الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

نتمنى ألا تتوسع الحرب الروسية الأوكرانية إلى حرب عالمية ثالثة وأن يُركَّز على الحل السلمي

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 57، كُتب في 17 آذار 2022

  • إن التصعيد الهستيري في المواقف هذه الأيام تحديداً، والتشدد الجنوني لدى الأطراف كافة، يكاد يطفئ في النفوس كل بصيص أمل في حل سلمي، بل إنه يُنذر باندلاع حرب تقليدية واسعة النطاق بين روسيا من جهة، وحلف الناتو والغرب وأمريكا من جهة أخرى.

  • فقد استكملت دول الناتو جلّ استعداداتها، وحشدت كثيراً من القوات، ما يقارب 100,000 جندي في شرق أوروبا وفي دول أخرى إلى شمالها.

  • أما السيد بوتين فهو جاهز، ليس لحرب تقليدية واسعة فحسب، وإنما لحرب نووية «فوّاحة الأريج، طيبة الدفء، منعشة النسمات»، كأنها الدواء لكل داء مزمن عضال.

  • إن خطابات هذه الأيام جميعها نارية، والقرارات تقضي باتخاذ إجراءات تصعيدية متعنتة على كل صعيد.

  • فإما أن يتراجع بوتين، وإما أن تستمر الحرب منذرةً بالخروج عن السيطرة في كل ساعة، وهو احتمال وارد.

  • قال بوتين: لن تتوقف العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا حتى تحقيق جميع أهدافنا وخططنا، التي تجري وفق المراحل المرسومة لها. وهي أهداف تعجيزية مذلة بطبيعة الحال، يعرفها المتابع، ولا يقبل بها إلا العبيد.

  • وقال زيلينسكي وهو يخاطب الكونغرس الأمريكي بكامل نصابه:

    • لن نقبل بالإملاءات الروسية، ولا سيما تلك التي تخص الجوانب السيادية لوطننا أوكرانيا.

    • لن تكون أوكرانيا دولة محايدة كالسويد أو النمسا أو إيرلندا.

    • لن نقبل بنزع سلاح قواتنا المسلحة الأوكرانية.

    • لن نقبل إلا باستقلال كامل لأوكرانيا أرضاً وشعباً.

  • وطالب زيلينسكي بمزيد من الدعم في كل مجال لمواصلة الدفاع عن أوكرانيا، حتى تتراجع روسيا عن غطرستها العسكرية وتنسحب من تراب بلده. وأعتقد أن هذا غير ممكن بالنسبة إلى روسيا اليوم.

  • ويقول جو بايدن: سنواصل دعم الشعب الأوكراني وقيادته عسكرياً واقتصادياً بشكل غير مسبوق، حتى إلحاق الهزيمة ببوتين وروسيا وبغزوه غير الأخلاقي لبلد جار مستقل ذي سيادة. ووصف بايدن السيد بوتين بأنه مجرم حرب، ووعد بإرسال صواريخ مضادة للطائرات والدبابات، وطائرات مسيّرة أبعد مدى وأكثر تطوراً ودقة، إلى أوكرانيا لمواجهة روسيا.

  • أما وزراء دفاع حلف الناتو فهم جميعاً على قلب رجل واحد، عزيمةً ودفاعاً عن جميع دول الحلف، وفي كل ما يخص تعزيز قدرات أوكرانيا العسكرية وصمودها ومقاومتها لتقدم روسيا واحتلالها.

  • لقد بدأت هذه المواجهة العصيبة، التي وضعت العالم في مرحلة من أعقد مراحله، بـ«خطأ قاتل» ارتكبه السيد بوتين، بحسب اعتقاد حلف الناتو، في غفلة من الحكمة والحسابات المنطقية، مدفوعاً بمشاعر العظمة وأمجاد الماضي، وبنخبته الاستشارية والتنفيذية التي لا تُحسن قول شيء سوى «نعم». وفي اعتقادي أن هذا كله غير صحيح أبداً، لأن بوتين رئيس وضابط مخابرات ذكي جداً، ولم يترك شيئاً لم يحسب له حساباً، وحلف الناتو هو من استفزّه للقيام بذلك.

