الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما الحرب السيبرانية؟ وما أهدافها وغاياتها؟ ومتى تُستخدم؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025
مقدمة
في عصر التقدم التكنولوجي الهائل والاعتماد الكبير على الشبكات والأنظمة الرقمية في جميع مناحي الحياة المدنية والعسكرية، ظهرت جبهة جديدة في عالم الحروب الحديثة تُعرف باسم «الحرب السيبرانية» (Cyberwarfare). لم تعد الحروب اليوم تقتصر على البر والبحر والجو، بل أصبح الفضاء الرقمي ميدانًا فعليًا للصراع بين الدول والمؤسسات، وأحيانًا حتى بين الجماعات المسلحة والمنظمات غير الحكومية.
لم تعد الحرب السيبرانية مجرد خيال علمي أو نشاط تجسسي محدود، بل تحولت إلى أداة استراتيجية تستخدمها الدول لتقويض أنظمة الخصوم، وإحداث أضرار اقتصادية، وتوجيه ضربات استباقية، أو حتى التأثير في قرارات الشعوب عبر المعلومات والتلاعب بالرأي العام. وفي هذه المقالة سنتناول بالتفصيل مفهوم الحرب السيبرانية، وأهدافها، وأدواتها، ومتى تُستخدم، ومَن هم اللاعبون الرئيسيون في هذا النوع من الحروب.
أولًا: تعريف الحرب السيبرانية
الحرب السيبرانية هي مجموعة من الأعمال العدائية التي تُنفَّذ من خلال شبكات الحاسوب والإنترنت بهدف إحداث ضرر أو تعطيل في الأنظمة الإلكترونية والبنية التحتية الحيوية لدولة أو مؤسسة أو جهة معينة. وهي تختلف عن الجرائم الإلكترونية العادية في كونها منسقة، وممولة غالبًا من جهات رسمية أو شبه رسمية، وتهدف إلى تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
ويُعدّ كل هجوم يستخدم أدوات رقمية لإحداث أضرار مباشرة أو غير مباشرة في بنى الدولة أو قدراتها الدفاعية أو الاقتصادية جزءًا من الحرب السيبرانية، سواء كان ذلك من خلال:
تدمير البيانات.
تعطيل شبكات الاتصال.
التلاعب في البورصات والبنوك.
شلّ أنظمة الطاقة أو المياه أو الطيران.
بثّ شائعات أو رسائل إعلامية موجهة ضمن عمليات الحرب النفسية الرقمية.
ثانيًا: أهداف الحرب السيبرانية وغاياتها
تحمل الحرب السيبرانية في طياتها مجموعة متنوعة من الأهداف، منها:
شلّ القدرات الحيوية للخصم: مثل الهجوم على شبكات الكهرباء، أو تعطيل أنظمة النقل الجوي أو السكك الحديدية، مما يؤدي إلى انهيار الحياة اليومية ويُحدث فوضى داخلية.
ضرب المؤسسات الدفاعية والأمنية: عبر اختراق شبكات وزارة الدفاع، أو الاستيلاء على بيانات حساسة عن الخطط العسكرية، أو حتى توجيه ضربة رقمية لأنظمة الدفاع الجوي، كما حصل في حالات سابقة.
التأثير في الاقتصاد: من خلال تعطيل البورصات، أو سرقة بيانات البنوك، أو تنفيذ هجمات فدية على الشركات الكبرى، مما يُضعف اقتصاد الدولة المستهدفة.
التجسس الإلكتروني: وهو من أكثر أهداف الحرب السيبرانية انتشارًا، إذ تعمل أجهزة الاستخبارات على سرقة المعلومات الحساسة من خصومها.
التشويش على الرأي العام: وذلك عبر اختراق مواقع الإعلام، أو نشر معلومات مزيفة على شبكات التواصل الاجتماعي، كما حصل في الانتخابات الأميركية عام 2016 حين وُجّهت إلى روسيا اتهامات بتضليل الناخبين.
الردع أو التحذير: تُستخدم الحرب السيبرانية وسيلةً للردع عبر إرسال رسالة بأن «اليد الرقمية» قادرة على الوصول إلى عمق الخصم دون الحاجة إلى سلاح تقليدي.
ثالثًا: أدوات الحرب السيبرانية وآلياتها
الفيروسات والبرمجيات الخبيثة (Malware): مثل «ستوكسنت» الذي ضرب البرنامج النووي الإيراني عام 2010، والذي يُعتقد أن إسرائيل وأميركا طوّرتاه لتعطيل أجهزة الطرد المركزي.
هجمات الحرمان من الخدمة (DDoS): وهي إغراق مواقع الإنترنت أو شبكات معينة بطلبات وهمية حتى تنهار.
