الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هجمات المسيّرات في العمق الإيراني: تنسيق استخباراتي أم صدفة؟

من سلسلة «الحرب الإسرائيلية الإيرانية» – كُتب في 17 حزيران 2025

سمعنا وقرأنا عن الهجوم الأوكراني بالمسيّرات التي أُدخلت إلى العمق الروسي، وقال زيلينسكي إنه عمل استخباراتي أوكراني. وفي هذه الأيام سمعنا أيضًا عن وجود خلايا للموساد وجواسيس إيرانيين يملكون المسيّرات داخل إيران وفي عمقها منذ فترة من الزمن.

والغريب أننا لم نقارن بين الأمرين: كيف تم ذلك؟ وهل هناك تنسيق بين ما جرى في العمق الروسي والعمق الإيراني؟ وهل الفكرة والموجّه والمخطط واحد؟

المقدمة

تمثّل الهجمات التي طالت عمق الأراضي الإيرانية والروسية تطورًا استراتيجيًّا خطيرًا في الصراع الدولي متعدد الأطراف، ليس فقط بسبب طبيعتها العسكرية المركّبة، بل لما تحمله من إشارات استخبارية وتقنية وسياسية على مستوى رفيع. فاختراق العمق الروسي، ولا سيما استهداف الطائرات الاستراتيجية في قواعد يُفترض أنها محصّنة، لا يقل في رمزيته عن الهجمات بالطائرات المسيّرة داخل إيران، التي استهدفت مواقع حساسة كالمنشآت النووية ومصانع الطائرات، بل وشخصيات أمنية وعلماء نوويين.

ومع أن الرواية الإعلامية قد تُظهر هذين الحدثين منفصلين، فإن التحليل الاستراتيجي يكشف تشابهات عميقة بين العمليتين، بل ربما توجد خيوط تنسيق غير مرئية بين الفاعلين في الهجومين، بما يعكس وحدة الذهنية الغربية الاستخباراتية في التعامل مع الدول المصنفة خصمًا للمشروع الأطلسي.

ومن هنا يمكن تحليل المسألة وفق المحاور الرئيسية الآتية.

أولًا: أوجه التشابه العملياتي والتقني بين الهجومين

1. الوسيلة: الطائرات المسيّرة

استخدمت كلتا العمليتين الطائرات بدون طيار (الدرونز)، وهي الأداة المفضلة في الحروب الحديثة لأسباب متعددة: صعوبة اكتشافها، ودقتها، وانخفاض كلفتها.

وفي كلتا الحالتين، أوكرانيا ضد روسيا وإسرائيل ضد إيران، كانت الدرونات هي «الرسالة» و«الوسيلة» للتنفيذ.

2. الهدف: العمق الاستراتيجي

ما يلفت الانتباه أن المسيّرات لم تستهدف مناطق حدودية أو ساحلية، بل اخترقت مئات الكيلومترات لتضرب «العمق السيادي»: في روسيا قاعدة إنجلز الجوية ومواقع قرب ريازان، وفي إيران أصفهان وطهران ومواقع نووية بعيدة عن الساحل. وهذا يحمل دلالة استخبارية ورسالة قوة إلى الخصم بأن «لا مكان آمنًا».

3. توقيت الهجمات: مرحلة ضغوط استراتيجية

جاءت الهجمات في توقيت يشهد ضغوطًا غير مسبوقة على موسكو وطهران؛ فروسيا تواجه حرب استنزاف في أوكرانيا وعقوبات غربية غير مسبوقة، بينما تعيش إيران عزلة دولية بسبب الملف النووي واتهامات بتسليح روسيا. أي أن الهجمات جاءت لاستغلال ضعف الخصمين وتأجيج الأزمات الداخلية لديهما.

4. طبيعة الفاعل: جهات غير نظامية أو خلايا سرية

في كلتا الحالتين لم تُنسب العمليات إلى قوات نظامية، بل إلى «عناصر داخلية» أو «خلايا سرية»، أو حتى إلى «جهات مجهولة» نفّذت العملية انطلاقًا من داخل أراضي الهدف.

وهذا الأسلوب يعني أمرين: أولًا، أن هناك اختراقًا أمنيًّا عميقًا؛ وثانيًا، أن هناك محاولات لنفي المسؤولية المباشرة تجنّبًا للتصعيد.

ثانيًا: الدور الاستخباراتي وراء الهجومين

1. أوكرانيا: الهجوم على روسيا بمساعدة استخبارية غربية

لم يُخفِ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن وراء هذه الهجمات عملًا استخباراتيًّا، بل إن هناك مؤشرات على أن المسيّرات المستخدمة في ضرب روسيا طُوّرت أو وُجّهت بمساعدة أقمار صناعية وتقنيات غربية، ولا سيما من الولايات المتحدة وبريطانيا.

2. الهجمات داخل إيران: عمل الموساد والإسرائيليين داخل الأراضي الإيرانية

في المقابل، كشفت تقارير دولية وإسرائيلية أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) استطاع تجنيد عملاء داخل إيران، منهم أفراد من قوميات غير فارسية، تمكّنوا من تهريب طائرات مسيّرة أو تصنيعها داخل البلاد. كما أن هناك دلائل على دعم لوجستي وتقني من الخارج.

3. تشابه أساليب الاختراق: الانطلاق من الداخل

اعتمدت كلتا العمليتين على الاختراق من الداخل، وهذا يعكس تفوقًا استخباراتيًّا، لا تقنيًّا فقط. فمجرد قدرة درونات أو خلايا نائمة على اختراق مؤسسات محمية بهذا الشكل يشير إلى سنوات من التغلغل والتخطيط المنهجي.

