الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ما الذي حدث في إيران؟ ولماذا لم تُطلق المضادات الأرضية على الهجوم الإسرائيلي؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 13 حزيران 2025

تحليل استخباراتي استراتيجي عسكري.

استيقظت طهران على صدى ضربات جوية خاطفة استهدفت مواقع عسكرية وصناعية، من بينها منشآت حساسة ذات طابع نووي. لم تُسمع أصوات المضادات، ولم تُرَ صواريخ الاعتراض، ولم تخرج طائرات الدفاع الجوي، وكأن السماء اختُرقت لا على مستوى الطيران، بل على مستوى “الوعي العسكري نفسه”.

فما الذي جرى؟ وكيف عبر الطيران الإسرائيلي إلى قلب العمق الإيراني بهذه السهولة؟ ولماذا لم تردّ الدفاعات الصاروخية الإيرانية المعروفة بقوتها وتعدد طبقاتها؟

أولاً: الحرب السيبرانية، المعركة التي لا تُرى

ما لم يُرَ على شاشات الرادار ربما كان قد عُطّل قبل ساعات من الهجوم، أو حتى قبل أيام. فالحرب لم تبدأ بالصواريخ، بل بدأت بـ”نقرة” على لوحة مفاتيح.

لقد سبق الهجومَ الجوي الإسرائيلي اختراقٌ إلكتروني واسع النطاق، عُطّلت فيه شبكة الاتصالات العسكرية وأنظمة القيادة والسيطرة، بل ربما حُقنت “بيانات زائفة” داخل النظام الإيراني نفسه لتبدو الأجواء هادئة، بينما كانت الطائرات الشبحية الإسرائيلية (F-35) تحلق على ارتفاع منخفض في قلب الأجواء الإيرانية.

هذه هي الحرب الهجينة بكل تجلياتها: مزيج من الاختراق السيبراني، والتخدير الاستخباراتي، والتشويش على الرادارات، والتنسيق الدقيق بين وحدات الحرب الإلكترونية والطيران القتالي.

ثانياً: الشبحية الإسرائيلية F-35 تضرب في صمت

المقاتلات التي استخدمتها إسرائيل، وعلى رأسها (F-35I) “أدير”، لا تُرى بالرادارات التقليدية، خصوصاً إذا كانت تلك الرادارات معطلة أو مشوشة إلكترونياً.

صُممت هذه الطائرات لقتل العدو دون أن تُشاهَد. ومع وجود منظومات إطلاق صواريخ بعيدة المدى، لم تكن الطائرات نفسها بحاجة حتى إلى الدخول إلى عمق الدفاعات، بل نفذت الهجوم من مدى آمن بعد أن مُهّد الطريق سيبرانياً.

ثالثاً: ثغرات في منظومة الدفاع الإيراني

تعاني إيران، على الرغم من امتلاكها منظومات مثل (S-300) و”باور 373”، من خلل هيكلي في التكامل بين عناصرها؛ فالرادار في جهة، وقاذفات الصواريخ في جهة، وقيادة التحكم في جهة ثالثة.

هذه ليست شبكة موحدة، بل أدوات منفصلة. ولذلك فعندما ضُرب مركز القيادة والسيطرة أو شُوّش عليه، تعطلت المنظومة كلها وكأنها لم تكن.

كما أن غياب التنسيق الفوري بين الرصد والتحليل والقرار والرد يجعل الاستجابة لأي تهديد في إيران بطيئة باردة، أو حتى مشلولة بالكامل.

رابعاً: التخدير الاستخباراتي

الأخطر من الضربات ذاتها هو ما سبقها من تخدير استخباراتي؛ فإسرائيل راقبت لسنوات، وزرعت عملاء، وشنّت هجمات سيبرانية تجريبية، واختبرت الدفاعات، وحرّكت أهدافاً وهمية، حتى باتت تعرف متى يكون النظام في أضعف لحظاته.

وفي يوم الضربة ربما كانت القيادة في وضع غير جاهز، مشغولة بتهديدات أخرى، أو ضحية “تشتيت استراتيجي” أُعدّ بعناية.

الخاتمة

إيران لم تُضرب بصاروخ فقط، بل ضُربت أولاً بالعتمة المعلوماتية، بالعجز، بعدم القدرة على الرؤية.

ضُربت وهي لا تدري أنها ضُربت. وهذا هو تعريف الضربة الذكية في الحروب الحديثة.

كان الهجوم الإسرائيلي بمثابة عرض ناري لأعلى مستويات التكامل بين الاستخبارات والقدرات السيبرانية والطيران الشبحي. أما غياب المضادات فكان علامة على فشل المنظومة، لا على نقص في المعدات.

ففي عالم الحرب الحديثة لا يكفي أن تملك الصواريخ إن لم تملك القدرة على رؤيتها قادمة.