الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما أنواع المسيّرات الإيرانية، وكيف تُستخدم، وهل يمكنها تجاوز الدفاعات الإسرائيلية؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025
ما أنواع المسيّرات الموجودة لدى إيران، وكيف يُستخدم كل نوع منها؟ وما سرعة كل مسيّرة وحمولتها؟ وضد أي نوع من الأهداف المعادية تُستخدم؟ وهل يمكنها تجاوز الرادارات الإسرائيلية وأسلحة الدفاع الجوي الإسرائيلي، وكيف يتم ذلك؟ وكيف تُوجَّه نحو الهدف؟
مقدمة
منذ مطلع الألفية الثالثة ركّزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تركيزًا كبيرًا على تطوير قدراتها في مجال الطائرات دون طيار (المسيّرات)، وذلك ضمن استراتيجيتها لتعويض النقص في سلاحها الجوي التقليدي الناتج عن العقوبات الدولية. وقد تطوّر هذا المجال في إيران بصورة لافتة، حتى أصبحت اليوم من أبرز الدول المنتجة للمسيّرات والمصدّرة لها، وهو ما جعلها عنصرًا فعالًا في المواجهة غير المتكافئة مع قوى جوية متفوقة كإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي هذا السياق نسلّط الضوء على أنواع المسيّرات الإيرانية، وخصائصها التكتيكية والتقنية، وقدراتها التشغيلية ضد الأهداف المعادية، لا سيما في ظل تصاعد التوتر مع إسرائيل.
أولًا: الأنواع الرئيسة للمسيّرات الإيرانية
تملك إيران طيفًا واسعًا من المسيّرات (الدرونات) تختلف في المدى والحمولة والاستخدامات، ويمكن تصنيفها في أربع فئات رئيسة:
- مسيّرات الاستطلاع والمراقبة
وهي تهدف إلى جمع المعلومات الاستخبارية، والمراقبة الدقيقة، والتصوير الليلي والنهاري، وتوجيه النيران. وأشهرها:
مسيّرة «مهاجر-4»:
المدى: حتى 150 كم.
الحمولة: أجهزة تصوير واستطلاع.
السرعة: 180 كم/س.
الاستخدام: مراقبة الحدود، وتحديد مواقع القوات المعادية.
مسيّرتا «أبابيل-1» و«أبابيل-3»:
- منخفضتا التكلفة، وتُستخدمان في مهام استطلاعية قصيرة المدى.
مسيّرة «شاهد-129»:
المدى: 1,700 كم.
الحمولة: 8 صواريخ موجّهة وكاميرات.
السرعة: 150–200 كم/س.
الاستخدام: مراقبة طويلة المدى، مع القدرة على الضرب في العمق، وقد استُخدمت في سوريا والعراق.
- مسيّرات هجومية/انتحارية
وهي تُستخدم للهجوم على أهداف عسكرية أو استراتيجية، إما بقصفها بالصواريخ أو بالاصطدام بها مباشرة (طائرات انتحارية). وأشهرها:
«شاهد-136» (انتحارية):
المدى: حتى 2,000 كم.
الحمولة: رأس حربي يزن 40–50 كغ.
السرعة: 185 كم/س.
الاستخدام: هجوم انتحاري ضد المواقع العسكرية أو المنشآت.
نقطة قوتها: صغر حجمها وصعوبة اكتشافها.
«شاهد-131»:
- نسخة أصغر من «شاهد-136»، بمدى أقصر وتكلفة أقل.
«كيان-1» و«كيان-2»:
مسيّرات انتحارية قادرة على التحليق بسرعة تزيد على 300 كم/س.
الحمولة: تصل إلى 20–30 كغ من المتفجرات.
مسيّرة «آرش-2»:
يُقال إنها مصممة خصيصًا لاستهداف تل أبيب وحيفا.
المدى: أكثر من 2,000 كم.
الرأس الحربي: أكبر من رأس «شاهد-136».
صُممت لتكون طائرة «انتحارية ثقيلة» قادرة على اختراق الدفاعات الجوية.
- مسيّرات هجينة (استطلاع وهجوم)
«كرّار»:
تُعدّ من أوائل المسيّرات «النفاثة» الإيرانية.
المدى: 1,000 كم.
الحمولة: قنابل وصواريخ مضادة للدروع.
السرعة: حتى 900 كم/س (مستوى الطائرات النفاثة).
الاستخدام: مهمات هجومية دقيقة، مع قدرة عالية على المناورة.
- مسيّرات ثقيلة متطورة مشابهة لطائرات الدرون الأمريكية
«فطرس»:
المدى: يصل إلى 2,000 كم.
الحمولة: أكثر من 100 كغ.
الاستخدام: مهمات طويلة الأمد، وقد استُخدمت تجريبيًا في مناطق عمليات خارجية.
«شاهد-149» (غزة):
تشبه في مظهرها الطائرة الأمريكية (Reaper).
