الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما قبل الضغط على الزر النووي
من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 20، كُتب في نحو آذار 2022
بسبب خط أنابيب نورد ستريم 2
في أيلول/سبتمبر 2021 اكتمل مدّ خط أنابيب نقل الطاقة نورد ستريم 2، الذي يربط منطقة أوست-لوغا الروسية بمدينة لوبمين الألمانية عبر بحر البلطيق، بطول يقارب 1230 كم. ولم يُدشَّن الخط، لأنه أثار حفيظة أمريكا بشكل خاص، وقد أقنعت أمريكا بدورها ألمانيا بأن هذا الخط يعني رهن مستقبل الحياة الألمانية لروسيا، وبأنه سيؤدي إلى خسارة أوكرانيا ما بين 2 و3 مليارات دولار سنوياً بسبب توقف الخط المارّ عبر أراضيها.
والجدير بالذكر أن خط أنابيب نورد ستريم 2 قد تزيد عائداته السنوية على 15 مليار دولار لروسيا، إذا حافظت على الأسعار نفسها التي كانت تفرضها عبر الخط الأوكراني. وقد يحوّل هذا المشروع، بتكلفته المنخفضة، حاجة الأوروبيين إلى «غاز بوتين» إلى تبعية سياسية لروسيا.
الأزمة الحالية نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ تحجيم الاقتصاد الأوروبي ومحاولة تقزيمه، ولإعادة النظر في تصرفات الأوروبيين تجاه القضية الأوكرانية، على اعتبار أن 70% من الغاز الروسي يمرّ عبر الأنبوب الأوكراني، وهو واحد من أهم أربعة أنابيب تمرّ في بولندا وتركيا وأوكرانيا.
وهناك خط نورد ستريم 1 إلى ألمانيا، الذي يغذّي القارة العجوز أوروبا. وجزء من الأسباب التي انتفضت لأجلها أوروبا بشكل عام، وألمانيا وأمريكا بشكل خاص، هو أن شركة غازبروم الحكومية الروسية تمتلك 50% من هذا المشروع، مما أدى إلى تفسير الموضوع على أنه سلاح جيوسياسي فتّاك.
قد يرجع الاتحاد الأوروبي إلى العصور الوسطى، وهذا ما دعا أمريكا وأوروبا إلى فرض عقوبات على خط الغاز الجديد نورد ستريم 2 في الأعوام 2017 و2019 و2020، وهو الخط الذي لم يكتمل، كما قلنا سابقاً، إلا في أواخر عام 2021.
كانت ردّة الفعل الروسية قاسية ومبالغاً فيها نوعاً ما، بعد أن وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، مما جعل بوتين يضع بصمتين في آنٍ واحد، هما:
الأولى: خفض كمية الغاز المتوجهة إلى أوروبا عبر أوكرانيا بنسبة 23%.
الثانية: رفع السعر بنسبة 15%، فوضع الأوروبيين أمام عقبة القبول بالأمر الواقع، حتى سمح ذلك للكرملين بمراكمة الاحتياطي خلال هذه الفترة، إذ أعلن صراحةً ارتفاع مخزون الاحتياطي من العملة الصعبة إلى 630 مليار دولار.
قبل البدء بأي عملية عسكرية، لا بد أن تسبقها تحركات استفزازية تدريجية قبل اللجوء إلى خيار التصعيد العسكري.
يبدأ ذلك أولاً بالتصريحات الإعلامية، وينتهي بالضغط على زر إطلاق الطلقة الأولى.
فحشد روسيا أكثر من 100 ألف جندي على الحدود الروسية الأوكرانية، بنيّة اجتياح أوكرانيا، بحجة نيّتها الانضمام إلى حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)،
أدّى إلى الشرارة الأولى للحرب التقليدية، التي أوصلت فرنسا إلى أن تجعل غواصاتها النووية جاهزة للضغط على زر الإطلاق.
وفي الطرف الروسي لم يتأخر الردّ؛ إذ أخبر وزير الدفاع الروسي بوتين بأن أسطولي الشمال والمحيط الهادئ والقوات المشرفة على الأسلحة النووية في حالة تأهب قصوى للضغط على الزر النووي، في ظل ترقّب وتفرّج واضحين من الإدارة الأمريكية.
ولا يمكن إنكار حقيقة ثابتة، هي أن التفوق العسكري والقدرات القتالية الروسية أعلى بكثير مما هي عليه القدرات الأوكرانية، والدليل على ذلك تصنيف روسيا في المرتبة الثانية من أصل 140 دولة في العالم.
ناهيك عن امتلاك روسيا 70 غواصة و30122 مدرعة و12420 دبابة، وأكثر من 15 مدمّرة، بميزانية لوزارة الدفاع الروسية تبلغ 154 مليار دولار.
ناهيك عن القوات شبه العسكرية، المتمثلة في المقاتلين الشيشان وآخرين، الذين يزيد عددهم على 250 ألف مقاتل، بينما يبلغ عدد الأوكرانيين 50 ألف مقاتل.
يبدو أن معركة عضّ الأصابع ستبدأ من خلال نية السويد وفنلندا تقديم طلب الانضمام إلى حلف الناتو رسمياً.
وتُعدّ مثل هذه الخطوة أخطر خطوة، قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة، لندخل فعلياً في مرحلة نهاية العالم.
على اعتبار أن لدى روسيا تحفظات كبيرة على انضمام أوكرانيا والسويد وفنلندا إلى حلف الناتو،
الذي تعدّه روسيا بمثابة تهديد وجودي لها. كما أن خروج السويد عن صمتها وحيادها بإرسال آلاف المعدات العسكرية إلى أوكرانيا قد ينذر بأزمة جديدة، قد يُفتح بابها في الفترة التي تلي نهاية الحرب.
أما ألمانيا، التي وقعت بين أمرين أحلاهما مرّ، فقد اكتفت بإرسال 5 آلاف خوذة إلى أوكرانيا.
ملاحظة: أشار بايدن إلى أن خط أنابيب نورد ستريم 2 لن يمضي قدماً، وهذا لن يحدث أبداً؟