الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ما الافتراض الرقمي أو الشبكات الرقمية؟ وأين تُستخدم؟ ومن يستخدمها بكفاءة؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 8 أيار 2025

ما الافتراض الرقمي أو الشبكات الرقمية؟ وأين تُستخدم، ولماذا؟ وما الغاية منها؟ وما الدول التي تستخدمها بكفاءة، ولماذا؟

أولًا: مفهوم الافتراض الرقمي والشبكات الرقمية

يشير الافتراض الرقمي (Digital Virtualization) أو الشبكات الرقمية (Digital Networks) إلى بيئة إلكترونية غير مادية، يُعاد فيها تشكيل العناصر الواقعية (الأشخاص، والأماكن، والأنظمة، والإجراءات) على شكل كيانات رقمية تتفاعل فيما بينها عبر شبكات إلكترونية معقدة.

ويُطلق مصطلح «الافتراض الرقمي» غالبًا على نقل الواقع إلى بيئة افتراضية تُستخدم فيها تقنيات مثل:

  • الحوسبة السحابية.

  • الذكاء الاصطناعي.

  • الواقع الافتراضي والمعزَّز.

  • شبكات الإنترنت عالية السرعة.

  • البرمجيات المتكاملة.

  • إنترنت الأشياء (IoT).

أما الشبكات الرقمية فهي البنية التحتية التقنية التي تُتيح الترابط بين الأجهزة والمستخدمين والمؤسسات في إطار هذه البيئة الرقمية، وهي تُعدّ القلب النابض لعصر الرقمنة.

ثانيًا: أين تُستخدم الشبكات الرقمية ولماذا؟

تُستخدم الشبكات الرقمية والافتراض الرقمي في جميع المجالات الحديثة، ومن استخداماتها:

  1. القطاع العسكري والأمني:

    • بناء بيئة «محاكاة افتراضية» للتدريب القتالي.

    • إنشاء غرف عمليات رقمية مركزية للتحكم بالأسلحة والطائرات والمعلومات الاستخباراتية.

    • حماية منظومات الدفاع السيبراني.

    • تنفيذ «التمويه الإلكتروني» أو الهجوم الرقمي.

  2. قطاع التعليم والبحث العلمي:

    • إنشاء فصول دراسية ذكية وتفاعلية عبر الإنترنت.

    • محاكاة التجارب العلمية والبحثية افتراضيًا.

    • نشر المناهج والبرمجيات التعليمية السحابية.

  3. قطاع الطب والصحة:

    • إجراء عمليات جراحية عن بُعد.

    • تسجيل المرضى ومتابعتهم رقميًا.

    • استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الصحية وتشخيص الأمراض.

  4. القطاع الاقتصادي والمالي:

    • تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني والبنوك الرقمية.

    • تداول العملات المشفرة.

    • مراقبة الأسواق العالمية وتحليل البيانات الاقتصادية.

  5. البنية التحتية الذكية والمدن الرقمية:

    • إدارة حركة المرور عبر الشبكات الذكية.

    • تنظيم الطاقة والمياه والموارد من خلال مستشعرات إلكترونية متصلة.

    • بناء «مدن رقمية» تعتمد على التكنولوجيا في جميع مرافقها.

  6. الإعلام والتواصل الاجتماعي:

    • استخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيه المحتوى وتشكيل الرأي العام.

    • إدارة الحملات السياسية والدعائية عبر أدوات تحليل البيانات الضخمة (Big Data).

    • توفير بيئة رقمية بديلة للعالم الواقعي (الواقع الافتراضي VR والميتافيرس Metaverse).

ثالثًا: الغاية من الافتراض الرقمي والشبكات الرقمية

تكمن الغاية الأساسية في:

  1. تسريع العمليات وتحسين الأداء.

  2. تعزيز الاتصال بين الأشخاص والأنظمة حول العالم.

  3. تقليل التكاليف التشغيلية.

  4. توفير تحليلات دقيقة وبيانات فورية لاتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.

  5. استشراف المستقبل من خلال المحاكاة الرقمية.

  6. توفير الأمن والتحكم المركزي في الأنظمة والخدمات.

