الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي
ما معنى السيبرانية؟ وما الغاية منها؟ ومن لديه اليد الطولى في استخدامها؟
من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 8 أيار 2025
ما معنى السيبرانية؟ وما الغاية منها؟ ومتى تُستخدم ولماذا؟ وكيف يُستفاد منها؟ ومن لديه اليد الطولى في استخدامها؟
السيبرانية، أو ما يُعرف أيضًا بالأمن السيبراني أو الفضاء السيبراني، واحدة من أبرز مفاهيم العصر الرقمي، وقد أصبحت عنصرًا حاسمًا في الجغرافيا السياسية والدفاع والاقتصاد والمجتمع.
أولًا: تعريف السيبرانية
مصطلح «السيبرانية» مشتق من الكلمة الإنجليزية Cyber، ويُستخدم للإشارة إلى كل ما يتعلق بالعالم الافتراضي والرقمي الذي تُدار فيه عمليات تعتمد على الأنظمة الإلكترونية والمعلوماتية.
ويشمل ذلك:
- الفضاء السيبراني (Cyberspace): هو البيئة الافتراضية الناتجة عن الترابط بين الشبكات الرقمية والأجهزة والبرمجيات والبيانات.
- الأمن السيبراني (Cybersecurity): هو علم حماية الأنظمة والمعلومات من الاختراق والتجسس والعبث وتقنيتها.
السيبرانية تداخل معقد بين التقنية والاتصال والمعلومات والبنية التحتية الحيوية، وتُعد مجالًا مستقلًا من حيث التخطيط الاستراتيجي والعمليات العسكرية والمدنية.
ثانيًا: الغاية من السيبرانية
تتمثل الغاية الأساسية من السيبرانية في السيطرة والدفاع والهجوم داخل المجال الرقمي، ومن أبرز أهدافها:
- حماية الأنظمة والشبكات الحساسة (العسكرية والاقتصادية والحكومية).
- مراقبة الاتصالات وحركة المعلومات عبر الإنترنت.
- شنّ هجمات سيبرانية ضد الخصوم السياسيين أو العسكريين.
- التأثير في الرأي العام من خلال التلاعب الرقمي أو النشر الموجّه.
- التجسس السيبراني للحصول على معلومات سرية.
ثالثًا: متى يُستخدم الفضاء السيبراني ولماذا؟
يُستخدم الفضاء السيبراني لأغراض متنوعة، منها:
- في السلم: لضمان أمن البيانات والمؤسسات والخدمات.
- في الحرب: جزءًا من الاستراتيجية الشاملة لشلّ القدرات الرقمية للعدو (مثل تعطيل أنظمة القيادة، أو شبكات الكهرباء، أو الأقمار الصناعية).
- في السياسة: للتأثير في الانتخابات، أو تحريك الرأي العام، أو اختراق المعارضة.
- في الاقتصاد: للتجسس الصناعي، أو تعطيل الشركات العملاقة المنافسة.
مثال على استخدامه في الحروب:
الهجوم الذي نُسب إلى إسرائيل والولايات المتحدة بفيروس «ستوكسنت» ضد منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية عام 2010.
رابعًا: كيف يُستفاد من السيبرانية؟
يُستفاد من السيبرانية في عدة مجالات:
- السيبرانية في المجال العسكري:
- تنفيذ هجمات سيبرانية على شبكات اتصالات العدو.
- الدفاع ضد الاختراقات ومحاولات التجسس.
- حماية نظم التحكم بالطائرات والرادارات والأقمار الصناعية.
- السيبرانية في المجال الأمني:
- مكافحة الإرهاب الإلكتروني.
- كشف الشبكات الإجرامية الرقمية (تجارة السلاح، والمخدرات، وغسيل الأموال).
- مراقبة الجرائم الإلكترونية وتحديد هوية مرتكبيها.
- السيبرانية في المجال السياسي:
- شنّ حملات معلوماتية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
- دعم المعارضة أو إفشال الثورات.
- كشف وثائق وتسجيلات لأهداف دعائية.
- السيبرانية في المجال الاقتصادي:
- سرقة براءات الاختراع والمعلومات الصناعية الحساسة.
