الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

ما مصير كييف والطبقة الحاكمة الأوكرانية بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – كُتب في حزيران 2025

ما مصير كييف والطبقة الحاكمة الأوكرانية بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، وخاصة بعد الهجوم الأوكراني الأخير الذي أحدث خرقًا كبيرًا في المطارات والطائرات الاستراتيجية في العمق الروسي؟

المقدمة

منذ انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية في شباط/فبراير 2022، تحولت العاصمة الأوكرانية كييف إلى رمز للصمود، كما صعد نجم الطبقة السياسية والعسكرية التي قادت البلاد وسط النيران والحصار والتدخلات.

ومع تصاعد المعارك، خصوصًا بعد تنفيذ أوكرانيا هجمات غير مسبوقة في العمق الروسي، بما في ذلك استهداف المطارات والطائرات الاستراتيجية النووية، تعقّد المشهد السياسي والعسكري بشكل غير مسبوق.

وبينما تتوالى الضربات والمفاوضات، ويُطرح سؤال «متى ستنتهي الحرب؟»، يُطرح في المقابل سؤال لا يقل أهمية: ما الذي سيحدث بعد الحرب الروسية الأوكرانية؟ وما مصير كييف من حيث مكانتها السياسية والاقتصادية والأمنية؟ وما مصير الطبقة الحاكمة الأوكرانية التي واجهت الحرب، والتي تنقسم بين قيادة شعبية يمثلها الرئيس زيلينسكي، وقوى أمنية وعسكرية ذات نفوذ متصاعد؟ وهل سيكون هناك انتقال سياسي أم ترسيخ للسلطة؟ وهل ستعاقب روسيا هذه الطبقة بعد العمليات المؤلمة في عمق أراضيها؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تقسيم التحليل إلى ثلاثة محاور رئيسية، هي:

  • أولًا: مستقبل كييف عاصمةً بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

  • ثانيًا: مصير الطبقة السياسية الحاكمة في أوكرانيا.

  • ثالثًا: الحسابات الروسية والدولية بعد الحرب.

أولًا: مستقبل مدينة كييف بعد الحرب الروسية الأوكرانية

1- الموقع الرمزي لكييف

كانت كييف وما زالت مركز الدولة الأوكرانية الحديثة، وتحمل أهمية رمزية لدى الروس أيضًا بوصفها مهد «روس الكييفية»، حضارة السلاف الشرقيين. وبعد الحرب الروسية الأوكرانية ستبقى مركزًا للهوية الأوكرانية والصمود القومي.

2- إعادة الإعمار في أوكرانيا

  1. ستكون كييف أول المستفيدين من خطط إعادة الإعمار الأوروبية والغربية والأمريكية، خاصة بعد الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية وشبكة الكهرباء فيها.

  2. أبدى عدد من الدول، أبرزها ألمانيا وبولندا وتركيا، استعدادها للمشاركة في بناء شبكات جديدة للطاقة والاتصالات والمواصلات في أوكرانيا.

  3. سيتحول وسط كييف إلى مركز لتخطيط سياسي واقتصادي جديد يشمل البرلمان ومؤسسات الدولة وهيئات إعادة الإعمار.

3- التغير الديموغرافي في أوكرانيا

  1. عادت إلى كييف ملايين العائلات التي هجرتها في بداية الحرب الروسية الأوكرانية، خاصة في النصف الثاني من 2023.

  2. لكن سكانها لن يعودوا كما كانوا، إذ سيغلب على الجيل العائد الطابع العسكري والخبرة المكتسبة في أوقات الحرب، مما سيؤثر في السياسات والمزاج العام.

4- العسكرة والأمن في أوكرانيا

  1. سيستمر وجود أنظمة دفاع جوي كثيفة داخل كييف وحولها.

  2. سيتم تعزيز القدرات الأمنية، وقد تتحول بعض المناطق في أوكرانيا إلى مواقع قيادة عسكرية استراتيجية دائمة.

