الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ماذا نعرف عن ساحة المعركة الخامسة: حرب الظلال الإلكترونية؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025

أهمية تحصين الفضاء السيبراني

نسعى هنا إلى تقييم تهديد الحرب الإلكترونية وأهمية التفوق السيبراني في الصراع الحديث.

شهدنا تحولاً جذرياً في ساحات القتال؛ فلم تعد ساحات المعركة تقتصر على البر والبحر والجو والفضاء، بل نشأت الساحة الخامسة: ساحة الفضاء السيبراني (Cyberspace)، حيث تُشنّ حروب غير مرئية بسرعة الضوء. ولم تعد الحرب الإلكترونية ترفاً استراتيجياً، بل أصبحت سلاحاً أساسياً في الصراعات الحديثة، إذ تُشنّ بها هجمات مدمرة دون عبور الحدود، تستهدف البنى التحتية الحيوية وعزيمة الشعوب.

فالضربات الاستباقية غير المعلنة أثبتت أن للعمليات السيبرانية فعاليتها بوصفها أدوات استراتيجية.

ومثال ذلك تعطيل البنى التحتية الحيوية (ضربات الطاقة) في أوكرانيا (2015–2016)، بهجمات «بلاك إنيرجي» و«كراش أوفررايد» الإلكترونية التي شلّت شبكات الطاقة، فغرقت مدن بأكملها في الظلام والبرد.

المثال الإيراني: ستوكسنت (2010)

هجوم سيبراني متطور دمّر ألف جهاز طرد مركزي في منشآت البرنامج النووي الإيراني، وهو دليل على قدرة الهجمات السيبرانية على إلحاق أضرار فيزيائية ومادية ملموسة.

التجسس وسرقة الملكية الفكرية

وتجدر الإشارة إلى عمليات التجسس وسرقة الملكية الفكرية وعمليات الاختراق المستمرة، كاختراق مكتب إدارة شؤون الموظفين (OPM) في الولايات المتحدة عام 2015، وسرقة بيانات حساسة لـ21.5 مليون شخص، تضمنت بصمات الأصابع وسجلات التحقق الأمني. وكانت عملية استخباراتية ضخمة كشفت نقاط ضعف دفاعية.

ومن ذلك أيضاً هجمات التهديد المستمر المتقدم (APT) لمجموعات مثل «كوزي بير» (APT29 / Cozy Bear) المرتبطة بجهات دولية، التي تنفذ اختراقات طويلة الأمد لسرقة أسرار سياسية وعسكرية وتكنولوجية.

حرب المعلومات ونشر الفوضى

يتضح أن حرب المعلومات ونشر الفوضى هي سلاح التشويش النفسي.

ومثال ذلك انتخابات الولايات المتحدة (2016)، وما رافقها من عمليات قرصنة وتسريبات موجهة، مثل اختراق بريد الحزب الديمقراطي، مصحوبة بحملات تضليل إلكتروني ضخمة على منصات التواصل، كان الهدف منها تقويض الثقة في المؤسسات الديمقراطية وإثارة الانقسام.

ومنها هجمات حجب الخدمة (DDoS)، بإغراق المواقع الحكومية والمالية والإعلامية، مثل الهجمات على البنوك الكبرى، لشلّ الاتصالات الرسمية وإشاعة الذعر.

الأمن السيبراني: خط الدفاع الأول

لذا فإن الأمن السيبراني وتحصين الخنادق الرقمية، خط الدفاع الأول، لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح قضية أمن قومي وجودي. والدفاع الفعّال يتطلب هذه الإجراءات:

  • الاستعداد الدائم والجاهزية القتالية، واعتماد مبدأ افتراض الاختراق (Penetration Testing).

  • تحديث الأنظمة باستمرار بما يتماشى مع التطور العلمي والتكنولوجي.

  • التدريب على استخبارات التهديدات واستطلاع العدو.

  • إنشاء مراكز مراقبة أمنية (SOCs) متطورة لرصد التهديدات في الوقت المناسب.

لذا يجب الانتباه لحروب المستقبل، وتدريب ضباطنا وجنودنا على الحرب الحديثة وتطوير قدراتهم، والاستفادة من الموهوبين والأذكياء في هذا المجال، وتأمين كافة المعدات واللوازم المطلوبة. كما نحتاج إلى قيادات ذكية تفكر بشكل صحيح، ولها أفق قيادي واسع، تهمّها مصلحة كوردستان وشعب كوردستان.