3. يُتوقع أن تستخدم صواريخ «كاليبر» و«كينجال» الأسرع من الصوت، وربما قاذفات «تو-95» نفسها لضرب أوكرانيا.

  4. قد تشمل الضربات منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، تكرارًا لنهج «الشتاء الأسود» في 2022–2023.

2- السيناريو الثاني: استهداف روسي مباشر لصناع القرار في أوكرانيا

  1. قد تقوم روسيا بمحاولات لاغتيال قادة عسكريين أو قادة في جهاز المخابرات الأوكراني (SBU) المسؤول عن تنفيذ العمليات النوعية ضد روسيا.

  2. وقد فعلت روسيا ذلك سابقًا مع ضباط أوكرانيين بارزين.

3- السيناريو الثالث: توسيع روسيا جبهة القتال البرية في أوكرانيا

  1. قد تستغل روسيا الحادث لتبرير فتح جبهة جديدة، سواء من بيلاروسيا شمالًا، أو عبر تكثيف الهجوم في دونيتسك وزابوروجيا.

  2. وقد تصعّد موسكو بهدف احتلال أراضٍ أوكرانية إضافية تستخدمها لاحقًا ورقةَ ضغط وتفاوض.

4- السيناريو الرابع: رد روسي غير مباشر على الغرب وأوروبا

  1. توجيه روسيا تهديدات جديدة لحلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع دول أوروبية غربية متورطة في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي.

  2. زيادة الهجمات الإلكترونية على منشآت غربية، أو استخدام مرتزقة «فاغنر» في بؤر نزاع أخرى (إفريقيا، سوريا، القوقاز).

  3. إجراء تدريبات نووية استعراضية في البحر الأبيض المتوسط أو المحيط المتجمد الشمالي.

رابعًا: كيف يبرر الكرملين رده داخليًّا؟

  1. سيصوّر الكرملين الرد جزءًا من «حرب وجودية» تخوضها روسيا ضد الناتو، وليس ضد أوكرانيا فقط.

  2. ستحشد وسائل الإعلام الروسية التأييد الشعبي بخطاب وطني، مع التشكيك في حياد المنظمات الدولية (الأمم المتحدة ومجلس الأمن).

  3. قد تستغل روسيا الحادث لفرض تشديد أمني داخلي، وزيادة التجنيد، وربما إعادة تنشيط سياسة التعبئة الجزئية أو الكاملة.

خامسًا: ما حدود التصعيد الروسي بعد الهجوم الأوكراني على العمق الروسي؟

رغم قوة الرد الروسي المتوقع، فإن هناك حدودًا لن تتجاوزها موسكو في المدى القريب، منها:

1- الاستخدام النووي الروسي

  1. احتماله منخفض جدًّا؛ إذ إن استخدام السلاح النووي، ولو بشكل تكتيكي، سيجرّ تدخلًا مباشرًا من حلف الناتو، وهو ما تتجنبه روسيا.

  2. تبقى العقيدة النووية الروسية تنص على استخدام هذا السلاح فقط إذا تعرضت البلاد أو وجود الدولة الروسية لخطر حتمي.

2- مهاجمة روسيا دولَ حلف الناتو

  1. رغم اتهام موسكو بعض الدول الأوروبية الغربية بالتورط غير المباشر في الهجوم الأوكراني على العمق الروسي، فإن توجيه ضربات مباشرة لدول حلف شمال الأطلسي يعني دخول روسيا في صدام عالمي مفتوح.

  2. يدرك بوتين أن مهاجمة بولندا أو دول البلطيق مثلًا ستؤدي إلى تفعيل المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

3- القطع التام للعلاقات الدبلوماسية الروسية

  1. ستحتفظ روسيا بخيوط اتصال مع القوى الكبرى (خاصة الصين والهند وتركيا) لتجنب العزلة التامة.

سادسًا: النتائج المتوقعة على المدى المتوسط بالنسبة لروسيا

  1. تعزيز موسكو دفاعاتها الجوية حول المنشآت العسكرية، خصوصًا في العمق الروسي.

  2. تطوير رادارات وصواريخ اعتراضية موجهة ضد المسيّرات الدقيقة والطائرات الشبحية.

  3. استغلال روسيا الحدث للتشكيك في مصداقية أوروبا الغربية إذا ثبت ضلوعها في التخطيط للهجوم الأوكراني على العمق الروسي أو تمويله أو توجيهه.

  4. تسريع الهجمات السيبرانية الروسية ردًّا غير تقليدي على أوكرانيا.

  5. احتمال مطالبة الكرملين بحظر دولي على توريد صواريخ بعيدة المدى إلى أوكرانيا.

الخاتمة

إن الهجوم الأوكراني على مطارات روسية بعيدة داخل العمق الروسي نقطة تحول كبرى في مسار الحرب الروسية الأوكرانية؛ فقد كسر حاجز الردع الجغرافي، وأثبت أن كييف قادرة على إحداث مفاجآت استراتيجية حتى في ظل تفوق روسيا العسكري.

وفي المقابل، لن تتساهل موسكو مع هذا التطور الخطير عليها، وستسعى إلى توجيه ضربة انتقامية متعددة المستويات: عسكرية واستخباراتية وإعلامية، وربما سياسية. لكن هذا الرد سيكون محسوبًا، لأن موسكو لا تزال تدرك حدود التصعيد، خاصة في ظل غموض الموقف الغربي والأمريكي.

ويبقى المشهد مفتوحًا على مزيد من التصعيد الروسي، لكنه لن يُحسم ميدانيًّا أو سياسيًّا قريبًا، ما دام كل طرف يحاول تحسين مواقعه قبل أي مفاوضات محتملة، قد تكون طويلة الأمد.