الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هل ستضطر الصين إلى دخول تايوان عاجلاً أم آجلاً؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 42، كُتب في نحو آذار 2022

  • لا يمكن وضع الإعلان الأمريكي عن صفقة سلاح بقيمة (750) مليون دولار لتايوان، في لحظة توتر دولي بحجم ما يحيط بالحرب الروسية الأوكرانية، إلا في دائرة الاستفزاز الأمريكي للصين.

  • وقد سبق ذلك نشرُ العديد من المقالات والتقارير التي تقيم المقارنة والتشبيه بين حالة أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا، وحالة تايوان بالنسبة إلى الصين.

  • مما اضطر بكين إلى الردّ بالقول إن تايوان ليست دولة ذات سيادة وفقاً للقانون الدولي، ولا تمثيل لها في الأمم المتحدة، وإنها وفقاً لقرارات أممية نافذة جزء من الصين، وإن المقارنة بالتالي لا تجوز.

  • لكن بكين لا تنسى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن كان، قبل شهور من الحرب الروسية الأوكرانية، قد تعهّد بالتدخل العسكري للردّ على ما وصفه باحتمال هجوم صيني على تايوان، قبل أن يضطر إلى التوضيح بأن واشنطن لا تزال ملتزمة بالصين الموحدة.

  • يدرك الصينيون أن تايوان، سياسياً واقتصادياً، مجرد لسانٍ غربيٍّ بحريٍّ في البر الصيني.

  • ويدركون أن استعادة تايوان جزءاً من الصين لن تتم سلماً.

  • وإنه كلما زاد حضور موازين قوى عسكرية واقتصادية وسياسية تقول بأن الصين قادرة على الحسم في تايوان قبل أن يتمكن الغرب من فعل شيء، بما يكفي لإقناع قيادات تايوان بالجلوس بعقلانية مع بكين لبحث شروط العودة السلمية إلى الصين، فإن الأمريكيين لن يتوانوا، بالتعاون مع اليابان صاحبة الخصومة التقليدية مع الصين والقريبة جداً من تايوان، عن التضحية بتايوان، كمثل التضحية بأوكرانيا في الحرب الروسية الأوكرانية، لخوض حرب استنزاف بالوكالة مع الصين (حرب صينية تايوانية): استنزافٍ عسكري وسياسي وإعلامي وقانوني واقتصادي، يراهن الأمريكيون على الخروج منه بتسوية تعيد تنظيم العلاقات مع الصين، ولو كان الاعتراف بتبعية تايوان الكاملة للصين ثمناً لذلك.

  • ما حدث بين روسيا وأوكرانيا يقدّم دروساً مهمة للصين.

  • فقد صبرت موسكو طويلاً، وراهنت على استثمار كل الوسائل الممكنة لتفادي الخيار العسكري (الحرب الروسية الأوكرانية).

  • وعندما وقع انقلاب عام 2014 في كييف بدعم أمريكي في حينها، وتم الاستيلاء على السلطة من خارج الإطار الدستوري والقانوني بقوة «الثورات الملونة»، بقيت منطقتا دونباس والقرم ترفضان الانصياع للسلطة الأوكرانية الجديدة.

  • ورفضت موسكو أن تفعل في دونباس ما فعلته في القرم، أملاً بالحل السياسي، وراهنت على «العقلانية الأوروبية» وتأثيرها في القيادة الأوكرانية المناوئة لروسيا، وعلى المصالح المشتركة التي حافظت عليها. وبذلت روسيا من خزينتها «إتاوة» لصالح أوكرانيا بالحفاظ على أنابيب الغاز التي تمرّ عبر أوكرانيا، رغم السير في أنبوب «السيل الشمالي»، وتعهّدت لأوكرانيا بالحفاظ على ذلك وإبقائه بعد وضع الأنبوب الجديد قيد التشغيل، للحفاظ على مورد العبور للخزينة الأوكرانية.

  • وجاءت صيغة «اتفاق مينسك» وإطار «النورماندي»، وموسكو تمنح الفرص تلو الفرص.

  • ومرّت ثماني سنوات كانت أوكرانيا تواصل خلالها عملية البناء العسكري، وتستمر في التدريبات مع حلف الناتو في غرب أوكرانيا، وتتوسع بنية التشكيلات العسكرية النازية وينمو نفوذها، وترتفع وتيرة الاستفزازات القانونية، من تحريم استعمال اللغة الروسية في الدوائر الحكومية في أوكرانيا، إلى تضمين انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو في الدستور الأوكراني بنص صريح، حتى وصلت موسكو إلى معادلة مفادها أنها ما لم تبدأ الحرب، فستجد روسيا نفسها أمام عمل عسكري أوكراني كبير في دونباس، لا تملك بعده أن تفعل شيئاً في مواجهته، باعتباره شأناً أوكرانياً داخلياً.

  • في بحر الصين تنتشر مجموعة هائلة من الجزر التي يدور حولها نزاع تاريخي بين الصين واليابان وفيتنام ولاوس وكمبوديا.

  • ويفتح استثمار حقول الغاز البحرية المكتشفة أفقاً جديداً لهذا النزاع.

  • وقد فاوضت تايوان اليابانَ على تسويات حول بعضها، كادت تفجّر عام 2015 نزاعاً صينياً يابانياً، مما يعني أن تكرار «سيناريو دونباس»، ولكن في البحر، أمر ممكن.

  • كما جعل ذلك اليابانَ طرفاً مقابلاً للصين، يقف خلف تايوان مقابل مكاسب بحرية تزداد أهمية، سواء لقيمتها الاستراتيجية أو في التسابق على موارد الطاقة الكامنة في المياه.

  • ولن يضير أمريكا أبداً تشجيعُ اليابان على التورط في حرب تدمير متبادل مع الصين، إذا كان هذا هو الطريق للتخلص من الصمود الصيني.

  • ولأن السلام يحتاج إلى إرادتين، وواحدة منهما غير متوافرة بالتأكيد، فإن تعويذات السلام لن تفيد الصين، وستجد الصين نفسها عاجلاً أم آجلاً مضطرة إلى المبادرة عسكرياً، تحت العنوان ذاته الذي حملته العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، حتى تنزع عنصر المفاجأة من يد العدو في حرب محتومة (أو متوقعة) الوقوع.