برامج التجسس (Spyware): تُزرع داخل الأجهزة لجمع البيانات سرًّا.
برامج الفدية (Ransomware): حيث تُشفَّر بيانات المؤسسات ويُطالَب بفدية مقابل فك التشفير، وهذا الأسلوب شائع جدًا حاليًا.
الطائرات المسيّرة ذات الذكاء الاصطناعي: التي تستخدم تقنيات تحديد المواقع واستهداف الشبكات والبنى التحتية الرقمية.
رابعًا: متى تُستخدم الحرب السيبرانية؟
تمهيدًا لحرب تقليدية: تستخدمها بعض الدول لكسر الدفاعات الإلكترونية للخصم قبل بدء الهجوم العسكري، ومثال ذلك الهجوم السيبراني الروسي على أوكرانيا قبيل الغزو عام 2022.
وسيلةً للرد غير المباشر: عندما لا ترغب الدولة في الرد العسكري الصريح، فإنها تختار العمل السيبراني وسيلةَ انتقام سرية لا يسهل تتبعها.
أداةَ ردع في أوقات السلم: حتى في غياب الحرب، تُوجَّه هجمات إلكترونية محدودة لترهيب الخصم أو تحذيره.
ضد مجموعات أو شركات كبرى: وليس ضد الدول فقط، مثل الهجمات على شركة Sony Pictures عام 2014 من قراصنة يُعتقد أنهم تابعون لكوريا الشمالية.
أثناء الأزمات السياسية أو الانتخابية: للتأثير في نتائج الانتخابات، أو زرع الانقسام، أو التأثير في الحكومات، كما في الهجمات الموجهة إلى الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا.
خامسًا: اللاعبون الرئيسيون في مجال الحرب السيبرانية
الولايات المتحدة الأميركية: تملك أحد أقوى الجيوش السيبرانية في العالم، وتضم وكالة الأمن القومي (NSA) و«القيادة السيبرانية الأميركية» (US Cyber Command) التي تُعد رأس الحربة في هذا المجال.
روسيا: تُعرف بخبرتها المتقدمة في الهجمات السيبرانية، كما حدث في إستونيا عام 2007، وفي أوكرانيا، وفي عدد من الحملات ضد أوروبا وأميركا.
الصين: تمتلك شبكة ضخمة من القراصنة المرتبطين بالدولة، وقد اتُّهمت مرارًا بسرقة بيانات من شركات تقنية غربية.
إيران: تمتلك وحدات سيبرانية فعالة، وهي متهمة بتنفيذ عمليات ضد بنوك أميركية وشركات إسرائيلية، وحتى ضد البنية التحتية المائية في بعض الدول.
كوريا الشمالية: تعتمد على السيبرانية بديلًا عن السلاح التقليدي، وقد نفّذت عددًا من الهجمات على بنوك ومؤسسات مالية في العالم.
إسرائيل: لديها الوحدة 8200، وهي من أعتى وحدات الحرب السيبرانية في العالم، وتمثل مركزًا استخباريًا معلوماتيًا متطورًا.
سادسًا: هل تُعدّ الحرب السيبرانية بديلًا عن الحرب التقليدية؟
في الواقع، ليست الحرب السيبرانية بديلًا كاملًا عن الحرب التقليدية، لكنها تتكامل معها؛ فهي أحيانًا مقدمة لها، وأحيانًا وسيلة للتعطيل، وقد تكون رادعًا أو حتى وسيلة ضغط. والأهم أنها تسمح للدول الصغيرة، مثل كوريا الشمالية، بأن تواجه دولًا عظمى من خلال هذه «المعركة اللامتماثلة» التي لا تحتاج إلى جيوش ضخمة.
سابعًا: كيفية الدفاع ضد الحرب السيبرانية
تعزيز الأمن السيبراني الوطني.
بناء وحدات رقمية دفاعية وهجومية.
تحديث البرامج والبنية الرقمية باستمرار.
تشفير المعلومات وتقييد الصلاحيات.
تدريب الموظفين والمؤسسات على الوعي بالتهديدات الرقمية.
خاتمة
أصبحت الحرب السيبرانية واحدة من أخطر أنواع الحروب المعاصرة وأعقدها. إنها حرب غير مرئية، لكنها قادرة على شلّ دول بأكملها، وتعطيل جيوش، وتدمير اقتصادات، دون أن تُطلَق رصاصة واحدة. تُستخدم هذه الحرب في كل وقت: في السلم وسيلةً للردع، وفي الأزمة أداةً للتشويش، وفي الحرب وسيلةً للتمهيد أو الانتقام. إنها لغة المستقبل في الصراع العالمي، ومن لا يمتلك القدرة السيبرانية سيكون عرضة للهزيمة في أول اشتباك.