الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما أنواع الدفاعات الجوية في العراق؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 15 حزيران 2025
ما أنواع الدفاع الجوي في العراق؟
وما منشأ هذه الأسلحة ومداها؟ وكيف تتعامل مع الأهداف الجوية، وعلى أي ارتفاع ومدى؟
وكيف تعمل القيادة والسيطرة في الدفاع الجوي العراقي؟
وهل يستطيع الدفاع الجوي العراقي التصدي للأهداف الجوية الحديثة، مثل طائرات (F-35) أو الصواريخ أو الطائرات المسيّرة (الدرون)، فوق سماء العراق؟
مقدمة
يُعدّ الدفاع الجوي أحد الأفرع السيادية الحاسمة في تشكيل أي قوة عسكرية معاصرة، ولا سيما في ظل التهديدات الجوية والصاروخية التي أصبحت شائعة في مناطق التوتر السياسي والعسكري.
وفي الحالة العراقية، كانت منظومة الدفاع الجوي في السابق من أقوى الدفاعات في المنطقة خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، ولكنها تعرضت لدمار شبه كامل بعد حربي الخليج (1991) والغزو الأميركي للعراق عام 2003، مما أدى إلى انهيار البنية التحتية العسكرية المتعلقة بالدفاع الجوي.
ومع ذلك، بدأت منذ عام 2011 جهود عراقية تدريجية لإعادة بناء الدفاع الجوي، اعتمادًا على مصادر تسليح مختلفة، منها الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية وروسيا، إلى جانب محاولات عراقية محدودة للتصنيع المحلي وتحديث بعض المنظومات القديمة.
ورغم التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، فقد أُحرز بعض التقدم في هذا المجال، إلا أن العراق لا يزال يفتقر إلى منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على مواجهة التهديدات عالية التقنية، مثل الطائرات الشبحية أو صواريخ كروز الحديثة.
وفي هذا التحليل نقدّم دراسة شاملة لأبرز منظومات الدفاع الجوي العراقي الحالية: منشئها وقدراتها ومدياتها، إضافةً إلى بنية القيادة والسيطرة، ومدى قدرتها على التصدي للأهداف المتطورة في الأجواء العراقية.
أولًا: منظومات الدفاع الجوي الحالية في العراق
1. منظومة أفنجر (Avenger)
- المنشأ: الولايات المتحدة.
- النوع: دفاع جوي قصير المدى محمول على مركبة همفي.
- المدى: 5 كم.
- الارتفاع: حتى 3.8 كم.
- الأهداف: الطائرات المسيّرة، والطائرات الهجومية المنخفضة، والمروحيات.
- التسليح: صواريخ (FIM-92 Stinger) ومدفع رشاش عيار 12.7 ملم.
المميزات:
- سرعة رد فعل عالية.
- كفاءة في الظروف الصحراوية.
- القدرة على الاشتباك مع الأهداف المتحركة.
العيوب:
- غير فعالة ضد صواريخ كروز أو الطائرات الشبحية.
- محدودة المدى والتغطية.
2. نظام الدفاع الكوري الجنوبي (KS-1A)
- المنشأ: كوريا الجنوبية.
- النوع: دفاع جوي متوسط المدى.
- المدى: 14–40 كم (حسب النسخة).
- الارتفاع: حتى 20 كم.
- الأهداف: المقاتلات، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة.
- التسليح: صواريخ موجهة بالرادار.
المميزات:
- يعمل بتقنية تتبع الأهداف بالأشعة تحت الحمراء.
- مدعوم بأنظمة رادار «فازوتا» المطوّرة.
- يُستخدم في بعض القواعد الرئيسية في بغداد والبصرة.
العيوب:
- غير قادر على التعامل مع الأهداف الشبحية.
- لا يغطي مساحات جغرافية واسعة.
3. النظام الروسي بانتسير إس 1 (Pantsir-S1)
- المنشأ: روسيا.
- النوع: دفاع جوي قصير إلى متوسط المدى.
- المدى: 20 كم.
- الارتفاع: حتى 15 كم.
- الأهداف: صواريخ كروز، والطائرات المسيّرة، والمروحيات، والقنابل الموجهة.
- التسليح: صواريخ أرض–جو ومدافع آلية مزدوجة عيار 30 ملم.
الحالة في العراق:
- اقتُني عدد محدود جدًّا منه، وفق تسريبات إعلامية غير رسمية.
- يُعتقد أنه يُستخدم في حماية بعض المنشآت العسكرية الحساسة.
المميزات:
- رد فعل سريع جدًّا.
- يمكنه الاشتباك مع أهداف متعددة في وقت واحد.
- فعال ضد المسيّرات والصواريخ قصيرة المدى.
العيوب:
- كميته محدودة في العراق.
- يحتاج إلى دمجه في منظومة قيادة وسيطرة مركزية.
4. أنظمة الدفاع المحمولة على الكتف (MANPADS)
أشهرها:
- ستينغر (Stinger) الأميركي.
- إيغلا (Igla) الروسي.
- ميثاق (Misagh) الإيراني (مشتق من إيغلا).
- المدى: 4–6 كم.
- الارتفاع: حتى 3–4 كم.
- الاستخدام: وحدات حماية المواقع، وحماية القوافل.
- الأهداف: المسيّرات، والمروحيات، والطائرات المنخفضة التحليق.
القيود:
- قصيرة المدى جدًّا.
- غير قادرة على التعامل مع الطائرات المتقدمة أو الصواريخ الباليستية.
5. الدفاعات القديمة (قيد التحديث أو غير فعالة)
- (SA-2) و(SA-3) و(SA-6): منظومات سوفيتية قديمة من زمن الحرب العراقية الإيرانية.
