الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ماذا لو عاد التاريخ ثمانين عاماً؟
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 9، كُتب في نحو آذار 2022
لو عاد التاريخ ثمانين عاماً إلى الوراء، أي إلى الحرب العالمية الثانية، حين قررت ألمانيا النازية استعادة مجدها وردّ اعتبارها من الإهانة التي تلقتها في الحرب العالمية الأولى، عندما أُجبرت على توقيع وثيقة الاستسلام في عربة القطار الفرنسية.
يومها تحالفت اليابان، الدولة الآسيوية البعيدة، مع ألمانيا الأوروبية ضد دول أوروبا. وكان السبب وراء هذا التحالف أن اليابان أيضاً كانت تريد التوسع على حساب الدول المجاورة لها، مثل الفلبين وماليزيا وإندونيسيا.
فجمعت المصلحةُ والأهدافُ المشتركة بين اليابان وألمانيا.
إن بوتين رجل المخابرات العتيد والسياسي المخضرم والذكي جداً؛ فهل من المعقول أن يُقدم على خطوة كبيرة مثل إعادة أوكرانيا، التي تُعدّ قلب أوروبا الشرقية، إلى المدار الروسي، دون أن يحسب حساباته بدقة؟ لا أظن ذلك.
فالصين، الدولة الناهضة التي تكاد تسيطر على اقتصاد العالم بما فيه القارة الأمريكية، ليس من مصلحتها فشل الاتحاد الروسي في هذه الخطوة، لما لذلك من انعكاسات على النظام الدولي الجديد الذي أصبح ألعوبة بيد الأمريكيين. ثم إن قيام نظام دولي جديد مختلف، يعتمد على التوازنات الدولية المتعددة بدلاً من نظام القطب الواحد، سيكون في صالح الصين، وسيكون لها دور فعّال في أي نظام دولي بديل، وكذلك الحال بالنسبة إلى الهند والبرازيل.
وقد سبقت هذه الخطوةَ زيارةٌ قام بها بوتين إلى الصين، ومن المحتمل أن موضوع أوكرانيا كان بنداً في جدول أعمال المباحثات.
ومما يؤيد هذا الاستنتاج تصريح المسؤول الصيني قبل ثلاثة أيام، إذ قال مخاطباً الأمريكيين: «لقد أطلقتم على العملية الروسية في أوكرانيا اسم الغزو، لكنكم لم تخبرونا ماذا تسمّون ما فعلتموه في العراق وأفغانستان، حيث راح ضحيته مئات الآلاف من الأرواح البشرية من المدنيين».
وعلى أية حال يمكننا الرجوع إلى التسجيلات في حينها. وقال أيضاً إن الصين ترفض هذا الكم الهائل من العقوبات الاقتصادية المدمرة على روسيا: «اتركوا الصين تبقى نافذة مفتوحة لروسيا لغرض المراجعة». كما أن أوروبا ليس من مصلحتها اندلاع حرب عالمية على أرضها يكون الشعب الأوروبي وقودها؛ لأن أمريكا تبعد أكثر من اثني عشر ألف ميل عن الميدان. فأمريكا تدفع باتجاه الحرب لأنها بعيدة عنها، إلا إذا كانت حرباً نووية شاملة.
وأوروبا تدرك جيداً أن القيصر الروسي بوتين لن يقبل أن يضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) صواريخه في خاصرته، حتى لو كلّفه ذلك حرباً شاملة. والحلف متيقن من أن بوتين يعني ما يقول، ولن يتراجع عن تنفيذ ما يصرّح به.
أما الرئيس الأمريكي جو بايدن، العجوز المتردد، فقد فضحت دولتُه سياستَها في العراق والشرق الأوسط عموماً، ومع حلفائها الخليجيين الذين عجزت عن حمايتهم من التوسع الإيراني العلني والخفي في بلدانهم.
وها هي أمريكا اليوم تستجدي موافقة إيران على العودة إلى الاتفاق النووي في جولات التفاوض في فيينا، متجاهلة بذلك مصلحة حلفائها المذكورين، وما يتهدد أمنهم الوطني من قِبل إيران.
إن هذا العجوز جو بايدن لا يعني ما يقول، ولا ينفذ أي تهديد يطلقه.
لذلك ليس أمام القادة الأوروبيين إلا أن يدفعوا باتجاه حل الأزمة الأوكرانية عن طريق التفاوض.
لأن من مصلحة أمريكا استمرار الأزمة الأوكرانية، لكي تؤجل أزمتها الداخلية العنصرية مع السود والمكسيكيين، وأزمتها الاقتصادية مع الشعب الأمريكي الذي ضاق ذرعاً بسياستها المتعجرفة. فهي حتى اليوم باعت أسلحة إلى أوكرانيا، بوصفها مساعدات أوروبية، بأكثر من اثنين وثلاثين مليار دولار؛ أي إن أوروبا تدفع الثمن وأمريكا تبتلع المبلغ.
ومن مصلحة أوكرانيا ألا تكون رأس الحربة لحلف شمال الأطلسي، كما أنه ليس من مصلحة أمريكا وأوروبا أن يبتلعها الدب الروسي. فالمسؤولية الوطنية والشرف الوطني يحتّمان على قادتها أن يسعوا إلى جعل أوكرانيا منطقة حياد، ذات علاقات طيبة مع المعسكرين الشرقي والغربي الأمريكي، وأن تكون، كما يقول المصطلح العسكري، «منطقة عازلة» (Buffer Zone) بين الطرفين، وأن تؤدي دوراً إيجابياً في منع الاحتكاك الذي قد يحصل مستقبلاً بين المعسكرين.