  • يرى المختصون المتابعون للقيادة الروسية أن نخبتها الاستشارية نخبة خانعة متملقة، من الأصدقاء القدامى وممن هم من صنيعة بوتين شخصياً، وجلّهم من منتسبي أجهزة الأمن والمخابرات والاستخبارات العامة، ومن رجال المال والأعمال غير المؤهلين. وهذا أيضاً غير صحيح؛ فهل من المعقول أن يصل بوتين إلى هذا المستوى من السذاجة؟ علماً أن مستشاريه جميعاً أكفاء جداً.

  • لذلك يعتقد حلف الناتو أن الحرب الروسية الأوكرانية ستتوسع، وقد تأخذ مساراً خطيراً يهدد العالم برمّته، إن لم يكبح بوتين مشاعره وحماسه، ويتراجع عن تعنته، ويُزِح من أغرقوه بمعلومات برّاقة خادعة كاذبة وشاطروه قرار غزو بلد جار شقيق هو أوكرانيا. وهذه هي أمنيات قادة الناتو لكرههم بوتين وروسيا منذ القدم.

  • إن وحدة الإجراءات العالمية المتصاعدة المضادة لروسيا عموماً ولبوتين خصوصاً، وشدتها وقسوتها المادية والمعنوية واللفظية، كفيلة بأن تدفع بوتين إلى إنجاح خططه المرسومة مسبقاً. والكل يعلم أن حلف الناتو يخطط لإسقاط روسيا منذ عشرات السنين.

  • يخطط حلف الناتو لإنهاء بوتين وروسيا، ويُذكّر بأن من قتل يوليوس قيصر طعناً هو بروتوس، رفيق عمره وأوفى أصدقائه؛ فلم يكن بوسع قيصر، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، إلا أن يقول مخاطباً صديقه الغادر: «حتى أنت يا بروتوس؟!». وهذا غير منطقي في هذا العصر لدقة الحسابات.

  • فما الذي سيفعله السيد بوتين يا تُرى من أجل نفسه وشعبه والعالم أجمع؟

  • إن في ثنايا السياسة كثيراً من الشر وبعض الخير، وهي مؤهلة دائماً لإيجاد مخارج من أجل السلام، ولها القدرة على إيجاد ما يحفظ ماء الوجه للدول والزعماء على حد سواء.

  • فكل شيء في السياسة ممكن، ولكل ممكن في مفهوم السياسة ثمن، وقد يكون هذا الثمن باهظاً جداً أحياناً. وعلى الناتو وأمريكا أن يتنازلا بعض الشيء عن الغطرسة التي ترمي بهما إلى التهلكة أمام بوتين وروسيا والعالم كله.

  • نعم، إن قرار بوتين باجتياح أوكرانيا قرار خطير جداً، ولكن صلف رئيس أوكرانيا زيلينسكي في طلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ومبالغة حلف الناتو في ضم الجمهوريات المنفصلة عن الاتحاد السوفيتي السابق بعد تفككه عام 1991، أمرٌ يهدد الأمن الوجودي لروسيا.

  • والمنطق والمعقول أن تبقى تلك الجمهوريات السوفيتية السابقة، وفي مقدمتها أوكرانيا، على الحياد، وهذا ما يخطط له بوتين ويريده.

  • ولذلك فإن كلا الطرفين متهور وغير عقلاني، خاصة بعد أن تجاوزت العقوبات المفروضة على كيانات وشخصيات روسية 5,500 عقوبة، وهي عقوبات تكاد تكون تدميرية لروسيا تقنياً واقتصادياً.

  • وهذا يكشف أنها كانت مبيّتة ضد روسيا، وقد يدفع بوتين إلى الذهاب إلى أقصى مدى، حتى لو أدى ذلك إلى حرب عالمية ثالثة تُنهي حياة البشرية على الكرة الأرضية، لاستحالة وجود منتصر فيها.

  • ربنا يؤاخذ قادة الدول الباغية بجريرة أفعالهم الخبيثة، وينصف الشعوب المظلومة.