المدى: أكثر من 2,000 كم.
الحمولة: صواريخ موجّهة وكاميرات متقدمة.
ثانيًا: آلية استخدام كل نوع من المسيّرات
- تحديد الهدف
تُجمع أولًا المعلومات عن الأهداف (بالاستطلاع المسبق بواسطة مسيّرات الاستطلاع أو عبر العمل الاستخباري)، ثم تُحدَّد الإحداثيات الدقيقة للهدف العسكري (قاعدة جوية، رادار، منشأة نووية).
- إطلاق المسيّرات
تُطلق بعض المسيّرات من عربات برية، أو من قواعد جوية، أو حتى من سفن بحرية (كما في البحر الأحمر).
- التوجيه والتحكم
تُوجَّه بعض المسيّرات يدويًا عبر محطة تحكم أرضية، بينما يعتمد بعضها على نظم الملاحة الفضائية (GPS/GLONASS)، أو على الطيران المبرمج مسبقًا (Autonomous Navigation) بحيث تنفّذ المهمة تلقائيًا دون تدخل بشري بعد الإطلاق.
- التنفيذ
المسيّرات الانتحارية (مثل «شاهد-136») تتجه مباشرة نحو الهدف وتنفجر عند الاصطدام.
المسيّرات الهجومية (مثل «شاهد-129») تطلق صواريخ دقيقة على أهدافها.
المسيّرات الاستطلاعية (مثل «مهاجر») تراقب وترسل بثًّا مباشرًا بالفيديو.
ثالثًا: مدى فعاليتها ضد الدفاع الجوي الإسرائيلي
- إمكانية تجاوز الرادارات الإسرائيلية
تعتمد المسيّرات الإيرانية، ولا سيما الانتحارية منها، على أساليب تجعل اكتشافها صعبًا، ومنها:
التحليق على ارتفاع منخفض (أقل من 100 متر)، ما يصعّب على الرادارات متابعتها بسبب انحناء الأرض.
البصمة الرادارية الصغيرة (Low Radar Cross Section)، إذ تُصنع أجسامها من مواد لا تعكس إشارات الرادار.
الطيران البطيء: فالرادارات المتقدمة قد تصنّفها «طيورًا» أو «أجسامًا مدنية» بسبب بطء سرعتها (180–200 كم/س)، فتُهمِلها.
الطيران الجماعي: إذ تطلق إيران المسيّرات في أسراب، ما يربك الدفاعات الإسرائيلية ويجعل إسقاطها جميعًا أمرًا صعبًا.
- أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي وقدرتها على المواجهة
ومن هذه المنظومات:
القبة الحديدية (Iron Dome): فعالة ضد الصواريخ قصيرة المدى، لكنها ليست فعالة جدًا ضد المسيّرات الصغيرة جدًا أو الأسراب الضخمة.
مقلاع داود (David’s Sling): متقدم، لكنه مصمم أساسًا للصواريخ الباليستية لا للمسيّرات.
«باراك» وصواريخ «باتريوت»: تُستخدم ضد الأهداف الجوية المتوسطة والبعيدة، وتنجح أحيانًا في اعتراض المسيّرات متوسطة الحجم.
وبالتالي فإن بعض المسيّرات الإيرانية قادرة على تجاوز الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ولا سيما الانتحارية منها، عند استخدامها بكثافة أو بطرق غير متوقعة.
رابعًا: الأهداف التي تُستخدم المسيّرات الإيرانية ضدها
القواعد الجوية، مثل حتسور ورامون وتل نوف.
محطات الرادار الإسرائيلية.
مراكز القيادة والسيطرة العسكرية.
منشآت الطاقة.
الموانئ العسكرية.
مخازن الذخيرة.
المنشآت النووية.
وقد نُفّذت هجمات مشابهة بالمسيّرات ضد منشآت «أرامكو» في السعودية عام 2019، وهو ما عُدّ نموذجًا عمليًا على ذلك.
خامسًا: الخاتمة
تُعدّ المسيّرات أحد أهم أسلحة الردع الهجينة لدى إيران، كونها توفّر لها القدرة على تنفيذ عمليات هجومية دقيقة بتكلفة منخفضة، ودون تعريض طياريها للخطر. وتمتلك إيران اليوم منظومة متكاملة تشمل الاستطلاع والهجوم والمسيّرات الانتحارية، مع قدرات متقدمة على توجيه المسيّرات بسرية وتجاوز الرادارات، ما يشكّل تهديدًا جديًا للبنية التحتية العسكرية الإسرائيلية.
لكن رغم هذه القدرات، تبقى فعالية هذه المسيّرات في مواجهة منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية مرهونة بعوامل كثيرة، منها العدد والتوقيت ونوع الهدف والمفاجأة. ومن المتوقع أن يتصاعد سباق التسلح في هذا المجال بين الطرفين عبر تطوير الذكاء الاصطناعي وتقنيات الحرب الإلكترونية والحرب السيبرانية.