- شنّ هجمات على الشركات والبنوك.
- فرض السيطرة على قطاعَي الاتصالات والطاقة.
خامسًا: من يملك اليد الطولى في استخدام السيبرانية؟
تتنافس القوى العالمية على التفوق في الفضاء السيبراني، ولكن هناك دولًا تُعتبر رائدة في ذلك:
- الولايات المتحدة الأمريكية:
- تمتلك «القيادة السيبرانية الأمريكية» (US Cyber Command).
- لديها أكبر عدد من الشركات المختصة بالأمن السيبراني.
- تتحكم في أغلب خوادم الإنترنت العالمية.
- إسرائيل:
- تُعد من أوائل الدول التي دمجت السيبرانية في الأمن القومي.
- لديها وحدة النخبة «الوحدة 8200» المسؤولة عن جمع المعلومات والتجسس السيبراني.
- تصدّر تقنيات سيبرانية إلى أكثر من 100 دولة.
- روسيا:
- تشتهر بقدراتها السيبرانية الهجومية، خاصة عبر مجموعتي «APT28» و«Cozy Bear».
- استخدمت روسيا السيبرانية في حروب أوكرانيا وجورجيا، وضد أمريكا.
- لدى روسيا أجهزة أمنية متخصصة مثل «FSB» و«GRU».
- الصين:
- تعتمد الصين على جيش إلكتروني رسمي يُعرف بـ«جيش التحرير السيبراني».
- تشن هجمات تجسس اقتصادي وصناعي.
- تستخدم السيبرانية في مراقبة المجتمع الصيني نفسه.
- إيران:
- طوّرت قدراتها السيبرانية بعد تعرضها لهجمات مثل «ستوكسنت».
- لديها «القيادة السيبرانية للحرس الثوري».
- شنّت هجمات ضد أهداف إسرائيلية وسعودية وأمريكية.
- كوريا الشمالية:
- تشتهر بهجمات اختراق البنوك والعملات الرقمية.
- لديها مجموعة «لازاروس» (Lazarus Group).
سادسًا: أمثلة على الهجمات السيبرانية
- 2010: فيروس «ستوكسنت» ضد إيران.
- 2014: اختراق شركة «سوني بيكتشرز» من قبل كوريا الشمالية.
- 2016: اختراق البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي الأمريكي.
- 2020: الهجوم الشامل على SolarWinds (واتُّهمت به روسيا).
- 2022–2024: تصعيد سيبراني متبادل بين أوكرانيا وروسيا.
سابعًا: مستقبل السيبرانية
لن تكون السيبرانية ساحة موازية للصراعات فحسب، بل ستمثل الجبهة الأولى للحروب المستقبلية. ومن المتوقع أن تشمل التطورات القادمة:
- استخدام الذكاء الاصطناعي لتوجيه الهجمات والدفاع.
- إنشاء «جيوش سيبرانية» متكاملة.
- التعاون الدولي في مكافحة الجرائم الرقمية.
- سباق تسلح رقمي شبيه بالحرب الباردة.
ثامنًا: العلاقة بين السيبرانية والحروب التقليدية
لم تعد الحروب تُخاض على الأرض فقط، بل أصبحت السيبرانية جزءًا أساسيًا من أدوات الردع والهجوم، ويمكن أن تكون الضربة الأولى في أي معركة حديثة.
مثال:
قبل أي هجوم صاروخي أو جوي تُنفَّذ هجمات سيبرانية لتعطيل الرادارات والاتصالات وشبكات الدفاع الجوي، بما يسهّل تنفيذ الهجوم التقليدي.
الخاتمة
أصبحت السيبرانية اليوم سلاحًا بحد ذاته، تتنافس فيه الدول العظمى وتطوّره ضمن استراتيجياتها الشاملة للأمن والدفاع والهجوم. وتكمن خطورته في أنه لا يحتاج إلى جيوش أو دبابات، بل إلى عقول وأكواد رقمية تستطيع تدمير دول بأكملها أو تعطيل اقتصادات ضخمة دون إطلاق طلقة واحدة.