الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ما دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن والضغوط الأوروبية والأمريكية على إسرائيل لإنهاء الحرب في غزة؟

من سلسلة «الحرب على غزة» – كُتب في نيسان 2025

المقدمة

إن الحرب الإسرائيلية الفلسطينية في غزة ليست مجرد صراع محلي بين طرفين، إسرائيلي وفلسطيني، بل أصبحت أزمة عالمية متشابكة تستدعي تفاعلًا وتدخلًا من جميع المؤسسات الدولية الكبرى، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

كما أن القوى الأوروبية والأمريكية، بحكم تاريخها وموقعها السياسي وتأثرها بموجات الرأي العام، أصبحت في قلب هذا التفاعل الدولي؛ إذ تحاول أوروبا وأمريكا الاضطلاع بدور متوازن بين الحفاظ على مصالحهما وضمان احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة في ظل التدهور الإنساني الكارثي الذي يعيشه أهالي غزة.

في هذا التحليل نناقش بالتفصيل ما يأتي:

أولًا: دور الأمم المتحدة ومؤسساتها في الصراع (الحرب الإسرائيلية على غزة).

ثانيًا: دور مجلس الأمن في الضغط على إسرائيل.

ثالثًا: مواقف الاتحاد الأوروبي والضغوط السياسية والاقتصادية الممارَسة على إسرائيل.

رابعًا: تقييم فاعلية هذه الأدوات في إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة.

خامسًا: التحديات والمعوقات التي تواجه هذا المسار.

أولًا: دور الأمم المتحدة في الصراع – الحرب الإسرائيلية على غزة

1- على المستوى الإنساني

  1. منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة بدأت الوكالات التابعة للأمم المتحدة (مثل الأونروا وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية) إطلاق تحذيرات متكررة بشأن الوضع الكارثي في قطاع غزة.

  2. وفّرت الأمم المتحدة مساعدات طارئة لأهالي غزة، وأقامت مراكز إيواء فيها، وحاولت التنسيق مع المعابر الحدودية الإسرائيلية لتسهيل دخول الغذاء والماء والدواء إلى القطاع.

  3. لكن جهود الأمم المتحدة كانت محدودة للغاية، نظرًا للقصف الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة، وتدمير منشآت الأمم المتحدة نفسها جراء هذا القصف، حيث قُصفت عشرات المدارس والمستشفيات التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

2- على المستوى القانوني

  1. أصدرت مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تقارير رسمية تتهم إسرائيل باستخدام «القوة غير المتناسبة» وارتكاب «انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني» في غزة.

  2. أحالت بعض الجهات الحقوقية الأممية قادة الجيش والسياسيين الإسرائيليين إلى التحقيق في المحكمة الجنائية الدولية، بتهم تتعلق بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وخرق قانون حقوق الإنسان.

  3. وأرسلت الأمم المتحدة أيضًا خبراء مستقلين لتقصّي الحقائق في غزة حول «استخدام إسرائيل التجويع سلاحًا» وتدمير البنية المدنية في القطاع.

3- على مستوى الجمعية العامة للأمم المتحدة

  1. عقدت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدة جلسات طارئة صوّتت خلالها بأغلبية ساحقة لصالح وقف إطلاق النار الفوري وتقديم المساعدات لغزة.

  2. ورغم أن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة قانونيًّا، فإنها تعكس موقفًا سياسيًّا وأخلاقيًّا عالميًّا معارضًا للعدوان الإسرائيلي على غزة.

  3. ومن اللافت أن أكثر من 140 دولة في الأمم المتحدة أيدت وقف الحرب الإسرائيلية على غزة، بينما رفضت ذلك إسرائيل مع عدد محدود من الحلفاء، في مقدمتهم الولايات المتحدة.

