الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

كيف يتم كشف الأهداف في الرادارات الإسرائيلية والإيرانية؟ وكيف تُوجَّه الأسلحة لإسقاطها؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 22 نيسان 2025

كيف يتم كشف الأهداف في الرادارات الإسرائيلية والإيرانية؟ وكيف يتم التعامل مع الهدف المكشوف (نوع الهدف)؟ وكيف يتم الإيعاز للأسلحة لإسقاطه؟ وهل هناك اختلاف في الأسلحة المستخدمة بحسب نوع الهدف؟

مقدمة

في الحروب الحديثة لا يبدأ أي تصعيد أو دفاع دون العين الإلكترونية التي تكشف وتحلّل وتحذّر، والرادار هو جوهر هذه العين. والسؤال المطروح يتعلق بكيفية عمل شبكات الرادار في إسرائيل وإيران، وكيف تتعامل هذه الشبكات مع الأهداف المعادية بمجرد اكتشافها، سواء كانت طائرات شبحية، أو مسيّرات، أو صواريخ كروز، أو صواريخ باليستية. وسنجيب عن السؤال في أربعة محاور:

  • أولًا: آلية كشف الأهداف في الرادارات الإسرائيلية والإيرانية.

  • ثانيًا: تحليل الهدف وتحديد نوعه.

  • ثالثًا: آلية الإيعاز للأسلحة.

  • رابعًا: اختلاف الأسلحة بحسب نوع الهدف.

أولًا: آلية كشف الأهداف في الرادارات الإسرائيلية والإيرانية

1. في إسرائيل

تمتلك إسرائيل شبكة رادارية متقدمة للغاية، مدعومة من الولايات المتحدة، تعتمد على أنواع مختلفة من الرادارات تعمل بترددات متعددة، وتشمل:

  • رادارات طويلة المدى: مثل Green Pine (للكشف البعيد للصواريخ الباليستية)، وتغطي حتى 1000 كلم.

  • رادارات متعددة المهام: مثل EL/M-2084 MMR، وتُستخدم للقبة الحديدية ومقلاع داوود.

  • رادارات أرضية تكتيكية: تنتشر على الحدود وفي العمق، وتتابع الأهداف الصغيرة والبطيئة.

آلية الكشف:

  • ترسل الرادارات إشارات كهرومغناطيسية في الهواء.

  • عندما تصطدم هذه الإشارات بجسم (طائرة أو صاروخ) تنعكس وتعود إلى جهاز الاستقبال.

  • تُحلَّل الإشارة المرتدة لتحديد المسافة والاتجاه والسرعة والارتفاع.

  • تُرسَل البيانات فورًا إلى مركز القيادة للتحليل الفوري.

2. في إيران

تعتمد إيران على رادارات طويلة ومتوسطة المدى، بعضها محلي وبعضها مطوَّر من نماذج روسية وصينية، ومن أبرزها:

  • رادار Sepehr: (أكثر من 2500 كلم) لرصد الأهداف العابرة للقارات.

  • رادار Ghadir: (مدى 1100 كلم) قادر على كشف الأهداف الشبحية وصواريخ كروز.

  • رادارا Kashef وMatla-ul-Fajr: متوسطا المدى ويُستخدمان على الحدود.

وآلية الكشف الإيرانية شبيهة بالإسرائيلية من حيث التقنية العامة، لكنها تختلف في الدقة وسرعة الاستجابة.

ثانيًا: تحليل الهدف وتحديد نوعه

بمجرد اكتشاف الهدف يُحلَّل وتُحدَّد فئته، وتُستخدم هنا خوارزميات متقدمة لتحليل ما يأتي:

  • البصمة الرادارية للهدف (Radar Cross Section): تميّز بين الطائرة العادية والطائرة الشبحية.

  • سرعة الهدف: المسيّرات عادة أبطأ من الطائرات النفاثة، وصواريخ كروز أبطأ من الصواريخ الباليستية.

  • الارتفاع والمسار: يُستخدمان لتقدير نوع السلاح المطلوب.

في إسرائيل:

  • تُرسَل المعلومات إلى غرفة التحكم الرئيسية التي تدير الشبكة الدفاعية C4I (Command, Control, Communications, Computers, and Intelligence).

  • يُصنَّف الهدف تلقائيًا في أقل من ثانيتين.

  • إذا كان الهدف خطيرًا ويقترب من المناطق الحساسة، يُعطى أمر فوري بالتصدي.

في إيران:

  • تعمل غرف القيادة ضمن «مراكز إدارة دفاع جوي مشتركة».

  • يتم التصنيف بمزيج من التحليل البشري والبرامج المؤتمتة.

