الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

لماذا تسند أميركا وأوروبا إسرائيل بهذه الدرجة، ولا تحاسبها أي دولة؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025

لماذا تسند أميركا وأوروبا إسرائيل بهذه الدرجة، رغم علمهما باعتداءاتها وبعدم تنفيذها أي قرار تصدره الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو أي جهة دولية؟ ولماذا لا تهتمان بذلك، وهي تعتدي على سيادة دول مثل فلسطين (غزة) ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، ولا توجد دولة، ومنها الدول الكبرى (العظمى)، تحاسبها؟

مقدمة

تُعدّ العلاقة الفريدة بين إسرائيل من جهة، وكلٍّ من الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية من جهة أخرى، من أبرز الظواهر السياسية والدبلوماسية التي تُثير كثيرًا من الأسئلة والتأملات، خصوصًا في سياق الحروب المتكررة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين وعلى دول عربية وإسلامية أخرى، وسط تواطؤ أو صمت دولي، رغم مخالفتها الصريحة لمواثيق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.

ولعل هذا التساؤل الجوهري يُحيلنا إلى البحث في أربعة أطر مركزية:

  • الخلفية التاريخية لهذه العلاقة الغربية الإسرائيلية.

  • الأبعاد السياسية والأمنية والدينية التي تحكم هذه التحالفات.

  • المنظومة الدولية ومعايير القوة والمصالح.

  • الأسباب التي تُفسر فشل محاسبة إسرائيل دوليًا.

أولًا: الخلفية التاريخية لعلاقة إسرائيل بأميركا وأوروبا

  1. تأنيب الضمير الأوروبي بعد المحرقة (الهولوكوست): من أقوى المبررات التي بنت عليها أوروبا الغربية، خصوصًا ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، دعمها السياسي والمادي لإسرائيل الإحساسُ بالذنب بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة المحرقة النازية التي قُتل فيها نحو 6 ملايين يهودي.

    وبالتالي صُوِّر دعم قيام دولة لليهود في فلسطين عام 1948 واجبًا أخلاقيًا لتعويض اليهود عن مآسيهم التاريخية. وهذا الإحساس ما زال يؤثر في الذهنية الأوروبية رغم تغير الوقائع.

  2. إنشاء إسرائيل امتدادًا استراتيجيًا للغرب: خلال الحرب الباردة اعتُبرت إسرائيل رأس حربة غربية في منطقة الشرق الأوسط لمواجهة المد السوفييتي، خاصة بعد تزايد النفوذ الناصري والشيوعي في مصر وسوريا واليمن.

    وفي هذا السياق دُعمت إسرائيل باعتبارها «دولة ديمقراطية» في محيط «ديكتاتوري»، وصاحبة نظام سياسي «غربي الطابع»، ما زاد ارتباطها بأوروبا وأميركا.

  3. اللوبي الصهيوني داخل أميركا: للجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC) ولمجموعات ضغط يهودية أخرى تأثير قوي في صنّاع القرار في الكونغرس الأميركي، عبر تمويل الحملات الانتخابية وكتابة مشاريع القرارات، بل وحتى توجيه السياسة الخارجية الأميركية.

    وقد أدى هذا النفوذ الكبير إلى تحول دعم إسرائيل من موقف سياسي إلى «إجماع وطني» داخل المؤسسة الأميركية، ديمقراطية كانت أم جمهورية.

ثانيًا: الأبعاد السياسية والأمنية والدينية في تحالف إسرائيل والغرب

  1. إسرائيل حليفًا أمنيًا استراتيجيًا: تقدم إسرائيل نفسها لواشنطن والعواصم الأوروبية حليفًا يمكن الوثوق به، بسبب امتلاكها تكنولوجيا متطورة وقدرة استخباراتية عالية وخبرة طويلة في «مكافحة الإرهاب»، فضلًا عن دورها في مراقبة إيران وحزب الله وحماس.

    وهكذا تبيع إسرائيل معلومات استخباراتية للدول الأوروبية، وتنسق عمليات سرية، وتُسهم في تعزيز أمن أوروبا ضد الهجمات «الإرهابية»، مما يُعزز علاقتها بها على المستوى العملي.

  2. البعد الديني والإنجيلي في أميركا: جزء كبير من المسيحيين الإنجيليين في الولايات المتحدة، الذين يشكلون قاعدة انتخابية ضخمة للجمهوريين، يؤمنون بنبوءات دينية عن ضرورة قيام دولة إسرائيل شرطًا لعودة المسيح.

