الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

لماذا لم تتوقع القيادة الروسية أن يقوم الجيش الأوكراني بأعمال إرهابية ضد شعبه؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 44، كُتب في نحو نيسان 2022

  • المعروف أن الجيوش تقاتل في ميدان القتال (الحرب)، لكننا لاحظنا أن الجيش الأوكراني اختبأ في المدن الأوكرانية الآمنة، متخذاً من المدنيين الأوكرانيين العُزّل دروعاً بشرية.

  • ويمكن تفسير هذا الموقف استناداً إلى حقيقة أن النظام النازي نفسه، ومعظم الضباط في الجيش الأوكراني، ينتمون إلى المنطقة الغربية من أوكرانيا، حيث تستشري الأيديولوجية النازية بشكل أوسع.

  • والقتال يدور الآن في شرق أوكرانيا وجنوبها، وهي المناطق التي تتكلم شعوبها اللغة الروسية، ويتعاطف فيها السكان المحليون الأوكرانيون مع روسيا.

  • لهذا فإن مثل هذا التكتيك الإرهابي للجيش الأوكراني بمثابة انتقام من نصف أوكرانيا الناطق بالروسية، وتدميرٍ لإمكاناته الصناعية وغيرها في الجنوب والشرق.

  • باختصار، لا يمكن للجيش الروسي في مثل هذه الحالة أن يهزم الجيش الأوكراني دون اقتحام هذه المدن الأوكرانية التي يوجد فيها المدنيون الآمنون.

  • وروسيا لا تريد القيام بهذا الاقتحام بسبب وجود المدنيين الآمنين فيها، لأن روسيا ليست في حالة حرب مع الشعب الأوكراني في هذه المدن، وقد رأينا كيف دمّر الجيش الروسي مدينتَي فولنوفاخا وماريوبول تدميراً شديداً.

  • وتكرار التجربة نفسها مع مدن أوكرانية أخرى يزيد عدد سكانها على مليون نسمة سيكون كارثة إنسانية ضخمة، يسعى نظام زيلينسكي النازي إلى تحقيقها في هذه المدن بناءً على أوامر من واشنطن ولندن.

  • إضافة إلى ذلك، فإن التشكيلات العسكرية الروسية في أوكرانيا تفوق الجيش الأوكراني من حيث السلاح، ولكن ليس من حيث العدد.

  • لذلك لن يكون لدى القوات الروسية ما يكفي من الجنود لاقتحام العاصمة كييف والمدن الأوكرانية الكبيرة الأخرى، وخاصة إذا تم ذلك في الوقت نفسه.

  • وفضلاً عن ذلك، يتركز الجزء الأقوى من الجيش الأوكراني في إقليم دونباس، وليست هناك مدن كبيرة في منطقة الاحتلال الأوكراني، ومن الممكن في تلك المنطقة استخدام الأسلحة الروسية بكفاءة أكبر.

  • علاوة على ذلك، ففي غضون أسبوعين من الآن ستغطي أوراقُ الشجر شمالَ أوكرانيا وغربها، ليتحولا إلى منطقة غابات، مما سيحرم الجيش الروسي من التفوق في الجو، أما الجنوب والشرق فسهوب ستسمح بفعالية الطيران الروسي حتى الصيف.

  • لذلك أتوقع أن تدمّر روسيا القوات الأوكرانية في الشرق والجنوب خلال الربيع والصيف، ثم يتوجه الجيش الروسي بعدها لتدمير الشمال والغرب خلال الخريف والشتاء.

  • فإذا لم تستسلم أوكرانيا قبل حلول ذلك الوقت، فإن فرص تحقق هذا السيناريو كبيرة، وإليكم السبب:

  • سبق أن قلت إن الحرب في أوكرانيا ليست سوى حلقة صغيرة من الحرب بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

  • والسلاح الرئيسي في هذه الحرب الكبيرة هو زعزعة استقرار الوضع الداخلي للعدو.

  • وهناك انتخابات في الولايات المتحدة الأمريكية في تشرين الثاني المقبل (2022)، ومن المحتمل جداً أن يخسرها الديمقراطيون، حزب جو بايدن.