ثانيًا: دور مجلس الأمن الدولي

1- محاولات مجلس الأمن الفاشلة في البداية

  1. منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة حاولت دول مثل روسيا والصين والبرازيل تمرير مشاريع قرارات في مجلس الأمن الدولي تطالب بوقف إطلاق النار في غزة، لكن الولايات المتحدة استخدمت حق النقض (الفيتو) أكثر من مرة لحماية إسرائيل.

  2. أدى هذا الفيتو الأمريكي المتكرر إلى شلل في عمل مجلس الأمن، وأثار انتقادات واسعة حول ازدواجية المعايير لدى أمريكا، الدولة العظمى التي تقدّم نفسها راعيةً للعدالة والديمقراطية في العالم.

2- التحول الأمريكي النسبي لاحقًا بخصوص الحرب على غزة

  1. تحت ضغط الرأي العام العالمي وإلحاح الدول العربية والأوروبية، رضخت الولايات المتحدة جزئيًّا وامتنعت عن التصويت في آذار/مارس 2024 على مشروع قرار يطالب بـ«وقف فوري لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان المبارك»، ما سمح بتمريره.

  2. لكن هذا القرار، رغم صدوره، لم يُنفَّذ عمليًّا، بسبب رفض إسرائيل الامتثال له، وغياب آلية تنفيذ واضحة.

3- صعوبات تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن

  1. لا يملك مجلس الأمن «جيشًا دوليًّا» لفرض قراراته، ويعتمد على الدول الكبرى في التنفيذ.

  2. وما دامت الولايات المتحدة وفرنسا لم تمارسا ضغطًا فعليًّا على إسرائيل، فإن تنفيذ قرارات مجلس الأمن سيظل رمزيًّا أو غير مؤثر، ولن تستجيب له إسرائيل.

4- مبادرات مستقبلية لنشر قوة حماية دولية في غزة (لحماية المدنيين)

  1. طرحت بعض الدول إمكانية نشر «قوة حماية دولية» في غزة لحماية المدنيين، أو فرض «مناطق آمنة»، لكن هذه الأفكار لا تزال نظرية بسبب معارضة إسرائيل والولايات المتحدة.

  2. هناك مساعٍ لتشكيل صيغة جديدة للتفاوض تشمل الأمم المتحدة ومصر وقطر وأطرافًا أوروبية أخرى.

ثالثًا: الضغوط الأوروبية على إسرائيل

1- المواقف الرسمية لأوروبا

  1. في البداية تبنّت معظم الحكومات الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وإيطاليا) مواقف داعمة لإسرائيل، معتبرة أن لها «حق الدفاع عن النفس».

  2. ومع مرور الوقت وتزايد أعداد الضحايا المدنيين الفلسطينيين وتدهور الوضع الإنساني في غزة، بدأت بعض الحكومات الأوروبية تغيّر مواقفها تدريجيًّا، وأصبحت تدعو إلى وقف إطلاق النار وفتح المعابر الإنسانية لإيصال الغذاء والدواء إلى غزة.

2- التحركات السياسية لأوروبا

  1. زار وزراء خارجية عدة دول أوروبية القاهرة والدوحة ورام الله في إطار محاولة تشكيل «مبادرة أوروبية» لتهدئة الأوضاع في غزة.

  2. أصدر البرلمان الأوروبي قرارات تدين الانتهاكات الإسرائيلية في غزة، وتطالب بحماية المدنيين فيها.

  3. اعترفت عدة دول (مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج) رسميًّا بدولة فلسطين، ما عُدّ رسالة سياسية قوية ضد السياسات الإسرائيلية.

3- الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لأوروبا

  1. يملك الاتحاد الأوروبي علاقات اقتصادية عميقة مع إسرائيل، تشمل:

    • اتفاقيات تجارة حرة.

    • تعاونًا في مجالات التكنولوجيا والعلم.

    • شراكات أمنية.

  2. هناك مطالب متصاعدة من المجتمع المدني الأوروبي بتجميد هذه الاتفاقيات أو تعليقها، خصوصًا اتفاق «هورايزن أوروبا» (Horizon Europe) للبحث العلمي.