  7. السيطرة الاستراتيجية على المعلومات، وهي من أبرز أهداف الدول المتقدمة.

رابعًا: الدول التي تستخدمها بكفاءة، ولماذا؟

  1. الولايات المتحدة الأميركية:

    • تقود مجال الشبكات الرقمية والبنية السيبرانية، خاصة مع تفوق شركاتها مثل Amazon Web Services وIBM وMicrosoft وGoogle.

    • يعتمد البنتاغون على شبكة رقمية عالية التعقيد تُدعى «Joint All-Domain Command and Control» (JADC2).

    • تخصص ميزانيات ضخمة للبحث والتطوير في هذا المجال.

    • تمتلك أكبر منظومة من الأقمار الصناعية التي تدعم الفضاء الرقمي.

  2. الصين:

    • بنت «جدار الحماية العظيم» (سور الصين الناري) شبكةً رقميةً سيادية.

    • تُدير منظومة مراقبة رقمية تُعد الأضخم في العالم، وتستخدم الذكاء الاصطناعي استخدامًا متقدمًا.

    • تسعى إلى السيطرة على شبكات الجيل الخامس (5G) وفرض نموذجها الرقمي عالميًا عبر شركة Huawei.

  3. إسرائيل:

    • تُعدّ من الدول الرائدة في تطوير أنظمة الافتراض الرقمي للاستخدام العسكري والاستخباراتي، خصوصًا في وحدات مثل «الوحدة 8200».

    • تطبق مفهوم «الجيش الرقمي» الذي يعتمد على المعلومات الفورية والطائرات دون طيار والتحكم عن بُعد.

    • نجحت في بناء شبكة رقمية دفاعية تحاكي الواقع وتحاكي التهديدات.

  4. روسيا:

    • تمتلك بنية رقمية عسكرية معقدة هي نظام الدفاع الوطني الروسي (NDC).

    • تعتمد على «الافتراض الرقمي» في ميادين الحرب، وتستخدم تقنيات الواقع المعزز لتدريب قواتها.

    • طوّرت نظامًا رقميًا للتحكم بالردع النووي والسيبراني.

  5. دول الاتحاد الأوروبي:

    • أنشأت نظام Gaia-X بنيةً سحابيةً أوروبيةً مستقلة.

    • تعتمد حكوماتها على شبكات رقمية متقدمة في الصحة والتعليم والطاقة.

    • تركز على حماية الخصوصية الرقمية عبر تشريعات قوية مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR).

  6. الإمارات والسعودية:

    • طوّرت الإمارات نموذج «دبي الذكية»، وهو من أنجح التجارب الرقمية في العالم العربي.

    • تعتمد السعودية في «رؤية 2030» على إنشاء بنية رقمية متكاملة، كما تُعدّ مدينة «نيوم» مشروعًا رقميًا عملاقًا.

خامسًا: تحديات استخدام الشبكات الرقمية

رغم الفوائد الكبيرة، تواجه الدول تحديات متعددة، منها:

  1. الهجمات السيبرانية: كلما زاد الاعتماد على الفضاء الرقمي زادت احتمالات الاختراق.

  2. فقدان الخصوصية: يمكن أن تؤدي الشبكات الرقمية إلى مراقبة دقيقة لكل تحركات الأفراد.

  3. السيطرة الأجنبية: أغلب الشبكات العالمية تُديرها شركات أميركية أو صينية.

  4. غياب التشريعات الموحدة: تختلف الدول في حماية البيانات وتقييد الفضاء الرقمي.

الخلاصة

باتت الشبكات الرقمية والافتراض الرقمي قلب العالم الحديث، وهي ليست مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت ركيزة في الأمن القومي والسياسي والعسكري والاقتصادي. والدول التي استثمرت مبكرًا في هذه التقنية أصبحت تملك القوة المعلوماتية والتفوق في التحكم بالقرارات العالمية، وهذا ما يفسر سعي جميع الدول، خاصة الكبرى، إلى تطوير بنى رقمية خاصة بها، أو على الأقل حماية سيادتها الرقمية.