  • وإذا نظرنا إلى رئاسة دونالد ترامب والانتخابات الرئاسية الأخيرة، يمكننا القول بثقة إن الديمقراطيين لن يتخلّوا عن السلطة طواعية.

  • وسيكون الصراع شرساً وبلا قواعد، مع إمكانية حدوث درجة من زعزعة الاستقرار على أقل تقدير.

  • إضافة إلى ذلك، سنشهد في الأشهر المقبلة، وتحديداً في الخريف، أزمة عالمية في الغذاء، وأزمة وقود في أوروبا على الأقل.

  • ويمكن أن يؤدي ذلك في حدّ ذاته إلى انهيار الاقتصاد العالمي، على الرغم من أن ذلك كان سيحدث حتى دون الحرب الروسية الأوكرانية.

  • ولن تكون هناك موارد إضافية لدى أي أحد، بينما ستشحّ الموارد في الغرب (أوروبا) أكثر، لكن ذلك لن يكون في روسيا، على أقل تقدير في الوقت الراهن.

  • إن الغرب ينظر إلى أوكرانيا كأفغانستان جديدة، لكنها أكبر وأوسع بكثير بالنسبة إلى روسيا، ومعنى وجود أوكرانيا عنده هو أن تحترق في الحرب مع روسيا وتستنزف مواردها.

  • ومع ذلك نرى رفضاً مستمراً من جانب بوتين لرفع وتيرة الحرب، متمسكاً بالتكتيكات الروسية في سوريا: تشكيلات عسكرية محدودة، أي نطاق محدود من الأعمال الهجومية، وإنفاق محدود للموارد.

  • ألم تكن روسيا قادرة على تعبئة جيشها وزيادة عدده بملايين الجنود؟ أليس بمقدورها سحق مدن أوكرانيا بالكامل؟

  • لكن بوتين يختار أن يحارب ويقاتل بيد واحدة، من دون تدمير البنى التحتية الحساسة لأوكرانيا، على عكس الطريقة الأمريكية، كما نلاحظ.

  • أعتقد أن الغرض من مثل هذه التكتيكات هو تحويل أوكرانيا إلى عبء على الولايات المتحدة الأمريكية، وتجنيب روسيا تحمّل ذلك العبء.

  • فالاقتصاد الأوكراني أصبح في حالة شلل فعلي؛ إذ سجّل الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام الجاري انخفاضاً بنسبة 16% وفقاً للبيانات الرسمية الأوكرانية، بينما يُتوقع أن يبلغ الانخفاض 40% في نهاية العام الحالي، وأرى شخصياً أن تلك تقديرات متفائلة.

  • وعلى الغرب الآن إطعام (30–40) مليون مواطن أوكراني، ففي واقع الأمر تم تدمير أوكرانيا من الناحية الاقتصادية.

  • ولم يبقَ لبوتين سوى أن يدمّر محطات الطاقة ومصافي النفط، وهو ما لم يفعله بعد، لتعود أوكرانيا فوراً إلى العصور الوسطى، وتتحول إلى عبء مهول على واشنطن.

  • عندها يكفي الجيش الروسي أن ينتظر شهراً أو شهرين، دون أن يخوض قتالاً فعلياً، حتى لا يبقى على الأرض الأوكرانية جيش يقاتله.

  • لا أعرف لماذا يفضّل بوتين إطالة المتعة بدلاً من استخدام كل أوراقه مرة واحدة. ربما يكون قد خطط للذروة في الخريف، عندما تقترب أوروبا من الشتاء بمخازن غاز فارغة، وإفلاسٍ في المواجهة مع روسيا.

  • يجب ألّا ننسى أن الحرب الجارية ليست مع أوكرانيا، بل مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، والهدف منها هو إلحاق أكبر ضرر ممكن بالولايات المتحدة الأمريكية، وليس بأوكرانيا.

  • لكنني لا أستبعد أن ينتهي كل شيء قبل ذلك الوقت.