  • يُتحقق من كون الهدف عدوًا حقيقيًا، أو طائرة مدنية، أو «هدفًا كاذبًا» (تشويشًا إلكترونيًا).

ثالثًا: آلية الإيعاز للأسلحة

في إسرائيل:

بمجرد تأكيد التهديد يتم:

  • إرسال الإحداثيات إلى أقرب منصة إطلاق.

  • اختيار المنصة بناءً على نوع الهدف (كما سنوضح لاحقًا).

  • إطلاق المنظومة الصاروخية الاعتراضية تلقائيًا أو بعد موافقة مشغّل بشري.

  • التوجيه عبر وصلة بيانات (Data Link) بين الرادار والصاروخ أثناء الطيران حتى لحظة إصابة الهدف.

أمثلة:

  • إذا رُصد صاروخ قصير المدى من غزة، تُفعَّل القبة الحديدية (Tamir Missile).

  • إذا رُصد صاروخ كروز متوسط المدى من سوريا، يُطلَق مقلاع داوود.

  • إذا رُصد صاروخ باليستي بعيد المدى من إيران، يُطلَق صاروخ Arrow-3.

في إيران:

آلية الإيعاز مشابهة من حيث الخطوات الأساسية:

  • يُرسَل الإنذار من الرادار إلى «وحدة السيطرة».

  • يُحدَّد النظام المناسب (خرداد 15، باور 373، تور M1، إلخ).

  • يُعطى أمر الإطلاق يدويًا أو آليًا.

  • يُوجَّه الصاروخ بالرادار النشط أو شبه النشط إلى الهدف.

رابعًا: اختلاف الأسلحة بحسب نوع الهدف

من المهم جدًا فهم أن كل نوع من الأهداف يتطلب سلاحًا محددًا:

  1. الطائرات المقاتلة:

    • إسرائيل: مقلاع داوود، أو PAC-2، أو منظومات جو–جو على مقاتلات F-35.

    • إيران: منظومة باور 373 (مدى 300 كلم)، وخرداد 15 (مدى 120 كلم).

  2. الطائرات الشبحية (مثل F-35):

    • إسرائيل: لا تواجه هذا التهديد عادة، لكن طائرات العدو تُستهدف بشبكة متعددة الرادارات لتضييق الخناق عليها.

    • إيران: تحاول استخدام رادارات VHF مثل Ghadir، وقد زعمت قدرتها على كشف F-35.

    • تُستخدم ضدها صواريخ دفاع جوي موجهة راداريًا ذات حساسية عالية.

  3. صواريخ كروز:

    • إسرائيل: مقلاع داوود مع رادار MMR لرصد المسارات المنخفضة، وقد تُستخدم منظومة القبة الحديدية عند الاقتراب.

    • إيران: قد تُستخدم منظومات مثل «طبس» أو «خرداد»، وهي مستوحاة من أنظمة روسية.

  4. الصواريخ الباليستية:

    • إسرائيل: منظومتا Arrow-2 وArrow-3، وتُداران عبر رادار Green Pine.

    • إيران: باور 373 وخرداد 15، لكن قدرتها على اعتراض الصواريخ الباليستية البعيدة المدى لا تزال محدودة.

  5. المسيّرات:

    • إسرائيل: تعتمد على شبكة القبة الحديدية، وأحيانًا على الطائرات الاعتراضية.

    • إيران: تمتلك منظومات خاصة مضادة للمسيّرات مثل Raad-2 و«الزهراء»، وتستخدمها بكثافة، خاصة على الحدود مع العراق وباكستان.

خاتمة

تؤدي الرادارات لدى كلٍّ من إسرائيل وإيران دورًا محوريًا في حماية المجال الجوي، وتُعدّ خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات: فهي تكشف، ثم تحلّل، ثم تُصدر الإنذار، وأخيرًا توجّه الصواريخ الدفاعية بحسب نوع التهديد. ويكمن الفرق في الكفاءة:

  • إسرائيل: تعتمد على رادارات متعددة المصادر، مع بنية مؤتمتة متقدمة قادرة على التصرف خلال ثوانٍ معدودة.

  • إيران: تطورت كثيرًا، خاصة في ظل العقوبات، لكنها لا تزال تعتمد على مزيج من التكنولوجيا الروسية والصينية والمحلية، وتظل قدرتها على التصدي للأهداف الشبحية أو الهجمات المعقدة موضع نقاش.

وفي النهاية، فإن اختلاف السلاح المستخدم بحسب نوع الهدف مبدأ جوهري في الدفاع الجوي الحديث، وهو ما تتبعه كلٌّ من إسرائيل وإيران ضمن حسابات معقدة تُدار لحظيًا عبر مراكز قيادة متقدمة.