الفريق الركن الدكتور عبد العزيز عبد الرحمن المفتي

هل سيُضغط على الزر النووي؟

من سلسلة «الحرب الروسية الأوكرانية» – الجزء 13، كُتب في نحو آذار 2022

  • في نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2021 اكتمل خط الأنابيب «نورد ستريم 2» الذي يربط منطقة أوست-لوغا الروسية بمدينة لوبمين الألمانية عبر بحر البلطيق، بطول 1,234 كيلومتراً، لكنه لم يُدشَّن، لأنه أثار حفيظة أمريكا بشكل خاص.

  • وأقنعت أمريكا بدورها ألمانيا بأن هذا الخط يعني رهن مستقبل الحياة الألمانية لروسيا، وأنه سيؤدي إلى خسارة أوكرانيا ما بين مليارين وثلاثة مليارات دولار سنوياً، بسبب توقف خط الغاز المار عبر أراضيها.

  • والجدير بالذكر أن خط أنابيب «نورد ستريم 2» قد يدرّ على روسيا عائدات سنوية تزيد على 115 مليار دولار، إذا حافظت على الأسعار نفسها التي كانت تفرضها عبر الخط الأوكراني.

  • وقد يحوّل هذا المشروع، بتكلفته المنخفضة، حاجةَ الأوروبيين إلى «غاز بوتين» إلى تبعية سياسية لروسيا.

  • إن الأزمة الحالية نقطة تحول كبيرة في تاريخ تحجيم الاقتصاد الأوروبي ومحاولة تقزيمه.

  • وهي نقطة تحول تدفع الأوروبيين إلى إعادة النظر في تصرفاتهم تجاه القضية الأوكرانية، على اعتبار أن 70% من الغاز الروسي يمر عبر الأنبوب الأوكراني، وهو واحد من أهم أربعة أنابيب تمر في بولندا وتركيا وأوكرانيا.

  • أما خط أنابيب «نورد ستريم 1» إلى ألمانيا، الذي يغذي القارة العجوز، فإن جزءاً من الأسباب التي انتفضت لأجلها أوروبا عموماً، وألمانيا وأمريكا خصوصاً، هو أن شركة «غازبروم» الحكومية الروسية تمتلك 51% من هذا المشروع.

  • مما أدى إلى أن يُفسَّر الموضوع على أنه سلاح جيوسياسي فتاك، قد يُرجع الاتحاد الأوروبي إلى العصور الوسطى، وهو ما دعاهم إلى فرض عقوبات على خط الغاز الجديد «نورد ستريم 2» في الأعوام 2017 و2019 و2020، وهو الخط الذي لم يكتمل، كما أسلفنا، إلا في نهاية عام 2021.

  • وجاءت ردة الفعل الروسية قاسية ومبالغاً فيها نوعاً ما، بعد أن وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، مما جعل بوتين يضع بصمتين في آنٍ واحد:

الأولى: خفض كمية الغاز المتوجهة إلى أوروبا عبر أوكرانيا بنسبة 23%.

الثانية: رفع السعر بنسبة 15%، فوضعهم أمام عقبة القبول بالأمر الواقع.

  • حتى أتاح ذلك للكرملين مراكمة الاحتياطي خلال هذه الفترة، إذ أعلن صراحة ارتفاع مخزون الاحتياطي من العملة الصعبة إلى نحو 630 مليار دولار قبل البدء بأي عملية عسكرية.

  • إذ لا بد أن تسبق اللجوءَ إلى خيار التصعيد العسكري تحركاتٌ استفزازية بصورة تدريجية.

  • تبدأ أولاً بالتصريحات الإعلامية، وتنتهي بالضغط على زر إطلاق أول طلقة. فقد حشدت روسيا أكثر من مئة ألف جندي على الحدود الروسية الأوكرانية بنية اجتياح أوكرانيا، بحجة نيتها الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو).

  • وقاد ذلك إلى الشرارة الأولى للحرب التقليدية، التي أوصلت فرنسا إلى أن تجعل غواصاتها النووية جاهزة للضغط على زر الإطلاق.

  • ولم يتأخر الرد في الطرف الروسي، إذ أخبر وزير الدفاع الروسي بوتين بأن أسطولي الشمال والمحيط الهادئ والقوات المشرفة على الأسلحة النووية في حالة تأهب قصوى للضغط على الزر النووي.

  • وكل ذلك في ظل ترقّب وتفرّج واضحين من الإدارة الأمريكية.

  • ولا يمكن إنكار حقيقة ثابتة تقضي بأن التفوق العسكري والقدرات الروسية أعلى بكثير من القدرات الأوكرانية، والدليل على ذلك تصنيف روسيا في المرتبة الثانية من أصل 140 دولة في المجال العسكري.

  • بينما تحتل أوكرانيا المرتبة الثانية والعشرين من أصل 140 دولة في العالم.

  • ناهيك عن امتلاك روسيا 70 غواصة، و30,122 مدرعة، و12,420 دبابة، وأكثر من 15 مدمرة، بميزانية لوزارة الدفاع تبلغ 154 مليار دولار. فضلاً عن القوات شبه العسكرية المتمثلة في المقاتلين الشيشان وغيرهم، الذين يزيد عددهم على 250 ألف مقاتل، بينما لدى أوكرانيا 50 ألف مقاتل.

  • ويبدو أن معركة عضّ الأصابع ستبدأ من خلال نية السويد وفنلندا تقديم طلب الانضمام رسمياً إلى حلف الناتو.

  • وتُعدّ هذه الخطوة أخطر خطوة قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة، لتدخل فعلياً في مرحلة نهاية العالم.

  • على اعتبار أن لدى روسيا تحفظات شديدة على انضمام أوكرانيا والسويد وفنلندا إلى حلف الناتو.

  • الذي تعدّه روسيا بمثابة تهديد وجودي لها. كما أن خروج السويد عن صمتها وحيادها بإرسال آلاف المعدات العسكرية إلى أوكرانيا قد ينذر بأزمة جديدة تنفتح أبوابها في الفترة التي تلي نهاية الحرب الروسية الأوكرانية.

  • أما ألمانيا، التي وقعت بين أمرين أحلاهما مرّ، فقد اكتفت بإرسال خمسة آلاف خوذة إلى أوكرانيا.

  • ملحوظة: أشار بايدن إلى أن خط أنابيب «نورد ستريم 2» لن يمضي قدماً، وأن هذا لن يحدث أبداً.