الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما دور القطعات البرية في الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟ وكيف تُحمى المناطق الاستراتيجية في البلدين؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في حزيران 2025
ما دور القطعات البرية في الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟
وكيف تُحمى القواعد والمناطق الاستراتيجية والمهمة في البلدين؟
وكيف يمكن لكل منهما أن يخدع الآخر لإخفاء تلك المناطق المهمة؟
وما دور الاستخبارات في ذلك؟
وكيف تتم مكافحة التجسس لمنع وصول أي معلومة إلى العدو؟
إن الحرب المحتملة بين إسرائيل وإيران، إن وقعت أو كانت دائرة فعلًا، تختلف عن الحروب الكلاسيكية التقليدية؛ فهي ليست حربًا ذات خطوط تماسّ أرضية مباشرة أو احتلال ميداني شامل، بل هي حرب تتصف بضربات استراتيجية صاروخية وجوية، مع تركيز كبير على الحسم السريع باستخدام التكنولوجيات المتقدمة. ومع ذلك، تظل القطعات البرية والاستخبارات العسكرية عنصرًا أساسيًا في الحرب، سواء في الدفاع أو الردع أو حتى في تنفيذ عمليات خاصة في العمق.
في هذا التحليل سنستعرض دور القطعات البرية، وحماية المنشآت، والخداع العسكري، ودور الاستخبارات ومكافحة التجسس، لدى كل من إسرائيل وإيران.
أولًا: دور القطعات البرية في الحرب الإسرائيلية الإيرانية
- في إسرائيل:
الجيش البري الإسرائيلي (IDF Ground Forces) قوة عالية التنظيم، تعتمد على وحدات مدرعة ومشاة وهندسة ووحدات خاصة.
- أبرز هذه الوحدات:
- لواء غولاني (نخبوي).
- لواء ناحال.
- لواء جفعاتي.
- لواء كفير.
- وحدات دبابات من نوع ميركافا IV.
- وحدات الكوماندوس: سييرت متكال، ودوفدفان، ووحدة إيغوز.
- دور هذه القطعات الإسرائيلية:
- لا تتوقع إسرائيل خوض معارك برية مباشرة ضد إيران بسبب المسافة.
- ولكن هذه القوات تؤدي دورًا كبيرًا في:
- حماية الجبهة الداخلية لإسرائيل من التسلل أو من هجمات وكلاء إيران (مثل حزب الله أو حماس).
- تنفيذ عمليات خاصة خارج الحدود (ضد منشآت إيرانية، أو ضد وحدات في سوريا).
- تمشيط الحدود الشمالية والجنوبية، وحماية المنشآت النووية في ديمونا والموانئ الاستراتيجية.
- في إيران:
تنقسم القطعات البرية الإيرانية إلى:
أ) الجيش النظامي (Artesh): القوات البرية.
ب) الحرس الثوري الإسلامي (IRGC Ground Forces): وهو النخبة، ولديه فرق قتالية عالية التأهيل منتشرة في المحافظات الاستراتيجية.
دور هذه القطعات الإيرانية:
- حماية المنشآت النووية والعسكرية من الإنزال الجوي أو العمليات الخاصة.
- الدفاع عن المدن الكبرى ومراكز القيادة.
- الانتشار على الحدود الغربية والشرقية تحسبًا لتدخل خارجي.
- العمليات الدفاعية في حال حدوث إنزال جوي إسرائيلي (وهو سيناريو غير مرجّح، لكنه يُحسب له حساب).
- دعم منصات الصواريخ البرية وحمايتها.
ثانيًا: حماية القواعد والمناطق الاستراتيجية الإيرانية والإسرائيلية
- الحماية في إسرائيل:
تعتمد إسرائيل على أنظمة دفاع متعددة الطبقات، مثل:
- القبة الحديدية (Iron Dome) لاعتراض الصواريخ القصيرة المدى.
- مقلاع داود (David’s Sling) للصواريخ المتوسطة المدى.
- آرو 2 وآرو 3 (Arrow) للصواريخ الباليستية البعيدة المدى.
- القواعد الجوية، مثل حتسور وتل نوف ورامون، محصنة جيدًا ومزودة بملاجئ للطائرات ومخابئ محصنة.
- المنشآت الحيوية، مثل مفاعل ديمونا ووزارة الدفاع والموانئ ومركز الأعصاب التكنولوجي في بئر السبع، تخضع لحماية من:
- فرق حماية خاصة.
- أنظمة رادارات وكاميرات حرارية.
- سواتر إلكترونية.
- الحماية في إيران:
- المنشآت النووية الإيرانية (نطنز، وفوردو، وأراك) مبنية تحت الأرض بعمق كبير، يصل إلى 80 مترًا تحت الجبال.