ثالثًا: هل هناك جهة واحدة تخطط وتنسق؟

1. الرؤية الاستخباراتية الغربية (أميركا، بريطانيا، إسرائيل)

يبدو أن العقل الاستخباراتي الذي يدير المشهد ضد روسيا وإيران في آن واحد، من خلال أوكرانيا في الجبهة الأولى ومن خلال إسرائيل في الثانية، هو عقل واحد، أو على الأقل متجانس. فالأهداف متقاربة، وهي:

  1. إضعاف البنية الدفاعية الجوية الروسية والإيرانية.
  2. ضرب الرموز الاستراتيجية والعسكرية للخصمين.
  3. خلق فوضى داخلية تربك صنّاع القرار.
  4. تمهيد الأرض لردع أي تصعيد نووي محتمل (في الحالتين).

2. التنسيق غير المعلن بين تل أبيب وكييف

ثمة دلائل غير رسمية تشير إلى تنسيق غير مباشر بين إسرائيل وأوكرانيا برعاية أطلسية (غربية)؛ فإسرائيل زوّدت أوكرانيا بأنظمة تشويش ومعلومات استخباراتية عن الطائرات الإيرانية المسلَّمة لروسيا.

وفي المقابل، دُعم الموساد في عملياته ضد طهران بمعلومات من مصادر استخباراتية غربية تستخدم منظومات مشابهة لما يُستخدم في الحرب الأوكرانية.

3. الدعم الأميركي المفتوح

تؤدي الولايات المتحدة دور القائد والممول والمشغّل لهذه العمليات من وراء الكواليس، عبر:

  1. تزويد أوكرانيا بتقنيات عالية الدقة لضرب أهداف في عمق روسيا.
  2. تأمين منصات انطلاق إلكترونية ومخابراتية لإسرائيل في الخليج أو شرق أوروبا.
  3. تبنّي روايات «تعدد الفاعلين» لنفي التورط المباشر وتجنّب المواجهة المفتوحة.

رابعًا: الرسائل الاستراتيجية لهذه الهجمات

1. إلى إيران وروسيا: «أرضكم مكشوفة»

رسالة واضحة إلى موسكو وطهران بأن العمق الاستراتيجي لم يعد آمنًا، وأن الحرب الحديثة لا تتطلب طائرات (F-16) لاختراق العاصمة، بل مسيّرة بحجم طاولة.

2. إلى الرأي العام العالمي: تفوق الغرب تكنولوجيًّا واستخباراتيًّا

محاولة لكسب حرب الصورة والرأي العام، من خلال إظهار أن الأنظمة الروسية والإيرانية غير قادرة على حماية رموز سيادتها.

3. إلى حلفاء إيران وروسيا (كالصين وبعض دول أفريقيا)

لا تراهنوا على حصان خاسر؛ بمعنى أن روسيا وإيران لم تعودا حصنًا منيعًا أمام التفوق الغربي، وأن انخراطكم معهما قد يكلّفكم العزلة أو الهزيمة.

خامسًا: الرد الروسي والإيراني واحتمال التنسيق المضاد

1. روسيا: تصعيد محدود ولكن حازم

سيواصل الكرملين الرد على أوكرانيا عبر ضرب المنشآت المدنية والبنية التحتية، لكنه يحاول تجنّب الاستهداف المباشر للناتو، حفاظًا على خطوط التصعيد.

إلا أن استمرار هذه الهجمات قد يدفع موسكو إلى استخدام وسائل غير تقليدية (إلكترونية أو معلوماتية).

2. إيران: محاولة احتواء وتصفية داخلية

ردّت إيران باعتقالات موسعة وتفكيك خلايا مشتبه بها، مع إعلان بعض الردود المحدودة عبر التهديدات أو الضربات بالوكالة في سوريا والعراق. لكنها لن ترد عسكريًّا على إسرائيل بشكل مباشر في المدى القريب، خشية تصعيد يشمل واشنطن.

3. التنسيق المضاد (إيران وروسيا)

من المرجّح أن تؤدي هذه التطورات إلى مزيد من التنسيق الأمني والعسكري بين موسكو وطهران، سواء في تبادل المعلومات، أو تطوير المنظومات الدفاعية، أو حتى تعزيز التعاون في سوريا واليمن وأفريقيا.

الخاتمة

هل الفكرة والمخطط واحد؟

يمكن القول إن الفكرة واحدة والهدف واحد، وإن العقل المدبّر، وإن اختلفت الأدوات، يُظهر انسجامًا كبيرًا. فالحروب الحديثة باتت تُدار بأجهزة الاستخبارات والتقنيات الخفية والأذرع البعيدة، لا بالجيوش التقليدية فقط. وما نشهده في العمق الروسي والإيراني فصل من فصول «الحرب الرمادية» التي تقودها عقول غربية مشتركة، وينفّذها حلفاء متعددو الأدوار.

وفي النهاية، فإن التنسيق لا يعني بالضرورة اجتماع ضباط من تل أبيب وكييف في غرفة واحدة، بل التقاء المصالح والأهداف والأساليب، بتوجيه من منظومة استراتيجية عالمية تديرها واشنطن ولندن، وتنفّذها أدوات استخباراتية كالموساد و(MI6) و(CIA).

سيتأرجح الرد الإيراني والروسي بين الردع والانكفاء، ولكن ما يهم الآن أن قواعد اللعبة تتغير؛ فالمسيّرات قد تسبق الطائرات، والمعلومة قد تكون أخطر من القنبلة.