  3. ستشهد العاصمة كييف تعاونًا عسكريًّا أو استخباراتيًّا دائمًا مع حلف الناتو في مرحلة ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

ثانيًا: مصير الطبقة الحاكمة الأوكرانية

1- الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

  1. تحوّل زيلينسكي خلال الحرب الروسية الأوكرانية إلى رمز دولي، ولقي دعمًا غير مسبوق من الغرب وأمريكا.

  2. في حال انتهاء الحرب باتفاق سياسي يحفظ وحدة أوكرانيا (ولو جزئيًّا)، سيحظى زيلينسكي بمكانة أسطورية شبيهة بمكانة تشرشل في بريطانيا أو ديغول في فرنسا.

  3. قد يُعاد انتخابه بسهولة، خاصة إن قاد عملية إعادة الإعمار في أوكرانيا.

لكن إذا انتهت الحرب بتنازلات أوكرانية كبيرة، مثل خسارة مزيد من الأراضي الشرقية الأوكرانية أو الاعتراف بالسيطرة الروسية على دونيتسك وزابوروجيا:

  1. قد تتراجع شعبية زيلينسكي تدريجيًّا.

  2. قد تُفتح ملفات فساد أو سوء إدارة.

  3. من المحتمل أن يغادر المشهد السياسي في انتخابات لاحقة، أو يتحول إلى شخصية دولية خارج أوكرانيا.

2- النخبة العسكرية والأمنية الأوكرانية

  1. سيكتسب الجنرالات والقادة الأمنيون الأوكرانيون الذين خططوا للهجمات الأخيرة في العمق الروسي، ومنهم رئيس الاستخبارات العسكرية كيريلو بودانوف، مكانة غير مسبوقة.

  2. إذا استمرت حالة العسكرة في المجتمع الأوكراني، فقد يشكلون قوة سياسية ضاغطة داخل البرلمان أو الحكومة الأوكرانية.

  3. هناك احتمال لتصاعد نفوذ الطبقة العسكرية في مقابل الطبقة المدنية بعد الحرب، خصوصًا إن لم يُضبط هذا التوازن دستوريًّا.

3- صعود شخصيات أوكرانية جديدة

  1. ظهرت خلال الحرب الروسية الأوكرانية شخصيات جديدة من الجيش والإعلام والبلديات المحلية.

  2. قد يصبح بعض هذه الشخصيات منافسًا مستقبليًّا لزيلينسكي، مثل عمدة كييف فيتالي كليتشكو الذي أدى دورًا مهمًّا في دعم المدنيين خلال الحصار.

  3. كذلك هناك احتمال أن تظهر في أوكرانيا حركات مدنية تطالب بالشفافية والمحاسبة بعد الحرب، خصوصًا مع المساعدات الهائلة التي ستُصرف لأوكرانيا.

4- المحاسبة والمساءلة في أوكرانيا

  1. في حال انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية بطريقة تضمن السلام لا الهزيمة لأوكرانيا، ستكون هناك مرحلة محاسبة داخلية لبعض الفاسدين أو المتخاذلين من الأوكرانيين.

  2. قد تُجرى تحقيقات في الأداء العسكري، أو في إدارة المساعدات، أو في إدارة الهجمات على العمق الروسي.

  3. كذلك قد تفتح روسيا ملفات خاصة ضد شخصيات أوكرانية معينة، وقد تطلب محاكمتها دوليًّا، لكن من غير المرجح أن يُستجاب لتلك المطالب دوليًّا.

ثالثًا: الحساب الروسي مع كييف والطبقة الحاكمة الأوكرانية

1- الانتقام الرمزي الروسي من أوكرانيا

  1. قد تسعى روسيا بعد الحرب إلى الانتقام من الطبقة الحاكمة في كييف، خصوصًا من ضباط الاستخبارات الذين يُعتقد أنهم خططوا للهجمات في العمق الروسي.

