الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
لماذا تُطلق إيران صواريخها ومسيّراتها ليلًا؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025
تشير الملاحظات الميدانية، وكذلك البيانات العسكرية الصادرة عن وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية وتقارير أجهزة الاستخبارات الدولية، إلى أن إيران تميل إلى إطلاق صواريخها الباليستية ومسيّراتها الهجومية (الدرونز) نحو أهدافها المختلفة خلال الليل. وقد ظهر هذا النمط في ضربات متعددة شملت هجمات ضد مواقع في العراق وسوريا وإسرائيل، وكذلك في المناوشات التي شهدها الخليج العربي. ويثير هذا التوقيت الليلي أسئلة استراتيجية وتكتيكية متكررة تتعلق بدقة القرار العسكري الإيراني، ومدى تأثير التوقيت الليلي في نجاح المهمة القتالية.
في هذا المقال نحلل الأسباب الكامنة وراء لجوء إيران إلى إطلاق صواريخها ومسيّراتها ليلًا، ونناقش الأبعاد العملياتية والنفسية والتقنية لهذا القرار، وهل هناك فائدة استراتيجية حقيقية وراء هذا التوقيت.
أولًا: أسباب تقنية وتكتيكية
- تقليل احتمالية الكشف بواسطة الرادارات الأرضية والإنذار المبكر
تعتمد الرادارات العاملة في كثير من الأنظمة الدفاعية حول العالم على الموجات الكهرومغناطيسية، التي تنتشر بشكل أفضل في بعض الظروف المناخية مقارنة بغيرها. وفي الليل، وخصوصًا في المناطق ذات التضاريس المعقدة أو ذات الفروق الكبيرة في درجات الحرارة بين الليل والنهار، تقل درجات الانعكاس الحراري، ما يساعد على خفض احتمالية رصد الأجسام الطائرة على الارتفاعات المنخفضة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن معظم الصواريخ والمسيّرات الإيرانية تطير على ارتفاعات منخفضة لتفادي أنظمة الكشف الراداري، وإطلاقها ليلًا يزيد صعوبة رصدها بصريًا من الأرض أو من طائرات المراقبة الجوية.
- التهرب من الأقمار الصناعية العسكرية
تعمل الأقمار الصناعية التجسسية، وخصوصًا الأمريكية والإسرائيلية، بتقنيات التصوير البصري والحراري والراداري، ومع ذلك فإن مراقبة الأرض بدقة تعتمد أحيانًا على ضوء الشمس أو انعكاساته. ورغم أن الأقمار الصناعية الرادارية تعمل حتى في الليل، فإن فترة الليل تعني أن جزءًا من القوة الفضائية المعادية يكون أقل نشاطًا، خصوصًا عند توزيع المهام عبر الفصائل.
كما أن الإطلاق ليلًا يصعّب على الأقمار الصناعية التقاط لحظة الإطلاق بدقة، ما يقلل احتمالية الرد الفوري أو تحديد مواقع الإطلاق بدقة عالية.
- زيادة عنصر المفاجأة وتضليل الخصم
تحت جنح الظلام تصبح ردود الأفعال أبطأ والقرارات أكثر حذرًا، خصوصًا في المنظومات التي تعتمد على التحليل البشري الميداني، مثل الجيوش التقليدية.
وببساطة، فإن تنفيذ الضربات ليلًا يعطي المهاجم فرصة لخلق مفاجأة تكتيكية، ولبث حالة من الغموض والذعر داخل صفوف العدو.
- تعزيز نجاح الضربة عند اقتراب المسيّرات والصواريخ من أهدافها
يُضعف الليل إمكانات الدفاع البصري، ويقلل كفاءة بعض أنواع الرادارات والأجهزة البصرية والحرارية الأرضية في التصدي للأهداف الصغيرة مثل المسيّرات، خصوصًا تلك التي تطير على ارتفاع منخفض وتتخفّى بالتضاريس.