- معظمها خرج من الخدمة بعد عام 2003، أو غير قابل للتشغيل الكامل.
- يعمل العراق على تفكيك بعضها، والاستفادة من أجزاء منها في التعليم العسكري أو التطوير النظري.
ثانيًا: الرادارات العراقية
1. رادارات (TPS-77) الأميركية
- ثلاثية الأبعاد ومتنقلة.
- يصل مداها إلى 470 كم.
- فعالة في اكتشاف الأهداف على الارتفاعات المتوسطة والعالية.
- تُستخدم في القيادة والسيطرة وتوجيه الدفاعات الجوية.
2. رادارات سدّ الثغرات (Gap Filler)
- تغطي الفراغات بين الرادارات الرئيسية.
- تُستخدم لاكتشاف الطائرات والمسيّرات على الارتفاعات المنخفضة.
- تُدار محليًّا على مستوى الألوية والوحدات.
3. الرادارات الكورية والروسية (نسخ محدودة)
- تُستخدم مع منظومتي (KS-1A) و(Pantsir).
- تتضمن رادارات توجيه نيران ورادارات مراقبة جوية متوسطة.
القيود العامة:
- لا يملك العراق رادارات تغطي أراضيه كافة (ولا سيما المناطق الغربية والحدودية).
- ضعف القدرة على اكتشاف الطائرات الشبحية أو الأهداف فائقة السرعة.
- عدم وجود منظومة إنذار مبكر فضائية أو جوية مثل (AWACS).
ثالثًا: القيادة والسيطرة في الدفاع الجوي العراقي
1. الهيكل التنظيمي
- يتبع الدفاع الجوي وزارة الدفاع العراقية.
- يُدار عبر «القيادة العامة للدفاع الجوي»، التي تنسّق مع القوة الجوية العراقية.
- تضم أقسام «الإنذار المبكر» و«المراقبة» و«التوجيه» و«الاشتباك» و«التنسيق مع القوات البرية والجوية».
2. نظام القيادة
- لا يزال يعتمد على التنسيق اليدوي في بعض المواقع.
- هناك محاولات لتطوير مركز قيادة وسيطرة موحد في بغداد.
- لا يزال التواصل بين الوحدات محدودًا بتكنولوجيا الاتصالات القديمة.
3. الربط الدولي
- يتعاون العراق تدريجيًّا مع الولايات المتحدة وحلف الناتو لتطوير أنظمة القيادة.
- هناك دعم استخباري أميركي في كشف بعض التهديدات الجوية.
- لا يمتلك العراق استقلالًا تامًّا في السيطرة على أجوائه، ولا سيما مع وجود قوات أميركية وأجنبية.
رابعًا: مدى قدرة الدفاع الجوي العراقي على التصدي للأهداف الجوية الحديثة
1. الطائرات الشبحية مثل (F-35)
- لا يملك العراق أي منظومة يمكنها كشف الطائرات الشبحية أو الاشتباك معها.
- غياب رادارات (L-Band) أو (VHF) التي تُستخدم لكشف الطائرات الشبحية.
- الاعتماد على الرادارات التقليدية (X-Band) فقط، وهي غير كافية.
2. صواريخ كروز
- توجد بعض القدرة في منظومتي (Pantsir) و(KS-1A)، لكنها محدودة.
- شبكة القيادة ليست مهيأة للتعامل مع موجات من الصواريخ الدقيقة والمنسقة.
- المناطق الغربية من العراق مكشوفة عمليًّا لأي هجوم جوي حديث.
3. الطائرات المسيّرة (الدرونات)
- هناك تقدم ملحوظ في اكتشاف الدرونات، ولا سيما على الارتفاعات المنخفضة.
- اعتمد العراق مؤخرًا على أنظمة تشويش إلكتروني بسيطة في بعض القواعد.
- إلا أن هناك ثغرات في الكشف المبكر، وقد أثبتت حوادث متعددة فشل بعض الوحدات في التصدي لها (مثل الهجمات على مطار بغداد).
خامسًا: التحديات والآفاق المستقبلية
التحديات:
- ضعف التمويل العسكري بسبب الأزمات الاقتصادية.
- استمرار النفوذ السياسي في قرارات التسلح.
- الاعتماد على أطراف متعددة (أميركا وروسيا وإيران) يُحدث تشويشًا في التوجه التقني.
- غياب عقيدة دفاع جوي موحدة أو رؤية استراتيجية متكاملة.
الآفاق المستقبلية:
- أبدى العراق اهتمامًا بالحصول على منظومات دفاع جوي متقدمة من روسيا (S-400) ومن فرنسا (MICA NG).
- احتمال تطوير قدرات الدفاع الجوي بالتعاون مع دول الخليج في إطار التعاون الأمني المشترك.
- سيكون تعزيز سلاح الجو العراقي بطائرات الإنذار المبكر مفتاحًا لتحسين أداء الدفاع الجوي.
الخاتمة
لا تزال منظومة الدفاع الجوي العراقي في مرحلة إعادة البناء بعد عقود من الحروب والتدمير، وما يملكه العراق حاليًّا لا يكفي للتصدي للتهديدات عالية التقنية، مثل الطائرات الشبحية أو الصواريخ المتقدمة.
وعلى الرغم من بعض الخطوات الإيجابية، تبقى الحاجة ماسة إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد تهدف إلى بناء منظومة متكاملة تضم رادارات حديثة، وصواريخ اعتراض متعددة الطبقات، وشبكة قيادة وسيطرة رقمية، وشراكات دفاعية دولية متقدمة.