    وبالتالي فإن دعم إسرائيل ليس سياسة فقط، بل «عقيدة دينية» لدى هؤلاء، مما يدفع كثيرًا من السياسيين إلى تبنيه لكسب أصواتهم.

  3. المصالح الاقتصادية والتكنولوجية: إسرائيل من أكثر الدول تقدمًا في مجالات الأمن السيبراني والتكنولوجيا العسكرية والذكاء الاصطناعي، وتُصدّر أسلحة إلى عشرات الدول الأوروبية.

    وبذلك أصبحت إسرائيل شريكًا اقتصاديًا لا يمكن الاستغناء عنه في قطاعات حيوية، ما يجعل المصالح تطغى على الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية.

ثالثًا: المنظومة الدولية ومعايير القوة والمصالح

  1. مجلس الأمن وهيمنة حق الفيتو: من أبرز مظاهر التحيز لإسرائيل استخدام الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) عشرات المرات ضد قرارات تدين إسرائيل أو تطالبها بوقف اعتداءاتها، ما يُفرغ قرارات مجلس الأمن من مضمونها.

    وهذا الهيكل غير العادل في الأمم المتحدة يُجسد فشل النظام الدولي في ضمان محاسبة القوى المدعومة من الغرب.

  2. القانون الدولي ليس مُلزمًا للقوي: بينما يُحاسب القانون الدولي الضعفاء (مثل العراق وليبيا والسودان)، يُفلت الأقوياء (مثل أميركا وإسرائيل) من أي محاسبة، لأن المنظومة الحالية مبنية على موازين القوى لا على القيم أو المبادئ.

    فإسرائيل قوة نووية مدعومة أميركيًا، ما يجعل أي محاولة لمحاسبتها بمثابة صراع مع واشنطن نفسها.

  3. ازدواجية المعايير الغربية: يتحدث الغرب عن «حقوق الإنسان» و«سيادة الدول»، لكنه يتجاهل هذه المبادئ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي تخرقها يوميًا في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.

    وهذا التناقض يفضح الطابع «الأداتي» للقيم الغربية، التي تُستخدم لتبرير التدخل حين يناسب ذلك المصالح، وتُهمل حين تتعارض مع مصالح الحلفاء مثل إسرائيل.

رابعًا: لماذا لا تُحاسَب إسرائيل رغم الاعتداءات؟

  1. الحماية الأميركية المطلقة: ما دامت أميركا توفر الحماية الكاملة لإسرائيل في كل المحافل الدولية، فإن أي محاولة لمحاكمتها أو فرض عقوبات عليها ستُجهض فورًا، سواء في مجلس الأمن أو في المحكمة الجنائية الدولية.

  2. انقسام العالم العربي وضعف الرد الجماعي: لا يملك العالم العربي والإسلامي موقفًا موحدًا تجاه إسرائيل، بل إن بعض الدول أقامت علاقات تطبيع علنية معها، مما يُضعف أي ضغط إقليمي أو دبلوماسي ضدها.

  3. غياب إرادة حقيقية في أوروبا: رغم أن بعض الحكومات الأوروبية تنتقد سياسات إسرائيل، فإن هذه الانتقادات غالبًا ما تبقى رمزية، ولم تفرض أي دولة أوروبية عقوبات حقيقية على تل أبيب، بسبب مصالحها المتداخلة معها.

  4. تطبيع الاعتداءات: مع مرور الوقت باتت الاعتداءات الإسرائيلية على غزة أو لبنان أو سوريا أمرًا شبه اعتيادي في الإعلام الدولي، ما أدى إلى «تبلّد الضمير العالمي» وانخفاض الضغط الشعبي على الحكومات لمحاسبتها.

خامسًا: الخلاصة

  1. الدعم الأميركي والأوروبي لإسرائيل ليس سياسيًا فقط، بل هو تحالف عميق قائم على مصالح أمنية واستراتيجية ودينية واقتصادية.

  2. تستفيد إسرائيل من ضعف النظام الدولي، ومن حق الفيتو الأميركي الذي يعطّل أي محاسبة لها.

  3. لا ترى المنظومة الغربية في إسرائيل دولة خارجة على القانون، بل حليفًا أساسيًا، مما يُفرغ القانون الدولي من جوهره.

  4. في ظل غياب ردع جماعي عربي إسلامي، ستستمر إسرائيل في سياستها دون خوف من المحاسبة، ما لم تحدث تغييرات جوهرية في موازين القوى الإقليمية أو الدولية.

  5. يبقى الأمل في محاسبة إسرائيل معقودًا على توازنات جديدة في النظام الدولي تُجبر الغرب على احترام القوانين التي يُنادي بها.