كما أن الدفاعات الجوية التي تعتمد على التوجيه البصري والليزري، أو حتى على التتبع الصوتي والحراري في بعض المنظومات القديمة، تكون أقل كفاءة ليلًا، خصوصًا إذا لم يكن الهدف مضيئًا أو ذا بصمة حرارية واضحة.
ثانيًا: اعتبارات أمنية داخلية إيرانية
- تقليل احتمالية تصوير مواقع الإطلاق
يصعّب الليل تصوير الصواريخ وهي تُنقل إلى مواقع الإطلاق أو في أثناء إطلاقها، سواء بواسطة الأقمار الصناعية أو الجواسيس داخل إيران. فالتعتيم الليلي يحمي إيران من تسرب معلومات بصرية قد تُستخدم لاحقًا لاستهداف البنى التحتية أو منصات الإطلاق الثابتة.
- الحماية من عملاء الداخل والمخربين
الإطلاق في ساعات متأخرة من الليل يقلل حركة المدنيين، ويصعّب على أي عميل أو عنصر تخريبي رصد الأنشطة العسكرية أو إرسال إحداثيات مباشرة إلى العدو. وقد اتهمت إيران إسرائيل مرارًا بتجنيد جواسيس داخل أراضيها، لذا فإن تنفيذ العمليات ليلًا يوفر قدرًا أعلى من «السرية المحلية».
ثالثًا: أبعاد نفسية وعقائدية
- استخدام الظلام عنصرًا للرعب النفسي
يدرك الإيرانيون أن القصف الليلي يولّد حالة من الرعب والاضطراب في صفوف العدو؛ فالقصف المفاجئ في الظلام، الذي ترافقه صفارات الإنذار وصور الدمار في غياب رؤية واضحة، يترك أثرًا نفسيًا يفوق أثر القصف في وضح النهار.
- رمزية الظلام والليل في العقيدة القتالية
يرتبط الليل في العقيدة العسكرية غير النظامية، التي اعتمدتها الثورة الإسلامية وفيلق القدس والحرس الثوري، بوقت «الكمين» و«ضرب العدو وهو نائم»، وهي عقيدة مستلهمة من حرب العصابات وثقافة الحروب غير المتماثلة.
رابعًا: أمثلة حقيقية من التجارب القتالية الإيرانية
ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق (2020) حدث ليلًا، وتميّز بدقة نسبية في إصابة المنشآت الحيوية، مما صعّب الرد الأمريكي الفوري.
معظم ضربات إيران لمواقع إسرائيلية، أو لمواقع في شمال العراق وسوريا، نُفّذت بعد منتصف الليل.
تجارب إيران في المناورات الكبرى، مثل مناورة «الرسول الأعظم»، غالبًا ما تتضمن عمليات ليلية لمحاكاة الحرب الحقيقية.
خامسًا: تحديات الضربات الليلية
على الرغم من الفوائد المذكورة، فإن العمليات الليلية لا تخلو من التحديات:
تتطلب تجهيزًا استخباريًا دقيقًا مسبقًا، لأن الرؤية الليلية محدودة.
احتمالية أكبر للخطأ في الاستهداف إن كانت نظم التوجيه ضعيفة.
صعوبة تقييم نتائج الضربة فورًا.
احتمال وقوع حوادث بسبب ضعف الرؤية لدى الطواقم البشرية أو في المنصات الأرضية.
الخلاصة
إن لجوء إيران إلى إطلاق صواريخها ومسيّراتها ليلًا ليس عبثًا ولا وليد مصادفة، بل هو خيار مدروس يجمع بين التقنية والتكتيك والعقيدة القتالية. ويعزز هذا الخيار فرص نجاح الضربة، ويقلل احتمالية الكشف والرد المبكر، ويترك أثرًا نفسيًا كبيرًا في الخصم، خصوصًا في بيئة حرب غير متوازنة، كما هو الحال في المواجهة بين إيران وإسرائيل أو الولايات المتحدة.
يبقى الليل سلاحًا خفيًا لمن يعرف كيف يوظّفه، وإيران تبذل جهدًا كبيرًا لاستخدامه بأقصى إمكاناته في حربها غير المتماثلة.