وتشمل الحماية الإيرانية ما يلي:
- الدفاعات الجوية من نوع Tor-M1 وS-300 الروسية، وباور-373 (Bavar-373).
- حواجز أمنية، ومجسات حساسة ضد الاقتحام، وقوات حماية من الحرس الثوري الإيراني.
- مواقع الحرس الثوري تُبنى غالبًا في مناطق جبلية معزولة لحمايتها من الهجمات الجوية.
ثالثًا: الخداع العسكري، وكيف يُخفى الموقع الحقيقي للمنشآت الاستراتيجية؟
الخداع من الأساليب العسكرية الكلاسيكية والحديثة، ويتجلى لدى الجانبين على النحو الآتي:
- إسرائيل:
تستخدم تقنيات تمويه متقدمة تشمل:
- إنشاء قواعد وهمية.
- استخدام إشارات رادارية كاذبة.
- تجهيز مقاطع فيديو جوية تحاكي مواقع حقيقية، لخداع العدو إذا اخترق المجال السيبراني.
- الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي لتحليل عمليات الرصد الجوي التي تقوم بها إيران أو حزب الله.
- إيران:
- تعتمد على شبكة كبيرة من الأنفاق في مناطق مختلفة.
- تنقل المعدات الحساسة إلى مناطق جبلية يصعب رصدها.
- تطلق طائرات وهمية (مسيّرات تمر عبر مدارات معينة لتشويش الرادارات الإسرائيلية).
- تستخدم تقنيات تغيير ترددات الإشارات اللاسلكية كي لا تُتعقَّب الاتصالات بين القيادات.
رابعًا: دور الاستخبارات في الحرب الإسرائيلية الإيرانية
- إسرائيل:
- الموساد: أقوى جهاز استخبارات هجومي في المنطقة، وله امتداد داخل إيران.
- الشاباك (الشين بيت): مسؤول عن الأمن الداخلي ومكافحة التجسس.
- أمان (الاستخبارات العسكرية): توفر معلومات ميدانية فورية للجيش.
أدوارها:
- تنفيذ اغتيالات لقادة الحرس الثوري والعلماء النوويين الإيرانيين.
- تنفيذ عمليات اختراق إلكتروني للمنشآت الإيرانية.
- دعم الطيران ببيانات عالية الدقة لتحديد الأهداف في إيران.
- إيران:
- استخبارات الحرس الثوري (IRGC Intelligence).
- وزارة الاستخبارات الإيرانية (MOIS).
أدوارهما:
- مراقبة تحركات إسرائيل وجمع المعلومات من خلال العملاء أو المراقبة السيبرانية.
- تنفيذ عمليات في الخارج (مثل التفجيرات أو الاغتيالات أو دعم المجموعات المسلحة).
- زرع عملاء داخل إسرائيل أو بين الجاليات العربية.
خامسًا: مكافحة التجسس وحماية المعلومات من التسرب
- إسرائيل:
- نظام رقابة استخبارية عالي المستوى.
- جميع المعلومات مصنفة حسب مستوى الحساسية.
- ضوابط إلكترونية صارمة على أجهزة الجيش والقيادات.
- الوحدة 8200 مسؤولة عن اعتراض الاتصالات وحماية المعلومات من الاختراق.
- تُكشف تسريبات التجسس سريعًا من خلال برامج مراقبة السلوك الرقمي.
- إيران:
- تطبق سياسة «التجزئة» (compartmentalization)، أي تجزئة المعلومات حتى لا يعرف العامل الواحد الخطة كلها.
- الرقابة على الموظفين والعسكريين صارمة، وقد تشمل تعقّب ذويهم وسلوكهم.
- لديها نظام أمن إلكتروني وسيبراني يتعاون مع الصين وروسيا في تأمين البيانات.
ومع ذلك، نجحت إسرائيل في اختراق عدة منشآت ومؤسسات إيرانية، مما يدل على ثغرات خطيرة في أنظمة مكافحة التجسس الإيرانية.
الخاتمة
في الحرب الإسرائيلية الإيرانية قد لا تكون القطعات البرية في طليعة المعارك، لكنها عنصر أساسي لحماية الجبهة الداخلية والمساهمة في العمليات الخاصة. أما حماية القواعد والمنشآت الاستراتيجية فتعتمد على منظومات دفاعية متطورة، والخداع العسكري أمر بالغ الأهمية لدى الطرفين. وتبقى الاستخبارات سلاحًا متقدمًا قادرًا على حسم المعركة قبل اندلاعها، أو حتى كسر ظهر الخصم بضربة معلوماتية واحدة. وقد أصبحت مكافحة التجسس وحماية أسرار الدولة اليوم جزءًا من معركة السيادة والبقاء في وجه الخصم.