  3. قررت بعض الدول الأوروبية حظر تصدير السلاح إلى إسرائيل، أو مراجعة شحنات الأسلحة (كما حدث في بلجيكا).

4- الضغوط الشعبية الأوروبية

  1. خرجت مئات التظاهرات في عواصم أوروبا (لندن وباريس ومدريد وبرلين) تطالب بوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

  2. تضاعفت حملات المقاطعة الشعبية الأوروبية للمنتجات والشركات الداعمة لإسرائيل.

  3. بدأت النقابات والجامعات تتخذ مواقف مقاطعة ثقافية وأكاديمية واضحة لإسرائيل.

رابعًا: تقييم فاعلية الضغوط الدولية على إسرائيل

رغم حجم الضغوط والاحتجاجات، فإن التأثير الفعلي في سياسات إسرائيل ما يزال محدودًا، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، هي:

  1. اعتماد إسرائيل الكامل على الدعم الأمريكي لا الأوروبي.

  2. هشاشة الموقف الأوروبي، وتباين المصالح بين دول الاتحاد الأوروبي.

  3. ضعف آليات تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

  4. وجود حكومة إسرائيلية يمينية متطرفة ترى أن «الحسم العسكري» ضد حماس في غزة هو الخيار الوحيد.

  5. استغلال إسرائيل للغضب الغربي الأوروبي من حركة حماس، وتصوير الحرب على أنها «حرب ضد الإرهاب».

ومع ذلك فإن التأثيرات المتراكمة بدأت تزعج إسرائيل دبلوماسيًّا واقتصاديًّا، وقد تظهر نتائجها على المدى المتوسط في:

  1. زيادة العزلة الدولية لإسرائيل.

  2. تباطؤ حركة الاقتصاد والتكنولوجيا مع إسرائيل.

  3. تآكل شرعية إسرائيل أمام الرأي العام العالمي.

  4. صعود حركات مقاطعة مؤثرة لإسرائيل.

  5. تزايد الضغوط على الولايات المتحدة لتعديل موقفها، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.

خامسًا: التحديات أمام الأمم المتحدة وأوروبا

  1. غياب إجماع عالمي نتيجة الفيتو الأمريكي لصالح إسرائيل.

  2. اختلال موازين القوى داخل مجلس الأمن الدولي، وسيطرة الدول الكبرى (أمريكا وبريطانيا) عليه.

  3. عجز الأمم المتحدة عن إلزام إسرائيل بالقرارات الصادرة عنها وعن مجلس الأمن الدولي، كوقف الحرب على غزة، أو بتنفيذ قرارات المحكمة الجنائية الدولية.

  4. ضعف الإرادة الأوروبية في اتخاذ قرارات جذرية ضد إسرائيل (مثل تعليق الاتفاقيات أو فرض عقوبات حقيقية عليها).

  5. تهميش الدور العربي الرسمي، مقابل ارتفاع الدور الشعبي والحقوقي.

الخاتمة

يظل دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي محوريًّا في الضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب في غزة، لكنه يواجه تحديات سياسية وهيكلية عميقة.

فالأمم المتحدة، رغم شرعيتها الدولية، مقيّدة بالفيتو الأمريكي، ومجلس الأمن لا يملك قوة تنفيذ حقيقية. أما أوروبا فتتحرك ببطء بسبب تباين مواقف أعضائها، لكنها باتت تعي أن استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة سيكلّفها سياسيًّا وأخلاقيًّا على المدى البعيد.

التحول قادم في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، لكن سرعته تتوقف على حجم الضغوط الشعبية الأوروبية، وتراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة على الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وتصاعد الكوارث الإنسانية في غزة.

وفي نهاية المطاف، فإن استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة لن يكون مسؤولية إسرائيل وحدها، بل مسؤولية صمت العالم بأجمعه أيضًا.