  2. قد تُصدر موسكو قوائم «مطلوبين» بحق هؤلاء القادة الأوكرانيين.

  3. من المحتمل تنفيذ عمليات استخباراتية داخل أوكرانيا تستهدف شخصيات أوكرانية محددة، كما فعلت روسيا سابقًا في لندن أو برلين.

2- استخدام الهجمات الأوكرانية في العمق الروسي ذريعةً

  1. ستستخدم روسيا الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي مبررًا لأي عمليات مستقبلية، حتى بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

  2. وهذا سيجعل بعض مناطق أوكرانيا، خصوصًا العاصمة كييف، تحت التهديد الروسي الدائم في حال عادت التوترات بين البلدين.

3- العقوبات على النخب الأوكرانية

  1. ستُدرج موسكو العديد من السياسيين الأوكرانيين في قوائم العقوبات، وتجمّد أصولهم، وتمنع تواصلهم مع روسيا أو الدول الحليفة لها.

4- التأثير الدبلوماسي على أوكرانيا

  1. حتى بعد الحرب، قد لا تعترف روسيا بشرعية الحكومة الأوكرانية إذا قادها زيلينسكي أو رفاقه العسكريون.

  2. ستسعى موسكو إلى دعم معارضة أوكرانية داخلية إن أمكن، عبر أذرعها الاستخباراتية والإعلامية.

رابعًا: مستقبل العلاقات بين كييف والغرب وأمريكا بعد الحرب الروسية الأوكرانية

1- تعزيز الاندماج الأوروبي لأوكرانيا

  1. ستسعى كييف إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بسرعة بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

  2. سيكون هناك دعم مالي وسياسي غربي كبير لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في أوكرانيا.

2- التقارب الأوكراني مع حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)

  1. حتى إن لم تنضم أوكرانيا رسميًّا إلى الناتو، فستكون لها اتفاقيات أمنية ثنائية مع دول أعضاء في الحلف، مثل بولندا وبريطانيا وأمريكا.

  2. ستستمر عملية تحديث الجيش الأوكراني وفق معايير حلف الناتو.

3- حماية النظام السياسي الأوكراني

  1. سيستمر الغرب في دعم كييف، لكنه سيتابع عن كثب مسار الحريات العامة وحقوق الإنسان في أوكرانيا.

  2. هناك احتمال أن تبرز خلافات لاحقة إذا تمادت السلطة الأوكرانية في عسكرة الدولة أو التضييق على المعارضة.

الخاتمة

إن مصير كييف والطبقة الحاكمة فيها بعد الحرب الروسية الأوكرانية سيعتمد بدرجة كبيرة على الطريقة التي ستنتهي بها الحرب: هل سيكون ذلك عبر نصر واضح لأحد الطرفين، أم عبر تسوية مريرة؟

وفي الحالتين سيظل لموقع كييف الجغرافي، ولقدرتها على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، أثر بالغ في تقرير شكل الحكم والسياسة المستقبلية لأوكرانيا.

وإذا كان زيلينسكي وفريقه قد اكتسبوا شرعية تاريخية بفعل قيادتهم للحرب الروسية الأوكرانية، فإن هذه الشرعية ستُختبر في مرحلة السلم، عندما تتغير الأولويات من القتال إلى الاقتصاد، ومن الصمود إلى التنمية. أما موسكو فلن تنسى بسهولة ضربات المسيّرات الأوكرانية في عمق أراضيها، وقد تعتبر أن بعض قادة كييف يجب أن «يدفعوا الثمن» ولو لاحقًا.

وبينما ستبقى كييف عاصمة سياسية رمزية بعد الحرب، فإنها ستتحول في الوقت نفسه إلى عاصمة جديدة لحرب باردة أوروبية مستترة، عنوانها الأمن والمراقبة والدبلوماسية المعقدة، وربما الخوف من تكرار الحرب ذاتها.